أخبار عاجلة

“سرقة”.. ننفرد بواحدة من مجموعة سوسن الشريف القصصية “واحة الهروب”

ينفرد الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب “المعرض”، بنشر واحدة من المجموعة القصصية “واحة الهروب” للكاتبة المبدعة سوسن الشريف، وتحمل عنوان “سرقة”.
المجموعة القصصية “واحة الهروب” للكاتبة سوسن الشريف لم تصدر بعد، وفازت بجائزة النشر الإقليمي للقاهرة الكبرى للعام 2021 ، وأهدت الكاتبة جمهور “المعرض” واحدة من قصصها.
الدكتورة سوسن الشريف، كاتبة للقصة والشعر والرواية، وخبير اجتماعي ونفسي، عضو بنادي أدب مصر الجديدة، حاصلة على الدكتوراه في التربية قسم أصول التربية، تخصص اجتماعيات وفلسفة التربية، عضو لجنة تحكيم بمجلة دراسات للعلوم الإنسانية والاجتماعية الصادرة عن جامعة الأردن.

فازت بالنشر في الكتاب الذهبي الصادر عن روزا ليوسف، عن قصة “رغبة غير قابلة للالتهام”، وجائزة إحسان عبد القدوس للرواية عام 2019-2020، عن رواية “حتى مطلع الفجر”، وجائزتي التأليف والنشر من جمعية أصدقاء أحمد بهاء الدين عام 2005-2006، عن كتاب “يوتوبيا البحث العلمي- الحرية الأكاديمية”.
نشرت لها مجموعة كبيرة من الأعمال الأدبية والدراسات والمقالات الهامة بعدد من المجلات والصحف المصرية والعربية.

وفي سطور قصتها “سرقة”:

تأخر المترو، الجميع ينظر بترقب إلى ذلك الفراغ الممتد فوق القضبان، لا توجد أي إشارة لقدومٍ قريب، الزحام يزداد. تهبُّ نسمات قوية ورياح خفيفة تنذر بظهور الوحش الذي سيبتلع الجميع، ينتظرونه بشغف، يخيب أملهم إذ أنه على الرصيف المقابل، يدخل المحطة مسرعًا، يقف لثوانٍ، يفرغ ما في جعبته وينطلق من جديد.

لماذا المترو الذي أنتظره يتأخر دومًا؟ لماذا الرصيف الذي أقف عليه هو ما يختنق بالزحام؟ لماذا كل محطة أرغب الوصول إليها تبدو بعيدة، وأحيانًا مستحيلة؟

يشق الزحام على رصيفي رجلٌ ضخم فارع الطول، أحسبه أطول من الجميع، يراقبهم بملل، تنظر إليهم عيناه من ارتفاع قامته الشاهق الغريب، يحدق في أعينهم بتسلٍ وفضول وكأنه يقرأ الحكايات المخبأة داخل كل منهم، لم يستثن أحدًا من فضوله المزعج. يرتدي سترة صوفية بنية وكوفية رمادية اللون، وبنطالًا أسود، كم بودي سؤاله وهو ينظر إلى الناس كأنهم مخلوقات عجيبة: “ألم تنظر إلى نفسك في المرآة؟ ألا يوجد من يراك غريبًا يا رجل؟ نحن في أغسطس الواحدة ظهرًا بينما تسير بتلك الهيئة الشتوية، أشعر بزيادة درجات الحرارة بمجرد النظر إلى ملابسك”.

تهب نسمات باردة فجأة، الصوت الذي تعبنا من انتظاره يطربنا أخيرًا، يركض الهواء فارًّا من مطاردة ذلك الوحش المعدني، يقترب الجميع من حافة الرصيف، لا أحب التدافع أو الزحام لكنني تأخرت عن موعدي بشدة، وبالتأكيد هذا ليس حالي وحدي. أمامي جهدٌ شاق للصعود بين هذه الموجات البشرية والتعايش معها لدقائق ستمر بطيئة من الاختناق، وتلاصق الأجساد الرطبة الغارقة في العرق، والأنفاس اللاهثة وكثير من المشاحنات. داخل عربة السيدات يزداد الجو توترًا ما بين غنج ومزاح فتيات الجامعات أو المدارس ونفاذ صبر الأكبر سنًا، بينما تكتفي المسنات بالمشاهدة والاستنكار في صمت، ربما تتمتم إحداهن “قلة أدب، ده احنا مكناش بنات”.

ها قد توقف المترو، سينفتح الباب بعد هذه الصفارة، اااه الزحام رهيب، قدمي انحشرت بين الرصيف والعربة، ثمة سائل لزج، الحرارة شديدة، لا يمكنني التنفس، انتبهوا أرجوكم، قدمي تؤلمني بشدة، انتبهوا، اااه… انتهبوا…

أخيرًا ركبت، لم تكن العربة مزدحمة بقدر ما تخيلت، ثمة هواء بارد من مكان ما، ربما المكيف يعمل اليوم بكفاءة، وصلنا سريعًا. خرجت إلى الشارع، بدأ الفراغ يملأه كلما ابتعدت عن المحطة وباعة الفاكهة والأدوات المنزلية المكتظين حولها، أين العنوان؟ ألا يوجد من أسأله؟ هل أجبرت شدة الحرارة التي تجاوزت الأربعين الجميع على التزام مساكنهم؟ بالطبع، من يخرج في الثانية ظهرًا والشمس قد أرسلت جنودها بقوة وشراسة، ألا يوجد محل أو كشك صغير؟

أحدهم ظهر فجأةً من جانب سور المحطة، لا… إنك تزيد من الحرارة بملابسك هذه، وجدته يقترب مني بسرعة لا يلتفت حوله مطمئنًا إلى خلو الشارع من المارة، يقترب مني بسرعة أكثر فأكثر، أطبق يده الخشنة الغليظة على يدي، أحكم سجن ذراعي داخل قضبته الحديدية الفظة.

– أرجوك خذ ما شئت ودعني أرحل.
– أخائفة أنتِ؟ كم أحب هذا المشهد، فكلٍ يؤديه بطريقته، الحقيقة لا تتشابهون إلا في كلمات الترجي. (في ابتسامة يشوبها كثير من التسلية قال): “ما رأيكِ أنهي حياتك؟”
تصلب صوتي وقد زال عنه الخوف فجأة:
– لا يهم، هذا ما انتظرته لسنوات، ستسدي لي خدمة أرجوك لا تتردد، فقط اجعله موتًا سريعًا خاليًا من الألم الحاد، اختر طريقة حاسمة لا تترك للروح مجالًا للتردد.
– طريقة جيدة للتظاهر بالشجاعة.
– صدقني أبدًا، فلتجرب ولن أقاوم.
– سأسبب الألم لكل من يحبك، بالتأكيد تخافين عليهم وتحبينهم، فتكتبين ليل نهار عن الحب.
– نعم لكنني كاذبة تمامًا، لستُ مؤمنة به، أكتب عنه فقط لأخدع الآخرين.
– بل أنتِ تكذبين الآن، تراوغين لكسب الوقت.
– وأنت جبان، لا تواجه أو تُرهب إلا من يخشاك، وما إن تقابل من يواجهك ويقف أمامك بلا خوف، تبدأ في الارتعاش.
– لا تستفزيني.
– أنت بارد جدًا، تأخذ أرواح الكهول والشباب الأطفال حتى الرضع منهم بلا قلب أو شفقة على ذويهم أو النظر لما سيكون مستقبلهم.
– ربما سيكونون فاسدين، ألا تؤمنين بالقرآن؟ ألم تقرئي سورة الكهف وذلك الولد الذي قتله الخضر؟
– أنت تراوغ ثانية وتطيل الوقت، فلتسرق ما أتيت لسرقته.
– ما زلتِ تتظاهرين بالشجاعة؟
– بل أشعر بالملل، أسرع.
– سأعذبك حتى يتألم كل من يرى جثتك، قريبًا كان أم غريبًا.
– أنت الأغرب بين من قابلت، هل تتصور أنهم سيشعرون بموتنا وتملأ صورنا صفحاتهم على الفيسبوك؟ هؤلاء الأقارب الذين يطمئنون علينا من منشوراتنا اليومية، وعندما نغيب لأيام لا يسألون، ربما لا يخطر ببالهم أننا رحلنا بالفعل في هدوء تاركين إياهم مع طمأنينتهم على الطريقة الافتراضية.
أتعلم… عندما أكون مريضة تنتابني رغبة في الاطمئنان على الجميع لكي لا يشعر أحد أنه وحيدٌ أبدًا. صدقني لن يتألم أحد أكثر من فترة الدفن والجنازة، وسأكتب في وصيتي ألا يقيموا عزاءً وأن يمنحوا نقوده للفقراء.
– هيا، أنت تقتلني ببرودك وترددك، تحرك يا أنت، مالك تقف هكذا متجمد قليلُ الحيلة؟ اسرق أقتل أفعل ما جئت لأجله!.
– اليوم ليس يومك ولا موعدك.
– لماذا جئت إذن؟
– لألهيك قليلًا حتى ينتهوا من إنعاش روحك وإعادتها إلى جسدك، أنتِ لستِ مستعدة بعد.
– بل مستعدة… مستعدة جدًا وفي انتظارك، أو متى سأكون مستعدة في رأيك؟
– عندما تخافين.
– أنا خائفة طوال الوقت، في صحوي ومنامي، أرتجف من خيالي صدقني، أشفق على حالي.
– أعرف لكنني الوحيد الذي لا تخافينه، أنتِ تفقدينني هيبتي يا امرأة، حقيقي كيدكن عظيم، تهزمن الشيطان نفسه.
– أرى أنك لا تحب النساء وتراني من النوع الأسوأ، فلتقم بمهمتك وانتقم لكرامتك، اهزمني، اقهر كل امرأة في صورتي.
– ألا تعرفين أن من يموت هو الفائز دومًا؟ فلن نتمكن من هزيمته أو الانتقام منه لأنه لم يعد موجودًا، رحيله عن العالم هزيمة نكراء.
– انتظر، لا ترحل، سأعيش جريحة مريضة وهذا موت بشع، لا أنا حية ولا ميتة، أنت هكذا أيضًا تسرق حياتي!
– لا أبالي، أنا سارق لستُ طبيبًا، ثم هكذا أسرق منكِ شيئًا واحدًا وليس حياتك كلها.
– أنت جبان.
– أنا مجرد ملاك، مخلوق جُبلت على الطاعة.

جريدة القاهرة