أخبار عاجلة

ننشر مقدمة عز الدين نجيب لكتاب «سطوة الفن.. قوة التأثير لإبداعات عالمية»

يوضح الكتاب، بسلاسة وتشويق, كيف تَستَلُّ سطوة الفن من داخل الإنسان- ولو كان طاغية- طاقات الشر والغِلظة والقسوة وحتى الوحشية، وتمنحه فى المقابل رقةً وتسامحًا وإنسانيةً، من خلال عمل موسيقى-على سبيل المثال- حتى ولو كان الطاغية هو الدِّكتاتور ستالين شخصيًّا!.

وكيف تزيح سطوة الفن المشاعر السلبية للفترة بين المتنافسين فى مضمار إبداعى واحد، لتحل محلها روح إيجابية تتنافس بشرف ومحبة بين فنانيْن شهيريْن، مثل: بيكاسو وماتيس، بل تتحول العلاقة بينهما إلى صداقة ومباراة إبداعية تصب نتائجها فى صالح الفن.

وكيف تؤدى سطوة الفن إلى أن يتجاوز الفنَّان الموهوب أسوار الانتماء الطبقى إلى مجتمع النخبة الاجتماعية والمهنية، حتى فى سلك القضاء إلى الانغماس فى مجتمع الطبقات الشعبية والثقافات الفطرية، فيستخلص منها لآلئ إنسانية وجمالية، ويصعد بها ثانية إلى مجتمع النخبة الذوَّاقة للفنون الرفيعة، حيث ترفعها سطوة الفن إلى مستوى القيم الحضارية من خلال تماسك الأسرة، ورسوخ القاعدة الإنسانية التى يُبنى فوقها البناء الهرمى المستتب للمجتمع (محمود سعيد – لوحة العائلة).

وكيف يستخرج الفنَّان – عبر سطوة الفن- من مخلفات ورش الحدادة وأكوام الخردة وتروس المكن ونفايات المصانع، أعمالًا نحتية ترتقى إلى العالمية فتحصد أعلى الجوائز، بما تحمله من تعبير رائع عن القُوى الوحشية التى تهدد الإنسانية، بكل أصناف وتنويعات هذه القُوى حتى الحروب، وكأنها تكشف الغطاء عن الوحش المكبوت الكامن داخل الإنسان، فيحذرنا الفنَّان من انفلاته وجموحه، قبل أن يدمر كل ما صنعته الحضارة الإنسانية (تمثال صرخة الوحش- صلاح عبد الكريم).

وكيف قدم الفنَّان – من خلال سطوة الفن- بناءً مفاهيميًّا يتكون من ستة آلاف حبة دواء, كعمل فنى تم بيعه بـ 19 مليون دولار, وكيف جعل الفنان من مستنسخ لجمجمة بشرية رصَّعهابـ8601 قطعة ألماس عملًا فنيًّا أسماه “فى حب الله”، تم اقتناؤه لأمير قطر بـ 38 مليون جنيه إسترليني!.

إن سطوة الفن هنا انتقلت من  الفنَّان إلى المشترى بقوته السحرية إلى جانب قوة سوق الفن وشهوة الامتلاك لدى البعض للشىء الأندر. (الفنَّان الإنجليزى هيرست).

وينتقل بنا المؤلف الفنَّان سمير فؤاد بين الأزمنة والعصور والبلدان والمدارس والاتجاهات الفنية، فتذهب إلى القرن السابع عشر، لنعيش مع الفنَّان الإسبانى العظيم فرانسيسكو جويا, لحظات تصويره للمشهد الخالد لإعدام الثُّوَّار الوطنيين على أيدى الاستعمار الفرنسى لإسبانيا، إن سطوة الفن تجعل من اللوحة زلزالًا للمشاعر الإنسانية، حين ينجح الفنَّان فى أن يعكس تلك اللحظات المرعبة المحملة بجبروت الاحتلال وصلابة المقاومة وارتعاشة الجسم حين تخترقه طلقات بنادق الرُّماة، فتهتز مشاعرنا بين وحشية العدوان وبسالة الاستشهاد.

ومن نفس البلد (إسبانيا) يقفز بنا المؤلف ثلاثة قرون إلى الفنَّان الذى خيَّم بعبقريته الفنية على القرن العشرين حتى ربعه الأخير “بابلوبيكاسو”، وكيف عبَّر فى لوحة بانورامية هائلة المساحة باللون الأسود وحده عن جريمة من أشهر جرائم الفاشية فى بلده, حين أباد الطيران قرية “جورنيكا”، فجعل منها بيكاسو – بسطوة الفن- ملحمة أسطورية وأيقونة عصرية، ومن قوة تأثيرها اختارتها الأمم المتحدة لتوضع فى صدر إحدى القاعات الكبرى لاجتماعاتها الأممية، فصارت أمام أعين العالم أجمع شاهدًا ونذيرًا، على الرغم من طليعيَّتها الأسلوبية الحداثية، بين مدارس التعبيرية والتجريدية والتكعيبية، بل صارت -بسطوة الفن- ذات نفوذ هائل على الفنَّانين والشعراء فى القرن العشرين، يستلهمون منها رؤى لا تنتهى، كأيقونة ضد الحرب والهمجية، ودعوة للسلام والحرية، فوق جسارة الفنَّان فى نسف الأسلوب التقليدي للفن برؤى جمالية تتجاوز ما سبقها.

ومن فننا القومى قبل قرن من الزمان، يختار المؤلف تمثالًا يمثل أعلى درجة لسطوة الفن فى تاريخنا الحديث، وهو تمثال “الخماسين” للفنَّان الخالد محمود مختار, ويكشف لنا كيف اختزل النَّحَّات – فى شكل فلاحة تسير فى مواجهة العاصفة- عصرًا من المقاومة والنضال من أجل الحرية والتقدم، وكيف تتحول العباءة التى تلتف بها المرأة من قيد لحركتها المندفعة للإمام فى وجه قوة معاكسة تقود بها القهقرى، وربما يعبئها من هواء يدفعها إلى الخلف، وما تفعله هى بضم ذراعيها على صدرها فوق العباءة باستماتة -إلى أيقونة للمقاومة، صانعة إيقاعات نغمية بين الليونة والعنف، أو بين تموجات الماء وصخب الأمواج، أو بين انسيابية الكثبان الرملية وعنفوان الريح على القمم الصخرية.
ويرصد المؤلف مظاهر سطوة الفن فى هذا التمثال –كما يفعل فى جميع النماذج الفنية فى الكتاب- من خلال تميُّز اللغة التشكيلية “للفورم”، مرتبطة بالمضمون مرة، ومجرَّدة منها أخرى، مقتصرًا على تأثيرات الخط والكتلة والحركة الداخلية والخارجية والملمس والإيقاع.

ولن أستعرض أكثر من ذلك من نماذج فنية تقارب الخمسين، يضمها الكتاب، حيث يرتحل بنا المؤلف من خلالها بين أعمال التصوير والنحت والموسيقى والأعمال المفاهيمية والتجهيزات الفنية فى الفراغ، كما يرتحل بنا من كلاسيكية عصر النهضة إلى اتجاهات ما بعد الحداثة والبوب آرت (الفن الجماهيرى) فى نهايات القرن الماضى الصاخب بالحركات والمدارس والبدع الغرائبية والعواصف الرعدية فى المجالات التشكيلية!
عمل واحد لكل فنَّان يقدمه المؤلف، لكنه يختزل به رحلته وإضافته الجمالية والتعبيرية، التى جعلت منه نموذجًا لسطوة الفن على عصره، بتأثيره الطاغى فى الجماهير والحركات الفنية على السواء.

* مقدمة عدد أبريل 2021 من “ذاكرة الفنون” برئاسة عز الدين نجيب – هيئة الكتاب

جريدة القاهرة