أخبار عاجلة

مئوية عكاشة.. ننشر سطور إبراهيم عبد المجيد عن “ثروت مصر” فى عدد مجلة “فنون” التذكاري

التاريخ المعاكس

إبراهيم عبد المجيد

قبل الحديث عن ثروت عكاشة، من المهم جدا أن ندرك أن من كانوا مع ثورة يوليو من عسكريين نشأوا في الفترة الملكية وتعلموا فيها، وهي الفترة التي كانت فيها الحركة الليبرالية تصعد شيئا فشيئا مهما شابها من تدخلات سياسية من الملك أو من الإنجليز.

لو نظرنا إلى كيف لم يستطع حزب الوفد وهو حزب الأغلبية الوصول إلى الحكم غير ثلاث مرات سريعة لم تتجاوز مدتها كلها سبع سنوات، ثم تأملنا الإنجازات التي تمت في الثقافة والفنون والعمارة والصناعة وغيرها، عرفنا كيف تمت في وقت حكم أحزاب الأقلية، وسندرك أن مسألة الليبرالية لم تكن تخص فريقا عن فريق.

وأن النهضة كانت هم الجميع واختلافاتهم السياسية كانت حول الاستعمار البريطاني وطرق التخلص منه، والحصول منه على أقصى ما يمكن من درجات الاستقلال، وأيضا وضع الملك الدستوري. وحين يقوم رئيس وزراء مثل محمد محمود أو إسماعيل صدقي بإيقاف العمل بالدستور لا تتوقف المظاهرات ضده ولا يطول الوقت ولا يصبح ذلك نظاما ساريا. كان التعليم هو هدف الجميع. كانت المدارس يبنيها الباشوات أو الجمعيات الأهلية وتتبرع بها إلى وزارة المعارف، ومنها جمعيات دينية مثل “العروة الوثقى”.

في قلب التعليم كان تعليم اللغة الإنجليزية والفرنسية، ومن الحياة ومن الجاليات ومن مدارس البعثات الأجنبية، يمكن الإلمام بلغات أخرى مثل اليونانية والإيطالية وغيرها. كان المنتهي من التعليم الابتدائي يعرف ما العلم وما الفلسفة وما الأدب إلخ، فضلا عن إتقانه للغة أجنبية أو لغتين، وإليك في عباس العقاد خير مثال.

في هذا الجو العالمي تعلم المدنيون والضباط وإليك قليل من الأسماء الشهيرة من رجال البوليس والجيش مثل عز الدين ذو الفقار وصلاح ذو الفقار وسعد الدين وهبة وأحمد مظهر ويوسف السباعي وغيرهم كثير، حتى إن مؤلفا للأغاني من أجمل الشعراء هو محمد علي أحمد كان ضابطا للمرور.

ثروت عكاشة كان واحدا من ذلك الزمن. هذا حديث أراه مهمًا لأن ما حدث بعد يوليو من توجه شمولي للحكم لم يكن ممكنا أن يمتد للثقافة والعلوم بسهولة، فظلت المدارس على نفس نظامها وإن تغيرت مناهجها. أعني بنظامها وجود ملاعب كرة قدم وكرة سلة وكرة طائرة وجماعة رحلات وجماعة موسيقى وجماعة رسم وجماعة للشعر فضلا عن حصص القراءة الحرة.

لقد كنت أنا من هذا الزمن فدخولي المرحلة الابتدائية كان عام 1952. توجه الدولة الشمولي ظهر في السياسة بإلغاء الأحزاب ثم إقامة حزب يمثل السلطة وهو الاتحاد القومي أو الاتحاد الاشتراكي فيما بعد، وتأميم الشركات والتخلص من الأجانب تحت دعوى التمصير ثم التأميم.

وبعيدا عن الاقتصاد فقد كان الخفي في الأمر أن الأجانب يمثلون وجهات نظر أخرى للشعب، سواء في أحاديثهم أو صحفهم أو ملابسهم وعاداتهم، فكانت الناس تسعى لتقليدهم في كل شيء، وأراد الحاكم أن ينتهي هذا ويصبح الناس على قلب رجل واحد هو قلب الزعيم! هذه الشمولية التي انفتحت فيها السجون للمعارضة وبالذات اليساريين الذين لم يعارضوا بالمؤامرات والسلاح مثل جماعة الإخوان المسلمين، لم يكن ممكنا لها أن تمحو أثر هذه الفترة الليبرالية في الثقافة والفنون.

لم يكن أمام الثورة إلا من تعلموا من رجالها معنى الثقافة أو من المدنيين مثل يحيى حقي وطه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وغيرهم كثير جدا. وهكذا لم يكن غريبا بعد أن صارت في مصر وزارة للثقافة والإرشاد يتولاها ثروت عكاشة عام 1958 ثم عين رئيسا للمجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية عام 1962 ثم وزيرا للثقافة عام 1966 وعام 1970 أن تكون مشروعاتها متصلة بالفن في العالم،

فأنشأ أكاديمية الفنون التي شملت المعاهد العالية للكونسيرفتوار والباليه والموسيقي والنقد الفني لتكون مصر في قلب العالم الذي عرفته مصر طبعا من قبل، لكن الباليه مثلا كان طلقة مصرية جديدة. حتى بعد أن تم إنشاء مؤسسة السينما كقطاع عام استفادت من كل كوادر الكتاب والفنانين القدامى، وطورت في السينما وموضوعاتها.

رأينا في الستينيات والسبعينيات كل أنواع السينما الترفيهية والاجتماعية السياسية رغم الرقابة ومشاكلها. أفلام مثل اللص والكلاب – ميرامار- جفت الأمطار – زائر الفجر – الكرنك – المذنبون – شيء من الخوف الذي أنتجه صلاح ذو الفقار – أرض النفاق – الأرض – زوجتي والكلب – قنديل أم هاشم – بئر الحرمان – لا وقت للحب –العنب المر – القاهرة 30 – سيد درويش- الزوجة الثانية- السمان والخريف – قصر الشوق – الرجل الذي فقد ظله – يوميات نائب في الأرياف – حمام الملاطيلي – ومئات غيرها وحدث تعاون بين المؤسسة والمنتجين القدامى أيضا.

تم تحويل ما كان يسمى بالثقافة الجامعة التي بدأت قبل 1952 على يد الأديب الكبير أمين الخولي، وكان هدفها توصيل التعليم لكل الشعب، وكانت تابعة لوزارة المعارف، إلى الثقافة الجماهيرية واتسعت فأنشئت قصور الثقافة في ربوع مصر وانظر من الذي اختير لها.

الفنان اليساري سعد كامل الذي كان مثقفا صاحب موقف وطني وانحياز اجتماعي واضح للفقراء والمهمشين وللثقافة التقدمية دائما، ومناضلا ضد الاحتلال البريطاني، وعضوا في الحزب الوطني بقيادة فتحي رضوان قبل يوليو 1952، انظر إلى بعض معاونيه، وكانوا شبابا كلهم طبعا. الأديب والفنان عز الدين نجيب مديرا لقصر ثقافة كفر الشيخ. الكاتب المسرحي علي سالم مدير قصر ثقافة أسوان، وهاني جابر في السويس ومحمد غنيم في دمنهور ومحمود دياب كاتب المسرح في الإسكندرية والفنان هبة عنايت في أسوان أيضا ويعقوب الشاروني في بني سويف وهكذا.

صار المسرح وهو تاريخ عريق طبعا، يقدم مسرحيات عالمية بشكل كثيف. من بينها مسرحيات العبث لصامويل بيكيت وأرابال ويوجين يونيسكو وغيرهم. لم يجد فيها ثروت عكاشة ومن يتعاونون معه أي تضاد مع الفكر الاشتراكي الذي قفز مع بداية الستينيات في الوقت الذي كان فيه الاتحاد السوفيتي يمنع هذا المسرح. ظهر مؤلفو مسرح عظماء مثل سعد الدين وهبة ونعمان عاشور ويوسف إدريس وميخائيل رومان ومحمود دياب والفريد فرج وغيرهم. شاهدنا قضايا جديدة تتعلق بالإنسان وبالطبقات المطحونة، وكثيرا ما كان يتم انتقاد ما يحدث.

كما شاهدنا التجديد في شكل المسرح، والنزوع إلى كسر الحائط الرابع مثلا، وصار جوار المسرح القومي مسرح الطليعة، ولم تتوقف المسارح الخاصة، وظلت تنتج مسرحياتها الضاحكة، وصار التلفزيون ينقل ذلك كله إلى الناس كل أسبوع.

شاهدنا مسرحيات مثل الزوبعة وباب الفتوح والغرباء لا يشربون القهوة وليالي الحصاد وغيرها لمحمود دياب، والعرضحالجي وكوم الضبع وهوليود البلد وليلة مصرع جيفارا لميخائيل رومان والسبنسة وكوبري الناموس وسكة السلامة وسبع سواقي وغيرها لسعد الدين وهبة، والمغماطيس والناس اللي فوق والناس اللي تحت وعيلة الدوغري وغيرها لنعمان عاشور. ولألفريد فرج شاهدنا سليمان الحلبي وحلاق بغداد وعلى جناح التبريزي وتابعه قفة والزير سالم وعسكر وحرامية وغيرها وليوسف إدريس شاهدنا جمهورية فرحات والفرافير والمهزلة الأرضية وغيرها.

المجلات الثقافية التي صارت في يد الدولة، كان يشرف عليها كتاب مثل يحيى حقي وفؤاد زكريا وعبد القادر القط، وأقيم أول معرض دولي للكتاب عام 1969، وكان الشعار وقتها “كتاب كل ست ساعات”، وأنشئت الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1971 لتضم دار الكتب والوثائق القومية والهيئة المصرية للتأليف والنشر، وصدرت سلاسل كتب مهمة مثل روائع المسرح العالمي ومن الفكر السياسي والاشتراكي وأعلام العرب وغيرها بأسعار زهيدة جدا، ورغم وجود الرقيب إلا أن الكتب طافت في كل العالم.

هذا الجو كان طبيعيا لا يمكن إيقافه وأدرك ذلك ثروت عكاشة فهو ابنه، فكان صعبا أن يكون شموليا مثل غيره من رجال الحكم. ولم يكن لغيره إمكانية منعه فهو رفيق معهم في الثورة، ثم إلى من سيلجأون؟ لن أتحدث هنا عن أعمال ثروت عكاشة العظيمة تأليفا أو ترجمة لكني أحاول الإجابة عن سؤال لماذا لم يمسك بالاتجاه الشمولي في الثقافة وهذه إجابتي. طيب إذا كان الأمر كذلك. أين ظهرت شمولية الدولة؟

ظهرت في الاقتصاد والسياسة كما أوضحت وفي الإعلام لم تسمح بغير الصحف الشهيرة، الأخبار والأهرام ثم الجمهورية والمساء، وفي البرامج السياسية في التليفزيون والراديو. ورغم شمولية الفكر السياسي ظلت مساحة الثقافة كبيرة لأن من تولوها كانوا من ذلك الجيل مثل مصطفى وعلي أمين وفتحي غانم ومحمود أمين العالم وإحسان عبد القدوس وصلاح حافظ وغيرهم كثير من كبار الكتاب. كثير منهم اصطدم مع النظام سياسيا وعرفته السجون لكن حين تواءموا لم تجد الدولة غيرهم وهم وجدوا في الثقافة والفن الفرصة الأعظم.