أخبار عاجلة

كرسي الاعتراف…قصة قصيرة للكاتب هاني منسي

ينشر الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب ومعرض الكتاب قصة قصيرة للكاتب هاني منسي، بعنوان ” كرسي الاعتراف “.

كرسي الاعتراف
بقلم: هاني منسي

أتمنى من سيجلس عن يميني يكون ذا نصيحة سديدة، وإن لم يكن سأبوح له على أية حال، أصدقاء الجامعة القدامى كل منهم منهمك في عمله، ولم نعد نتقابل، صرنا أصدقاء افتراضيين بالأحرى، وزملاء العمل ماديون، مستهلكة حياتهم، كما لم يكن لدي وقت سوى لشيماء.

أن تجلس إلى اليسار أو إلى اليمين هذا قرارك وحدك، اختيارك يحدد وظيفتك خلال النصف ساعة المحتملة، اللجوء إلى هذه المقاعد يستثمر الوقت مثل قراءة الصحف اليومية أو حل لغز الكلمات المتقاطعة أو الهروب من المقربين المزيفين ومحاولة فهم الحقيقة العارية.

مقعد لا يحتاج إلى مؤهلات سوى أن تختار أن تجلس أو لا.

انتشرت هذه الكراسي في الشوارع الرئيسية في الفترة الأخيرة حيث قامت مؤسسات المجتمع المدني بالتعاون مع رؤساء الاحياء في تثبيت كرسيين متلاصقين على رصيف واسع للمشاة، في ظهر الكرسي اليسار صندوق يحتوي على مجموعة من الأوراق البيضاء، وفي ظهر الكرسي اليمين صندوق به رسائل وشكاوى واعترافات مكتوبة بخط اليد، لا يفصل بين المقعدين سوى مسند صغير معد خصيصًا للكتابة عليه، تستطيع أن تفرغ كل همومك وأسرارك بأريحية، مزودة بقلم مربوط بدوبارة متدلية من سقف تندة للحماية من الأمطار والشمس، مزودة بالإنارة لاستقبال حالات الطوارئ لساعات متأخرة بالليل.

زادت شهرتها بعد ما تم عرضها على برامج مختلفة في الإذاعة والتلفزيون، فصاحب الفكرة أستاذ علم النفس الشهير مرتضى رشدى الذي أشاد بأهميتها البالغة في مساعدة الناس على التواصل الإجتماعي الحقيقي في مواجهة التواصل الافتراضي خلف شاشات الأجهزة الباردة، كما زاد الإقبال على تلك المقاعد بعد إلزام الحكومة بارتداء الكمامة في الأماكن العامة منعًا لانتشار الأمراض المعدية.

اليوم بارد جدا أو هكذا شعرت، قررت أن أجلس إلى اليسار كي أشكي حالي، في انتظار الصديق المحتمل، انهمرت حروفي تملأ فراغ الصفحة البيضاء على خلفية سيمفونية حزينة يعزفها المطر

….أنا خريج كليه دار العلوم، عملت بجد واجتهاد في الدراسة، حصلت على تقدير يسمح لي أن أكون معيدًا ثم أستاذا في الجامعة، لكن لأسباب ما لم تحتاج الكلية إلى معيدين هذا العام، تعرفت علي طالبة في الصف الأول من الجامعة ونمت بيننا( إيه نمت دي، خليها نشأت أخف شوية) نشأت بيننا قصة حب قوية منذ تعرفت عليها وأنا في بداية الصف الرابع….
…….. وجدت فيها نصفي الأخر وجاءت من تحتمل عيوبي قبل ميزاتي وجدت الحب الحقيقي ورأيت فيها زوجتي وأم لاولادي نتحمل معا عناد الحياة.
……لم يهمني بعد قصة الحب هذه أنها أصبحت معيدة فى الجامعة وصديقا تقدم لخطبتها وأهلها قبلوه به رغمًا عنها
( مش متأكد من رغمًا عنها دي ولا قد لا يكون رغمًا عنها، لا خليها رغمًا عنها مؤثرة أكتر)
……. ولكن الذي يهمني اكثر هو تجاهل الفتاة نفسها، فبعد ثلاث سنوات من تخرجي استمرت علاقتنا وازدادت قوة، كنا نجلس بالساعات اسبوعيًا في دراسة واستذكار الدروس الصعبة بالنسبة لها
( إيه ده، واضح أنها كانت بتستغلني مش بتحبني)،، أسعدني كثيرًا ما حققته من تفوق باهر. (ده أنا كنت مغفل بشكل)

……… نتقابل في وسائل المواصلات، لمصاحبتها اثناء عودتها متأخرة من المحاضرات يومي الأثنين والأربعاء، هذه الأيام كانت مميزة بوجودها بجواري، (أو وجودي بجوارها) طاقة إيجابية تعتريني لمواصلة الحياة البغيضة (غبي) تعلمت الغناء والغزل والبوح( معقولة كل ده كانت بتمثل)، كثيرًا ما جلسنا على هذه المقاعد، نتبادل الكراسي للشكوى، نهامس الماضي، نداعب المستقبل، نحتفي باللحظة، ( لكن كان أغلب الكلام عن دراستها والنقاط اللى مش فاهماها )، وافقت على اقتراحها بأن لا أتقدم لخطبتها إلا بعد تخرجها، كما أن هذا ملائم جدا لظرفي، بالرغم أنها اعتبرت الخاتم الفضة هدية عيد ميلادها الأخير بمثابة شبكتها، ( مش فاكر كانت لابسه الخاتم الفترة الأخيرة ولا لأ)

بمرور الوقت بهتت العلاقة وبالتدريج استطاعت أن تقول لي ما لا توقعه يوما في نهاية مكالمة هاتفية.

– أنت أول حب في حياتي وهافضل افتكرك طول عمري ولكن الجواز قسمه ونصيب

في ذاك اليوم، حدثت مشكلة بالعمل، تطاول علي صاحب العمل، لا شعوريًا لكمته عدة لكمات متتالية، طرحته ارضًا، وانقذوه من يدي حيا على آخر لحظة،
تم اتهامي بسرقه مبلغ من المال بالإضافة لتهمة التعدي.
….كما أن على ان أدفع ثمن إيجار الشقة التي حصلت على عقدها مؤخرا بقيمة إيجارية أكثر من نصف راتبي.

(مش هجيب سيرة ابويا اللى اتوفى وسابني أنا وأمي مديونين لطوب الأرض، كفاية حكاية الزفتة اللي ياما قعدنا هنا على الكراسي دى)
(يا مسهل، فيه واحد جاي…)
– انا اللي هقعد على الشمال لو سمحت
– بس انا اللي قاعد الاول

لم أستطيع أن اقنع هذا العنيد أن يجلس على اليمين ليكون مرشدي، ربما عبوس وجهه وتجهمه سهل تنازلي عن المقعد، ربما شيء آخر، رجل ستيني، ملابسه قديمة لكنها مهندمة، قفل ازرار الجاكت بالكامل، ضامًا كتفيه يفرك يديه بين فخذيه للتدفئة وهو يجلس ممتنا لي.
بدأت في ثني الورقة التي كتبتها، نظرت إليه باهتمام قد يكون فعلًا أكثر احتياجا مني إلى هذا اليسار قد تكون مشكلتي تافهة بالنسبه لما قد يحمله صدر هذا العجوز.
– اتفضل سامعك.
( إيه اتفضل سامعك بحدة دي، مفيش رد أرقى شوية)
ابتسمت لتخفيف ردي الجاف ولمساعدته في ما قدم لأجله، ظل يتكلم وانا أهز رأسي كالمتابع باهتمام كي أتقن دور جالس اليمين، ذهني شاردا، استطاعت فقط بعض كلماته الفرادى والمتناثرة الوصول إلي أذني،

-……… اتجوزت، قصة حب، جامعة ولادي، مدرسة، مستشفى، مراتي، سوق، شغل، معاش، اتخرجت، وش جواز، شيماء، معيدة، طلب إيدها، فلوس….

تحولت الورقة التي كتبتها بعد عدة حركات لا شعورية إلى مركب ورقي صغير، تذكرت أيام الطفولة، كما تذكرت الرسائل التي كانت تتركها لي شيماء حين يتعذر علي المجيء على هذه الكراسي، ( كأنه مدرج جامعة مش لقاء حبيبة)

دار أمامي شريط حياة أبي ومعاناته، لحظة مات أبي فقيراً في مستشفى حكومي، وتركني وأمي نقتات من المعاش، الله يرحمه.

جريدة القاهرة