أخبار عاجلة

سقاني الغرام.. قصة فتوى الحمري في “ليلة التجلي”

تشارك المجموعة القصصية ” ليلة التجلي” للكاتبة فتوى الحمري، والصادرة عن دار يوريك للنشر، بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته المقبلة.
والمجموعة حاصلة على جائزة الطيب صالح في القصة القصيرة 2020.
وينشر الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب “المعرض”، إحدى قصص المجموعة بعنوان “سقاني الغرام”.

سقاني الغرام
“لم أكن من هواة المقاهي ولا كنت أستسيغ مجلسها، إلى أن جمعتني الصدفة بشابة جميلة الملامح، ذكية وقليلة الكلام. فتحت صداقتها نوافذ لا تعد في حياتي البائسة المظلمة، عرفتني على عوالم كنت أجهل كل شيء عنها. وصديقتي الجديدة تحب المقاهي، فعرفتني على مقاهي وسط البلد، وحي الحسين، شجعتني على الرسم ثم التصوير.. تعلمتُ منها أن المحادثات التي لا تنتهي يمكن ألا يغزوها الملل، وأن وراء كل موقف الآف التساؤلات! وأن في تحليل الأمور متعة ما بعدها متعة.
ذات يوم التقيتها صدفة في ساحة الحسين، أمام المسجد بعد المغيب وكانت شاحبة بعض الشيء شاردة، ولم أحض بفرصة للسؤال عن أحوالها فقد استاذنت بعد التحية لزيارة ضريح سيدنا الحسين طالبة مني الانتظار! فهززت رأسي وأنا لا أكاد أستوعب الصدمة!
غابت قرابة الربع ساعة، وعادت وقد إحمرت عيناها، تأبطت ذراعي كما العادة وسرنا باتجاه شارع المعز في صمتٍ، وفي صدري محيط من التساؤلات الملحّة.
إستبد بي الشعور بأنني لا أعرفها، يستحيل أن تكون هي الصديقة التي ملأت حياتي طوال الأشهر الماضية! صديقتي التي كنت أظنها مسيحية!
عشرات الاستفهامات ولم أعرف عما استفسر أولا؟
ساقتنا أقدامنا إلى مقهانا المعتاد، وحين جلسنا نظرت إليها نظرة المتسائل، فابتسمت قائلة: لا تقلق أنا بخير.
لم أكن قلقا بقدر ما كنت مشوشا، لم أستطع منع نفسي من التساؤل فقلت محاولا الالتفاف ما استطعت :لم أكن أعلم أنك ممن يزورون الأضرحة والمقامات!
تطلعت إلي باستنكار بالغ وقالت :ألا تزورها أنت؟
الحقيقة أنني لم أزر ضريحا في حياتي، ولم تشجعني نشأتي السنية على ذلك. أنا موقن أنه من المستهجن إن لم نقل المحرم زيارة الأضرحة، وما يطلقون عليه “أولياء الله الصالحين ”
لم أعرف كيف أرد، فطال صمتي، وأظنّها استنتجت ردي فقالت وهي تشعل سيجارة :لم يأذن لك بعد أصحابها في زيارتهم!
فانفجرت ضاحكا في استهزاء صعب علي إخفاؤه، قلت مبررا وملامحي لم تتخلص من الضحك بعد: أنا لا أظن أن لأصحاب المقامات إرادة كي يكون لهم حق الإذن!
كنت أحاول استفزازها مستسلما لرغبة حلت في صدري لا أعرف سببها، إلا أنها لم تستفز ولم تتأثر.
قالت :أنت تطل على العالم من زاويتك فقط، متعصب لما ترى. حاول التحرر مما تؤمن به، تستطع النظر من ارتفاع يخوّل لك رؤية المشهد كاملا .
لمست في كلامها لأول مرة نبرة صوفية استفزتني! كيف تكون من بذكائها وثقافتها ممن يتملقون حديد المقابر؟ ويذرفون الدموع على الأعتاب ويناجون الموتى ؟ كيف؟
ومن ناحية أخرى كيف يعقل أن تكون متصوفة وهي من لم يظهر عليها الإسلام يوما؟! انتبهت للمرة الأولى للمسبحة حول معصمها، كنت أظنها مجرد زينة، أظن أنها تسبح عليها ليل نهار كحال المجاذيب الذين يطوفون بالمسجد!
قلت وأنا أقلب السكر في كوب الشاي المنعنع :هل أنت صوفية؟
أجابت ببساطة :هذا يتوقف عما تعتبره أنت تصوف.
فتشت بين زوايا جمجمتي ولم أجد تعريف مكتمل للتصوف! فتسائلت متملصا مهاجما: ألاَ ترين أن في مثل هذه الزيارات شرك بين يرتكب عن جهل بين؟ لا أظنك تجهلين هذا!
قالت: أتؤمن بالله؟
_طبعاً!
_لماذا؟
_سؤال بديهي لا يراد به شيء! لا أرد على هكذا تساؤلات.
ابتسمت في انتصار وقالت: إذا لم تكن لديك إجابة على هذا السؤال البديهي، فأنت لم تؤمن بالله بعد، إذا لم تمتلك حكايات مع الله فأنت لم تعرفه بعد!
_لا أحتاج إلى الفلسفة الصوفية لأعرفه! فالمسلم يعرف الله فطريا.
_يعرفه لأنهم يخبرونه بذلك حين يولد! كما أخبروك أن لك رب وأن هذا الرب بعث بهذا الدين، ثم أخبروك بمئات القصص التي تؤيد روايتهم، وزرعواْ في عقلك الباطن عبودية ذات قوانين متضاربة متنافرة، ترهق ضميرك الذي ينصحوك بقتله حتى لا يقودك للشرك! أنت تعرف إله الطريق إليه يحفّ بالمخاطر والمصايد والخوف! أي إله هذا الذي عرفته؟
صدمتني جرأتها في النّقاش وأغضبتني، وكأنني لم أكن أمتدحها آنفا، كيف تجادل في الإيمان والشرك والله بهيئتها هذه؟ قلت وقد استبد بي الغيظ: تؤمنين به أنت؟
أجابت بصوت هادئ لا أثر للتحدي فيه: ولدت مسلمة مثلك تماما، وتعلمت أن لله له تسعة وتسعون اسما، وأنه واحد لا شريك له، ثم أخبروني عن رسول الإسلام مئات أن لم أقل آلاف القصص، قصص لا يعلم صدقها من كذبها إلّا الله! ثم قالوا أنه علي الإيمان بكل الأنبياء والكتب المقدسة، وأنه علي أيضا الإيمان بأن مقاتلتهم تكاد تبلغ حد الوجوب، وأن كتبهم محرفة وجب حرقها! وصنعواْ مني مسلمة بالوراثة! اكتشفت بعد ذلك أن الإيمان المبني على ما أخبروك به إيمان ناقص غبي، وأدركت أن إيماني يشبه إيمان طفل غرير بسانتا كلوز! ولم أستسغ ذلك!
_فتركت الإسلام! أليس كذلك؟
ضحكت قائلة: هذا يتوقف عما تعتبره أنت إسلاماً.
فهمت أن الجدال هنا سيطول، فسألتها مباشرة: لماذا تزورين مقام الحسين إذن؟
سكتت قليلا وهي تحدق في الفراغ وقالت :والدك متوفي أليس كذلك؟
_أجل رحمة الله عليه، ما دخل هذا بالموضوع؟
_أذكر أنك تزوره باستمرار رفقة والدتك الكريمة.
_أحيانا، لكني لا أزوره محملا بالطلبات والرغبات والأطماع! أنا أترحم عليه فقط!
_بغض النظر عن أسباب الزيارة، أنت تزور قبرا.
_حسناً، لا أنكر ذلك، لكن الغرض مختلف، أنا لا أتوسل به لله مثلا.
نظرت إلي في استغراب وقالت : ليس كل من دفن يستحق التوسل به.
احترت للحظة تساءلت :ما الذي يجعلك تزورينه؟ لا تتهربي من الرّد؟
ترنمت بعد أن ارتشفت من كوب الشاي :
أمرُّ على الأبواب من غير حاجةٍ
لعلي أراكم، أو أرى من يراكم.”

جريدة القاهرة