أخبار عاجلة

عز الدين نجيب يكتب: الفنانة جاذبية سري.. مسيرة الالتزام والتمرد  

كتبت المسودة الأولى لهذه الدارسة عام 1994، أي منذ 27 عاماً، تلبية لطلب الفنانة الكبيرة الراحلة جاذبية سري (1925 – 2021)، وقد أطَّلعتْ عليها في حينها بعد جلسة طويلة جمعتنا في بيتها بشارع الجزيرة الوسطى بالزمالك، وأبدتْ إعجابها بها، لكنها تحفظت قليلاً على بروز المتوجه السياسي في تقديمي لتجربتها خلال مراحلها الأولى على الأقل، ليس لعدم قناعتها بوجود هذا التوجه، بل على العكس، فقد كانت معتزَّة وفخورة بانتمائها إلى التيار الثوري الذي تشكلت في خِضَمِّه جماعة “الفن الحديث” أواسط أربعينيات القرن الماضي ، وبانضمامها إليها وهي لم تزل – بعد – طالبة بالمعهد العالي للتربية الفنية للمعلمات عام 1984، فصارت أصغر عضو بين أعضائها الكبار، وشقَّت طريقها على هَدْي فلسفة هذه الجماعة التي قامت على أساسها؛ وهي ارتباط الفن بقضايا المجتمع والدعوة  لتحريره والنهوض به عبر الفن، والعمل على خلق مدرسة فنية مصرية تنبع من واقعنا وخصوصيتنا الحضارية، مكمِّلة بذلك ما بدأته الجماعتان الضنيتان السابقتان عليها (الفن والحرية والفن المعاصر) برؤية اشتراكية منفتحة على كافة مدارس الفن الحديث في العالم، دون تبعية لها أو للهيمنة الغربية على توجهاتنا الوطنية واستقلاليتنا.

لكن تحفظها كان نابعاً من إيمانها بأن الفنان فوق السياسة وتوجهاتها المتغيرة، وإن كان لها وجود في تكوينه وإنتاجه فمكانها مؤخرة رأسه لا أن تكون نظارة ينظر بها إلى العالم والفن، وكان رأي أن الفنان حُـرٌّ في قناعاته وموافقه من الواقع والسياسة والعالم، لكنه ليس حُراً في تجاهل الحقائق والوقائع التاريخية المصاحبة لحياته والمؤثرة فيها، وأن الناقد في تناوله لتجربة الفنان لا ينظر إلى إبداعه منفصلاً عن الأحداث والمؤثرات الاجتماعية والسياسية التي أحاطت بتكوينه، خاصة مع توفر الشواهد والأدلة على حدوثها وتأثيرها عليه وعلى الحركة الفنية ضمن رموز جيل من الفنانين المبدعين.

ولم تعترض الفنانة جاذبية على رؤيتي النقدية التي تضمننها الدراسة، بل عرضت عليَّ نشرها من خلال مكتبة الجامعة الأمريكية التي كانت نقوم بتدريس الفن فيها بجانب عملها بكلية التربية الفنية، ولا أذكر تداعيات الأمر بعد ذلك، لكني كنت قد فقدت قدراً من حماسي السابق لنشرها، وانشغلت بأمور أخرى حتى عدت إليها وأنا أُعدُّ مقالاً  عن آخر معرض شاهدته لها عام 2010، وكان مدير متحف متروبوليتان الشهير بنيويورك قد وجه إليها عام 2009 خطايا يخبرها فيه بقبوله إهداءها للمتحف لوحة “الطيارة الورقية”، مُبدياً تقديره لفنها ومكانتها قائلاً إن اللوحة تعد إضافة متفردة للمتحف، فتصدَّر هذا الخطاب مقالي عن المعرض الذي كان يحمل رقم (70) في مسيرتها الفنية الحافلة، وقد بلغَتْ آنذاك الخامسة والثمانين من عمرها، وكانت لا تزال في كامل لياقتها الإبداعية وجسارتها في التمرد وفي تخطَّي الحواجز والاتجاهات الفنية، حتى أن المعرض شهد تحولها القوى من التعبيرية إلى مشارف التجريد أو إلى ما يسمى “التجريدية التعبيرية”، فكان ذلك فرصة لإضافة فصل جديد إلى دراستي عن فنها بعنوان “الألفية الثالثة- بين الألحان القديمة وشواطئ التجديد” .

وحدث أن شبَّ في نهاية 2010 حريق كبير في مرسمي، أتى على مجموعة من لوحاتي وأغلب مكتبي وأصول مؤلفاتي، وكانت بينها دراستي النقدية عن جاذبية سري. ومضى الزمان حتى نسيتها، وفي أحد الأيام منذ شهور قليلة فوجئت بالعثور على المسودَّة الأولى لها بين أوراق منسية. ونظراً لأن حجمها لا يكفي لكتاب كبير، وفي نفس الوقت هو أكبر من أي مساحة للنشر بإحدى المجلات، قد ضممتها إلى مجموعة دراسات أخرى عن الفنانات المصريات الرائدات، أملا في أن أنشرها يوماً ما في كتاب، حتى جاء الخبر الأليم برحيل جاذبية في شهر نوفمبر 2021.

كان أول ما فكرت فيه هو البحث عن نص جاهز لدى أحد النقاد عن الفنانة ليصدر ضمن أعداد سلسلة “ذاكرة الفنون” خلال معرض القاهرة الدولي للكتاب في يناير 2022، تخليداً لذكراها وسعياً لنشر إبداعها بين أجيال جديدة ربما لم تدركها، ولم افكر قط في أن أقدم النص الذي كتبته عنها للنشر بالسلسلة، لأنني التزمت منذ توليت رئاسة تحريها عام 2014 بألا أكون ضمن المؤلفين الذين ينشرون فيها، عملاً بتقليد متبع، وكموقف مبدئي أيضاً، لكنني لم أوفق في الحصول على نص نقدي من أي ناقد، خاصة وقد سبق لي الاتفاق مع عدد منهم على نشر كتب أخرى من تأليفهم في أعداد مقبلة، قد يمتد نشرها حتى نهاية 2022، ولم ينته أغلبتهم من كتابتها بعد، وهكذا لم أجد أمامي غير استئذان الدكتور هيثم الحاج على رئيس الهيئة العامة للكتاب التي تتولى إصدار السلسلة – في نشر هذه الدراسة بها، متنازلاً عن أي حقوق مالية لي كمؤلف، فوافق مشكوراً، وفاءً لذكرى فنانة عظيمة رائدة أعطت لمصر الكثير من الإبداع ومن الرؤى الجمالية التي أثرت ثقافة ووجدان أجيال وأجيال من تلاميذها ومن جمهور وعشاق الفن والجمال، ومن ناحيتي كان ذلك وفاء لدَيْن شخصي مني لها بكتابة هذه الدراسة التي طلبتها مني عن تجربتها وعالمها الفني، وحالت الظروف دون إصدارها على مدى 27 عاماً، واستدعى الأمر إعادة الاشتغال عليها وتطويرها بعد رحيل الفنانة.

وأَعِدُ القراء بأن يكون هذا أول وآخر مرة أدفع بكتاب لي للنشر ضمن الأعداد القادمة للسلسة، متمنياً أن تزدهر حركة النقد في مصر كي تلبي احتياج الحركة الفنية والثقافة، سواء عبر هذه السلسلة الوحيدة عندنا أو ما يَجدُّ من سلاسل وإصدارات، فما أَشدَّ حاجتنا إلى مثل هذه القنوات لتوثِّق وتُقيِّم أعمال الفنانين، ولتسهم في بناء ذاكرة للفن، وذائقة للجمال عند الشعب للفنون الجميلة، فتكون بمثابة جسور بين الفن والجماهير، على طريق جماعة الفن الحديث التي كانت جاذبية سري أحد أعمدتها قبل 75 عاماً من وفاتها.

(1)  مفتاح الرؤية

بتاريخ 6 مايو 2009 تلقت الفنانة الراحلة جاذبية سِّرى الخطاب التالي من السيد توماس كامبل مدير متحف متروبوليتان بنيويورك يقول فيه :

«  عزيزتي السيدة سّري :

إنه لمن دواعي سعادتي أن أشكرك على هديتك لمتح متروبوليتان للفن. إن إسهامك بلوحتك الفنية « الطيارة » يعد إضافة متفردة لمقتنيات قسم القرن 19 والفن الحديث والمعاصر، خاصة وأنها تعد مثالاً غير عادي للفن المصري الحديث، إن المتحف سيستمر بشكل مُطَّرد ومتوازن في أن يكون مؤسسة تتميز بأعلى مستوى من الأستاذية والمعرفة والإلهام، إن كرمك يساعد كثيرا في تأكيد أن المتحف سوف يستمر في الإلهام والتحدي لزوارنا المتنوعين على مدى الأجيال القادمة.  »

انتهى خطاب مدير متحف متروبوليتان الذي يعد أكبر متحف للفن العالمي، ويعد عرض أي فنان به انتقالا إلى مدار العالمية، وإن كان المتحف لم يدفع ثمنا للوحة جاذبية فإن قبوله لها كهداية، وبمثل هذه الحفاوة التي تضمنها الخطاب، لا يقدر بمال. ومن المعلوم أن المتاحف العالمية تعتمد في تنمية ثرواتها من الأعمال الفنية على مثل هذه الإهداءات، سواء من قِبَل الفنان مباشرة، أو من قِبَل بعض الأثرياء ورعاة الفن، وبهذا تعد جاذبية ثالث فنانة وفنان مصري يحظى بهذه المكانة؛ كان أول الثلاثة الفنان الرائد محمد ناجي، حين اقتنى أحد أعضاء مجلس العموم البريطاني عملاً من مجموعة لوحاته التي أنجزها في الحبشة عام 1930، ثم قام بإهدائها إلى متحف تيت جاليري بلندن 1936، وكانت الفنانة الراحلة تحية حليم هي الثانية، حين فازت في مسابقة دولية للفن نظمها متحف جوجنهايم بأمريكا عام 1957، عن لوحة الأمومة، فضمها المتحف إلى مقتنياته، وجاء التكريم الثالث لجاذبية وهي في الخامسة والثمانين من عمرها، ولم يحظ به من بعدها فنان مصري آخر.

المثير للغبطة آنذاك أنها كانت لا تزال ممسكة بالفرشاة في ثقة وشجاعة، تدهشنا بأعمال فنية جديدة تتمتع بدفء المشاعر وبراءة الطفولة وجسارة الشباب المتمرد وحماسة الإقبال على الحياة، حتى أنها أقامت في ذلك العام – 2009 – معرضًا جديدا لإنتاجها خلاله، وكان يحمل رقم (70) في مسيرتها الممتدة كما أشار كتالوج المعرض، الذي ضم سيرتها الذاتية منذ تخرجها عام 1948 في كلية الفنون الجميلة، ولعلها بذلك قد صحت معلومة شائعة عن أن هذه الكلية لم تسمح بالتحاق الفتيات بها إلا عام 1954، وكان المعهد العالي للتربية الفنية للمعلمات هو معمل التفريخ لكثير من الفنانات بالتدريس، لذلك كان على الخريجين أن يلتحقوا بالمعهد العالي للتربية الفنية للمعلمين للحصول على مؤهل تربوي للتدريس في مراحل التعليم العام؛ هكذا كان اخترام الدولة والمجتمع للتربية الفنية في المدارس في ذلك العهد.

ما هو مفتاح الدخول إلى عالم جاذبية سري ؟

إنها فنانة تتمتع بروح متوثبة عبر المكان، كعصفور طليق في الفضاء، يندفع – في مخاطرة محسوبة – من حقل إلى شجرة، ومن عمود كهرباء إلى أسلاك برقه، كانت في معارضها المتلاحقة – بسرعة تفوق فنانا شابا – تسعى إلى الفعل والإنجاز أكثر مما تسعى إلى البحث والتفلسف، لا تُطرح؛ عن الحياة والبشر، عن الزحام والاختناق، عن الحواري والشرفات، عن البحر والصحراء، عن الزهور والألوان؛ نبض الحياة المتدفق في تيار يتفجر بالصخب.

هي في جوهرها فنانة واقعية تعبيرية على امتداد مراحلها الفنية، مهما بدا من شططها نحو التجريد وما يبدو أنه تعبير عن نزعة شكلانية. إن رحلتها الطويلة بكل أساليبها لم تفارق الإنسان لخطة، رحلة تتراوح بين داخله وخارجه، بين الكلي والجزئي في حياته ومصيره الإنساني، إنها غالبا تنزع عنه القشرة الخارجية، أو الحائط الرابع، لتبدو لنا حياته الداخلية وكأننا في مسرح تتصاعد فيه الأحداث، ومن هنا يبدو لنا عالمها ممزَّقا متصارعا وعنيفا، حتى لو كان الموضوع عن الطبيعة أو في البحر في الصحراء، فما نراه ليس إلا إسقاطا ذاتيا لعالم الفنانة الداخلي، وهو عالم شديد الانتماء للبيئة والواقع، وللدراما الإنسانية أيضا.

وقد يكون في اختصار عالم جاذبية سرى في كلمتَيْ “الواقعية التعبيرية” ظلم لها، لأن ما وراء هما أكبر مما يبدو على السطح، وله أبعاد وظلال كثيرة، إن بعض الفنانين يملكون موهبة التعبير العفوي الصادق عن مكنونات ذواتهم كأفراد مستقلين، وبعضهم يملكون موهبة التعبير عن تيار الوعي الاجتماعي، حتى يصبح فنهم ترمومترا لنبض الوطن بمتغيراته سلبا وإيجابا، ورسالة تربوية إليه، وإحياءً لخصائص هويته القومية وملامح عاداته وتقاليده، وفئة بالغة تمتلك موهبة التلاعب بالعلاقات التشكيلية لظواهر الطبيعة والمخلوقات والأشياء، وجرأة على هدمها وإعادة بنائها بعقلية (تحليلية – تركيبية)، تسعى لمخافتها وخلق “أشكال” وعلاقات جديدة لواقع مبتكر، وفئة رابعة تملك موهبة التأمل والحكمة، واختزال المعاني والحقائق في رموز فنية بنزعة عقلية.

لكن ثمة فئة استثنائية هي التي تملك تلك المواهب الأربعة مجتمعة : التعبير الباطني عن الذات، والالتزام الاجتماعي القومي، والتشكيل الابتكاري التحليلي “للفورم”، والاختزال العقلاني لرموز ودلالات تتسم بالحكمة … ومن هؤلاء جميعا تتكون شخصية الفنانة جاذبية سري.

وتلك شخصية تجمع بين متناقضات لا تقبل الوحدة إلا في مثل هذه الحالة الاستثنائية؛ فكيف يمكن لفنان دأب على الهمس والنجوى تعبيرا عن جوَّانياته وهمومه الذاتية جهير النبرة في تعبيره عن الحلم القومي ؟.. وكيف يمكن لفنان اعتاد البحث التجريبي في علاقات الأشكال الحرة لذاتها أن ينتقل إلى التعبير عن اليومي والدارج في المجتمع والطبيعة وحياة الناس ؟.. أو أن يرتوي مسرح الحكمة والفلسفة ويسقطها على الحاضر في إيماءات رمزية ؟.. والعبرة في ذلك لبست عملا فنيا متفردا هنا أو آخر هناك، وإنما باستمرارية التراوح فيما بينها خلال مسار الفنان عبر مراحل متتالية ومتداخلة، والعبرة كذلك بتحقيق مستوى رفيع في كل منها.

غير أن ما جعل ذلك ممكنا بالنسبة لجاذبية، هو نفس ما جعله ممكنا بالنسبة لبابلو بيكاسو : وهو امتلاكها قدرًا هائلا من الخيال الطفولي ومن الحيوية والتلقائية، ومن الفطرة المتفجرة بحالات الوعي وحالات الوجد وحالات الإشراق الصوفي، أعني التوحُّد الكامل مع ما تريده وتهواه والذوبان فيه، أن تتحول إلى روح شفافة لا تقف أمامها حدود مادية، أن تقتض اللحظة المخاتلة في تَشكُّلها الجنيني أو في تماوجها الهيولي .. ولعل هذا ما يفسر مقولة بيكاسو يوما: « أنا لا أبحث .. إنني أجد! ».

وثمة صفة أخرى مشترك فيها جاذبية مع بيكاسو (مع فارق الدرجة)، وتُهيئُها لحل تلك المتناقضات، وتتحول من شكل إلى آخر، وهي أنها كانت « مِعدَة فولاذية» قادرة على هضم كل ما تدركه من اتجاهات الفن الحديث، سواء من زملائها في مصر أو من الفن العالمي، وإفرازه بشكل جديد مبتكر ينتمي إليها وحدها، وتلك صفة تؤدي إلى نتيجتين : الأولى هي استمراريه التخصيب الذاتي لأسلوبها، مما ينأى به دائما عن السكونية والتكرار، ويجعله في حالة حراك وتنامٍ متواصلين، والثانية هي ارتباطها بآليَّة حركة الحداثة العالمية، حتى تصبح جزءا عضويا منها، تتحدث لغتها وإن بقى القلب مصريَّ الهوى!

والموهبة وحدها هنا ليست كافية لتحقيق هذه الصفة، بل ولا الذكاء أيضا، لكن هناك قوة خفية وراء هذين العاملين تُغَذِّيِها وتحركها بغير توقف، هي « الطبيعة المتمردة » داخل جاذبية، إن التمرد سمة لا زمتها منذ طفولتها، كانت حينذاك تتقمص شخصية الولد كي نفعل مالا تستطيع البنت أن تفعله، وفي صباها خاضت معركة التحدي لتقاليد أسرتها البرجوازية المحافظ كي تختار طريق الفن، وفي سنوات الدراسة بالمعهد العالي للتربية الفنية للمعلمات أصرَّت على أن يكون فن التصوير مجالها ولو تعارضت مع المناهج الدراسية، وفي تلك السن المبكرة – وهي لا تزال طالبة – انضمت إلى جماعة فنية ثورية متمردة على الجمود الأكاديمي، ننادي بالارتباط بين الفن والمجتمع، والثورة على الواقع الاجتماعي المتخلف، المحكوم بالظلم والاستعمار البريطاني قب ثورة يوليو 1952، كانت تلك هي جماعة الفن الحديث، حيث أصبحت زميلة لكل من الفنانين عز الدين حمودة وزينب عبد الحميد وجمال السجيني وداود عزيز ووليم اسحق ويوسف سيده وحامد عويس .. في نفس الوقت الذي تفاعلت مع جماعات يسارية ثورية ضد الاستعمار والرجعية، وشاركت في بعض المظاهرات الوطنية، حتى أخذت نصيبها من العقاب حين تم احتجازها في قسم الشرطة عدة أيام، ولدينا رسم خَطِّي رسمته لنفسها عن هذه الواقعة وهي بداخل الزنزانة مع عدد من زميلاتها، وإن كانت تلك الحادثة قد تكفلت بإقناعها بالابتعاد نهائيا بعد ذلك عن العمل السياسي، وقد قالت لي أنها لم تشأ أن تعيش تجربة إنجي أفلاطون في هذا المسار، وفضلت أن تمارس دورها الذي خُلقت له وهو الفن، مع ربطه بالقضية الوطنية والاجتماعية ليكون سلاحا لا يقل عن سلاح النضال السياسي دفاعا عن القضية، وهو الخيار الذي قامت من أجله جماعة الفن الحديث وآمن به كل زملائها.

لكن تمردها امتد حتى طال كل الأطر التنظيمية والأيديولوجية التي دأبت على استقطابها للعمل من خلالها سواء قبل الثورة أو بعدها، بل أنه امتد حتى طال الصِّيغ والمدارس الفنية الجاهزة والمعتمدة، لمجرد أنها مُصدَّرة إلينا من أوروبا.

أما التصالح الوحيد الذي استمر معها طوال مراحلها جميعا فكان مع الطبيعة، أعني مع المنابع البكر للحياة؛ المدينة بناسها وبيوتها .. البحر بحالاته المتقلبة .. الشواطئ بصياديها ومصطافيها .. الصحراء بصمتها ورهبتها واكتنازها برموزنا الحضارية من تاريخنا العريق .. الزهور بانتعاشها وذبولها .. ذلك كان منجها الذي لم ينضب ولم تملّ التنقيب فيه أو سبك ما تستخرجه من معادنه في مسبوكات فنية مليئة بالإثارة والحيوية.

(2)  المنابع

لا شك أن تجربة جابية سري لم تأت من فراغ، إنها وليدة حالة المخاض الثوري التي مرت بها مصر بعد الحرب العالمية الثانية وحتى قيام ثورة يوليو 1952، حالة القلق العارم التي اجتاحت الشباب من المثقفين والطلبة والعمال، وتفجرت في مظاهرات صاخبة تطالب بالعدل والحرية والاستقلال، وتغلغلت تحت سطح الواقع في شكل منظمات سرية تبعث في الجهاز العصبي للحياة السياسية المناهضة بذبذبات كهربائية متلاحقة، وبصدمات تبلغ حد الانتفاضة.

وكان انعكاس هذه الحالة في الفن هائلا، منذ بزوغ جماعة «الفن والحرية»، بزلزالها الثوري الذي هز كل المسلمات الفكرية والفنية السائدة بمصر أواخر الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات على أيدي الشاعر جورج حنين والرسامين رمسيس يونان وفؤاد كامل وكامل التلمساني، كان الزلزال إيذانا ببدء تيار جديد في الحركة الفنية والثقافية، يعطي ظهره لفن الصالون وجمود الأكاديمية، ويتمرد على ثقافة الطبقات البرجوازية والرأسمالية ومصالح صناع الحروب وتجار المآسي البشرية، ويبشر بالثورة الدائمة، وبحرية الشعوب، وبتفتحُّ زهور الفن الجديدة وفق أساليب السريالية والتعبيرية، ويمهد لحركات التكعيبية والتجريدية، وهكذا صار الإيمان بالفن الغربي الحديث هو الوجه الآخر المدعِّم للاتجاه الثوري في السياسة والفكر.

وتسلمت « جماعة الفن المعاصر » الراية من جماعة « الفن والحرية » بعد الإعجاز عليها بأيدي أجهزة الأمن السياسي التي كانت تتعقب اليساريين، وواصل جيل عبد الهادي الجزار وحامد ندا وسمير رافع وماهر رائف وإبراهيم مسعودة ومشهدة ( تحت عباءة أستاذهم حسين يوسف أمين ) ما بدأته جماعة رمسيس يونان، لكن بمفهوم آخر للحداثة، يربطها بالجذور المثيولوجية والأنثروبولوجية والسوسيولوجية للإنسان المصري، ويؤصل بذلك لمدرسة مصرية متميزة في الفن لا تعيش على فضلات موائد الغرب.

ولعل « جماعة الفن المعاصر » التي تواكَبَ قيامها مع قيام « جماعة الفن المعاصر »  1946 قد حاولت الجمع بين منطلقات الجماعة الأخيرة و« جماعة الفن والحرية »، فقد حصلت « الفن الحديث » من الثورة الدائمة الأخيرة فعلا ملموسا فوق أرض الواقع، وجعلت من تيارات الفن الحديث في الغرب قوة تفجير لمضامين وقيم ثورية، قابلة للبحث والتجريب والتعديل وفق ظروف الواقع المصري، وليست قيماً « إستطيقية » جديرة بالتقديس، ما جعلت من هذا الواقع المسحوق تحت عجلات الفقر والجهل والخرافة والقهر .. حالة ديناميكية وليست دافعا أبديا ساكنا مثلما بدا في جماعة الفن المعاصر، وأزالت التناقص بين الدراما الاجتماعية أو المتيافيزيقية القدرية – التي رسَّختها « الفن المعاصر » وبين الغناء الفلكلوري، بمعنى إضفاء اللمسة الزخرفية الشعبية على عناصر الشكل الفني، بما يسمح بتقبله والاستمتاع به، وفوق هذا وذاك؛ جعلت الجماعة من العملية الفنية مجالا للتجريب الدائم بحثاً عن صِيَغ جديدة تتلاءم مع الواقع الجديد، وهو ما تبدَّي – تلقائيا – مع تنوع أساليب أعضائها إلى حد التباين، تبعا لمنابع البحث الشكلي ولقوة الطاقة التعبيرية لدى كل منهم، ولمدى تأثرهم بتوجيهات أستاذهم ورائدهم يوسف العفيفي، الذي كان من أوائل المبعوثين لدراسة الفن في أوروبا وفي لندن تحديدا.

في حضن هذه الجماعة ترعرعت موهبة جاذبية، وسط تيار عام مؤججٌ برياح الثورة والتغيير، مُخصَّبٌ بمحاولات الجماعتين السابقتين على « الفن الحديث »، مفتوحٌ على تيارات العصر التي لم يعد بوسع أي حاجز أن يعترضها، مستعدٌ للحوار معها ومع كل ما تفرزه حركة الواقع بثقة الند للند على أرض صلبة، مسلَّحٌ بمنهج ديالكتيكي يتخذ من صراع الأضداد ووحدتها طريقا لفهم الواقع وطريقا للوصول إلى مضمون جديد ذي حركة دائبة للأمام، تيار متحرر من عقدة الشعور بالنقص التي تضفى هالات القداسة على كل ما يأتي لامعا من عالم الغرب المتقدم، مهمومٌ باستخلاص ملامح مدرسة مصرية في الفن، تأخذ من الواقع ومن الجذور بقدر ما تأخذ من حركات الحداثة الفنية.

هذا التيار العام كان للفنانات المصريات عامة دور بارز فيه، جعلهن تقض على قدم المساواة مع زملائهم الفنانين، وتحققت في هذا المجال ريادة غير مسبوقة للمرأة، أسست بها ما يمكن أن تسمِّيه حركة الفن النسائي في مصر، ذلك أن ما عرفناه من إبداعات فنية للمرأة المصرية منذ أواخر العشرينيات (على يد الفنانة عفت ناجي)، وما عرفناه أواخر الثلاثينيات (على ايدي الفنانات مارجريت نخلة وزينب عبده وكوكب العسال .. رائدات المعهد العالي لمعلمات التربية الفنية)، وما عرفناه أوائل الأربعينيات على يد الفنانة إنجي أفلاطون بشكل خاص، كان يمثل محاولات فردية، لكن منذ أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، مع تنامي عدد الفنانات الشابات بمواهب متميزة، ومشاركتهم المستمرة في المعارض، أصبح لتلك الحركة كيان ملموس، على أيدي فنانات أخريات مثل زينب عبد الحميد وجاذبية سري وتحية حليم وغيرهن، نبع هذا الكيان من شعور الفنانات بالثقة في أنفسهم بعد صمودهن في المنافسة الحضارية مع زملائهم الفنانين، حتى أصبحن عضوات في تجمعاتهم الفنية بصورة متكافئة، أزالت أي تفرقة بين الجنسين، إلا ما يستلزم تعبيرا خاصا عن مشكلات المرأة وقضاياها الاجتماعية، حيث لا تجيده غير الفنانة.

ولا شك أن جاذبية قد نضجت خلال هذه الحركة متأثرة بفنانيها البارزين سواء بشكل مباشر، من خلال تتلمذها على أستاذاتها بالمعهد، مثل مارجريت نخلة وزينب عبده، أو بشكل غير مباشر من خلال تزاملها مع أخريات في الجماعة فيما بعد، ومشاركتها في مختلف المحكَّات الإبداعية، مما غذَّى لديها الثقة بالنفس، حتى وإن حرصت على الاستقلال بمسارها الخاص.

ونجد أثر هذا التفاعل مع عالم المرأة واضحا في أعمال مرحلتها الأولى (أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات)، حيث كانت المرأة هي البطل الرئيسي في كافة لوحاتها، مرتبطة بتوحُّد الأسرة وبالقضية الاجتماعية، ومحفوفة بالعناصر المنزلية والأنثوية، وبخاصة وسط الأحياء الشعبية وتبرز من أعمال هذه المرحلة لوحاتها التأسيسية المهمة لشخصيتها الفنية مثل : حسن، وأم رتيبة، ونشر الغسيل، والمعلمة والتلميذات … إلخ.

وفيها جميعا نرى الشخصيات في أوضاع المواجهة للمشاهد، بملامح واقعية قوية تحددها خطوط خارجية صريحة للجسم، وألوان ناصعة لزخارف الملابس التي يرتدينها، مع تأكيد لون البشرة السمراء التي تشع فيها نظرات العيون الشاخصة بقوة التباين بين الأبيض والأسود في مأقيها، وتبدو النسوة مزهوات بخصوبتهم المتمثلة في كثرة الإنجاب، وبمسؤوليتهم عن استقرار الأسرة وتربية الأبناء، باعتبار الزوجة والأم هي العمود الفقري لها، ولا يقلل من هذا الشعور بالزهو والثقة في عيونهم كون بعضهن زوجة ثانية، فنراها بجانب ضرتها معتدة بأطفالها وأنوثتها.

غير أن عاملا آخر لا يقل أهمية عن سابقيه وأثراً في تكوين جاذبية وأعمالها الفنية، وهو قيام ثورة 23 يوليو 52، وتحقيقها الكثير من أماني وأحلام الحركة الوطنية والثورية آنذاك، من إلغاء الملكية والإقطاع وإذابة الفوارق بين الطبقات، إلى التصدي للاستعمار والدعوة إلى التنمية الاجتماعية ومساواة المرأة بالرجل، إلى الاهتمام بالتعليم وإتاحته بالمجان لملايين الفقراء، إلى تحقيق العدالة الاجتماعية بتوزيع الأرض على الفلاحين، إلى تبجيل قيمة العمل والإنتاج مع انطلاق ثورة التصنيع … إلى غير ذلك من مكاسب طالما نادى بها الثوار ومنها فرسان جماعة الفن الحديث قبل قيام الثورة .. لكن نظام هذه الثورة أجهض في الوقت ذاته أماني وأحلام الحركة الوطنية في قيام حياة ديمقراطية سليمة، وكَبَتَ الحريات العامة وأولها حرية التعبير والمعارضة، واستخدام القبضة الحديدية ضد الرأي المعارض، فلم يعد هناك إلا الرأي الواحد للسلطة .. باختصار : أصبحت جاذبية – هي وكثير من أبناء جيلها ممن كانوا قبل الثورة منغمسين في تيار المطالبة بالحريات – منقسمين بين تبنِّيهم مشروع الجمهورية الأولى في مصر للنهضة القومية – بما فيه نهضة الفنون والثقافة، وهو المشروع الذي استقطبت الدولة إليه آمال ذلك الجيل، وبين رفضهم لنظام شمولي يقايض اللقمة والعدالة الاجتماعية وتأميم القناه ومواجهة الاستعمار، بقبضة الاستبداد وسلب الحرية، فأدى ذلك إلى شعورا لثوريين بالإحباط، وإلى انكفاء الكثيرين منهم على الذات، وسوف نلاحظ أن أثر هذه العلاقة الملتسبة والمتناقضه تلك في الواقع السياسي قد ظل مستمرا عبر المراحل الفنية المتلاحقة لجاذبية، إِنْ إيجابا أم سلبا، إيمانا أم رفضا، انسحابا أم تمرداً !

 

(3)  الواقعية الاجتماعية

تمثل البدايات الأولى لتصوير جاذبية (عكس اندفاع سنوات الصبا) مرحلة الاستقرار التقني والتوحد النفسي بين الذات والموضوع، والقناعة المبدئية بأفكار الثورة وبالأسلوب الفني المعبر عنها، القائم على التماسك البنائي للوحة بتكوين محكم، وروابط خطية مباشرة بين عناصرها، وألوان صحصاحة وموتيفات شعبية مستلهمة من البيئة والتراث، وهي تعادل التماسك الذي رأته في كيان الأسرة المصرية البسيطة، ورضاها بواقعها الجديد الذي حققته أو بشرت به حكومة الثورة.

إن لوحاتها ابتداء من 1952 تحفل بنماذج من الطبقات الشعبية الكادحة في أوضاع سكونية مُستتبَّة، ذات تكوين معماري يعكس الاستقراء والرسوخ، وتخلو سطوح اللوحات تقريبا من العجائن والملامس اللونية السخية أو الخشنة، معتمدة على دهانات لونية رقيقة تحددها خطوط شديدة الصراحة والاهتمام بعنصر الرسم الواقعي، وفق قواعد التشريح والنسب والمنظور، ونكاد نشعر بأنها تكره وجود أي فراغ في اللوحة أو مساحات ممتدة خالية من التفاصيل، معتمدة على « بالغة » لونية متجانسة متقاربة الدرجات ذات قدر من الشاعرية، ربما كان ذلك ضروريا آنذاك لامتصاص درجة المباشرة في الموضوع والأسلوب الواقعيَتْين، حتى لا تتحول اللوحة – فيما لو بدت فيها قوة التضاد – إلى ملصق دعائي.

ومن المدهش أننا نجد لها قبل ذلك – تحديدا عام 1949 – لوحة سريالية بمعنى الكلمة، بعنوان (بدون عنوان) وتمثل مجموعة من النسوة تتلوى فيما يشبه الجحيم، وهي ذات بناء جيد يقوم على الحركة المتلوِّية اللاهثة لمجموعة النسوة وهن يتقلبن في أوضاع تعكس حالة العذاب الذي تعانين منه، خاصة بما يحيط بهن من فراغ يشتعل باللون القرمزي، ولعل هذه اللوحة كانت إرهاصا بما تمتلئ به أعماقها من قلق وجَيَشان انفعالي، قامت بكبته بعد ذلك، تحت تأثير قناعتها الأيديولوجية بالفن الملتزم تجاه المجتمع في إطار جماعة «الفن الحديث»، وسوف نرى بعد قرابة عقد من الزمان بعد مرحلة الجماعة، أنها عادت إلى إحياء ذلك الفوران الانفعالي بداخلها، بأعمال لم تعط ظهرها لمبادئها الثورية، بل بثت من خلالها هذه الروح الانفعالية الثائرة، حتى ولو كان الموضوع بعيدا تماما عن حالة الجَيَشان الانفعالي أو الثوري.

وعودة إلى لوحات الخمسينيات في مشوارها، حيث أن الهدوء اللوني الذي أشرتُ إليه، ورسوخ التكوين الهندسي لبنائها الفني وشخصياتها المواجِهة للمشاهد، لا يعني سكونيتها بأي حال.

ففي لوحة مثل « الفتيات والدمية » تلعب الخطوط القوسية المتجاورة لسيقان وأذرع الفنانين وخيوط النسيج على النول خلفهما، مع الوضع الجانبي للوجهين، دورا قويا في تحريك السطح وإضفاء الحيوية عليه، خاصة مع ما نراه من حوار بين تلك الخطوط وبين زخارف السجادة التي يتم صنعها على النول، وزخارف الرداء الذي ترتديه الفتاة الأمامية، إن انتظام الأقواس وتوازي الخطوط لا يشعرنا بالرتابة، بل يدعونا إلى استرجاع الكثير من ملامح التصوير المصري القديم، ويوحي إلينا بامتداد جذورها في الحاضر.

وفي لوحة « أم رتيبة – 1953 » وبرغم صرامة التكوين الهرمي للأم وابنتها، واختيار الفنانة للون الأرض الطينية لتكسو به الوجوه والأجسام دون أي محاولة لتأكيد التجسيم والاستدارة، فإننا لا نشعر بأي خمود، خاصة بعد ملء فراغ خلفية اللوحة بزخارف السرير النحاسي المعروف في الأحياء الشعبية وباب الحجرة في المؤخرة، أما في المقدمة فإن الزخارف النباتية في رداء الطفلة، إضافة إلى زخارف العقد الذهبي حول عنق الأم، تكمل مسار العين من أعلى أسفل وبالعكس، في حركة لا تتوقف ويتضافر هذا المعمار الهندسي مع التعبير العاطفي لمعنى الأمومة، وذلك المعنى الذي يؤكده بشكل فريد التمام ذراعَيْ الأم والطفلة وتماسك قبضتيها برفق فوق قلب الأم تماما.

أما في لوحة « تصفيف الشعر – 1953 » فإن العناصر الهندسية، مثل خصاص «الشيش» في باب الشرفة وسورها الخشبي ومظلتها، ومربعات البلاط الأرضية، لا تقل أهمية عن العنصر البشري، ممثلاً في الأم وطفلتها التي تقوم بتصفيف شعرها، لاستكمال التصميم المعماري للوحة وتحقيق الحركة الداخلية فيها بغير توقف، بل إن القوائم الخشبية الحمراء للسور والمظلة نكمل حركة ذراع الأم ورأسها المائل بنظرة تترقرق بالحنان نحو الطفلة.

وتلجأ الفنانة في أعمال تلك المرحلة إلى نوع من تسطيح الظلال على الوجوه والأجسام في مساحات مسطحة، تتجاور وتتقاطع وتتعانق وتتناقض، بم يجعلها تلامس حدود التكعيبية، وما يساعد على تحقيق التماسك والحركة داخل التكوين.

وتبدو هذه السمات بوضوح في لوحات أخرى من هذه المرحلة، مثل «الأسرة » و « نشر الغسيل » ، و« المعلمة والتلميذات ».. وقد نجد تفسيراً لذلك الاتجاه الواقعي المباشر ولتلك الحالة من التوافق والاستقرار في لوحات أوائل الخمسينيات، في اتِّساقها مع المناخ الجديد (كما أشرنا إليه من قبل) الذي أشاعته « الثورة البيضاء » ، بشعارها الداعي إلى « الاتحاد والنظام العمل » ، وإلى الاهتمام بالفقراء والمظلومين، وفي عملها على تنشئة جيل جديد على تلك القيم، فيما لم تكن قد انضمت بعد، جوانبه الأخرى المنافية لحقوق الإنسان في الحرية والديمقراطية .

كما قد نجد ذلك متناغماً أيضاً مع ما وصل إلى مصر آنذاك من كتب ومطبوعات عن مدرسة « الواقعية الاشتراكية » في الفن التي ازدهرت آنذاك في ول أوروبا الشرقية تحت هيمنة الاتحاد السوفيتي، وفي المكسيك على وجه الخصوص، التي تسمت بالواقعية الظاهرية والمنهج التعليمي، معتمدة أسلوباً خاصاً في النظر إلى الواقع بنوع من المثالية، ويقوم على محاكاة الطبيعة وعلى تحديد الخطوط الخارجية للأشكال، ويعطي للإنسان نوعا من البطولة الملحمية، ولإنجازاته طابع الصرحية. ولا شك أن ذلك كان يعد آنذاك تعبيراً عن المناخ الثوري، وقيمة جديرة بأن تحتذي من جانب الفنانين الثوريين.. ومنهم جاذبية.

(4)  اللوحة ذات البعدين .. والحرمة المفقودة

ابتداء من عام 1956بِتْنا نرى بشائر مرحلة جديدة في تطور أسلوب جابية سرى، متحرر من الموضوع المباشر الذي تسم بسكون بنائه وهدوء ألوانه، وتتجه إلى التعامل مع اللوحة كشكل جمالي باعتباره مسطحاً ذا بعدين اثنين تصبح المساحات اللونية فيه مجالا للحوار التشكيلي، ويكون فيه  البناء أقرب إلى التسطيح المجرد، بألوان متباينة ناصعة النقاء، أصبحت هي سيدة الحركة البصرية في اللوحة بدلاً من عنصر الرسم الواقعي والخطوط المباشرة، ومن الرسوخ المعماري، وحتى من أهمية الموضوع، فتحول البناء الفني من مفهوم الكتلة ثلاثية الأبعاد إلى الشكل المقارب للتجريد ثنائي الأبعاد، وإن حمل أشخاصاً أو مضمونا ما .

يتضح ذلك في لوحة « المراجيح -1956» ، وهي مقسمة إلى مساحات هندسية أفقية، بألوان زرقاء وخضراء وبرتقالية، تقطعها خطوط رأسية لقوائم المراجيح، وتتوسطها القوارب البيضاوية التي امتلأت بالأطفال، وطارت بهم في الهواء مثيرة للبهجة والحيوية . إن تلك اللوحة بمثابة تمهيد لاتجاه سوف يتأكد وبتأصَّـل في مسار جاذبية لسنوات طويلة تالية، باقترابه من عالم التجريد، وبغلبة الحس الغنائي الطروب عليه، وفي الوقت ذاته؛ بدخوله منطقة « التعبيرية التجريدية » متحرراً من العناصر الزخرفية.

وتبرز ملامح تلك المرحلة في لوحة « لعبة الحجلة – 1958 » ، إذ قسمت الفنانة مسطح اللوحة إلى مستطيلات ومثلثات متجاورة بألوان متباينة بين  الزيتوني والبني والبهيج والأسود، وتُطل على مساحة الأرض المقسمة بالطباشير إلى مربعات حيث تلعب فوقها الطفلتان، من منظور عين الطائر، لكننا نرى الطفلة التي تلقي بالحجز بمنظور رأسي، ونرى الطفلة الأخرى وهي تحجل بساق وتمسك بساقها الأخرى بمنظور أفقي، وأسفل قدمها مربعات اللعبة وقد اكتست بألوان متباعدة مثل الموزاييك، فيما يربط بين هذا الجزء في اقصى الركن الأيمن من أسفل ، وبين الركن الأعلى في أقصى اليسار، خط يمتد من يد الطفلة المنبطحة كالفراشة وفي آخره الحجر الصغير الذي ترشقه بخفة نحو قدم الطفلة الثانية، متوازياً مع خط ساقها الواقفة.

إن خطوط الدوائر والأقواس في جسمي الفتاتين، بإيقاعها الديناميكي سريع الحركة ، تكسر ثبات المساحات الهندسية المجردة، وتجعل العين تقيم حواراً لايتوقف بين أطراف اللوحة ومحاورها المختلفة، وفيما تتسم ملامح وجه الفتاة الواقفة في وضع جانبي بطابع مصري قديم، فإن مساحات الأرضية الهندسية توحي بطابع عربي، وهنا تكتمل ملامح شخصية مصرية ثلاثية الأبعاد : بين الطابع المصري القديم، والطابع العربي، والطابع الشعبي الذي يتمثل في موضوع اللوحة.

وتأتي لوحة « لعبة الاستغماية -1958» لتكتمل أبعاد البلاغة الجمالية لتكل المرحلة، وإنْ بدرجة تعكس قدراً أكبر من التأثر بأسلوب بيكاسو في تحليل ملامج الوجوه وحركة الأجسام، متخذة من طابع السذاجة الطفولية مظهراً لإضفاء التلقائية والبراءة على التكوين، الذي يقوم على محاور رأسية مائلة، للأطفال الثلاثة الذين يندفعون ليدركوا زميلهم، ومتخذه أيضاً الطابع المصري القديم في الوضع الجانبي والخطوط المتوازية في حركة أفقيه .. إيماءاً إلى روح مصرية صميمة، فيما تمثل المساحات اللونية المسطحة خلفية هادئة الألوان، كي تتيح للألوان الساخنة مع حركة الأجسام البشرية .. الفرصة لحضور أكبر.

هل يمكن أن نعتبر مرحلة لوحات « اللعب » تنفيساً عن رغبة دفينة لدى  الفنانة في ممارسة الحرية والانطلاق بعيداً عن أسر القيود بكل أنواعها؟ .. يبدو هذا صحيحاً بالنسبة لفنانة كانت الحرية هي محور حياتها، وليس لها وحدها بكل بل لشعبها كله، ثم خاب أملها في تحقق ذلك في عهد ثورة يوليو، ولما كان هذا العهد قد حقق جانباً جوهرياً من أحلام جيلها ، يتعلق بحقوق الإنسان في العدالة الاجتماعية والتحرر من الاستعمار ومقاومة وجوده في كل مكان، وغير ذلك من حقوق الشعب في التعليم والصحة ومشروع الوحدة العربية، فكان يصعب عليها أن تقف موقف المعارض له، ومن ثم وجدت في التعبير عن ممارسة أبناء الشعب للعب المختلقة معادلاً للحرية السياسية المفقودة، وتنفيساً عن توقعها المكبوت إلى الحرية، فجعلت من ألعاب الطفولة لحنا حميما إلى نفسها تعزفه من حين إلى آخر ، يتواكب مع لحن آخر هو التعبير عن حرية المرأة وتوليها زمام الأسرة وصدارة المشهد.

هذا اللحن الأخير يصل ذروته التعبيرية والتشكيلية في لوحة « أسرة صعيدية – 1960»، بقوة درامية بالغة التأثير، تنبعث من ذلك التكوين الأسرى، حيث يجلس الأب على عقبيه متحفزا متسيِّدا الموقف، بالرغم من وجوده في الجزء الأسفل، فيما تحتل الزوجة نصف المساحة الطولية بحضور طاغٍ يجذب النظر، يعبر عنه لون ردائها الأحمر العنيف ووضع المواجهة والتحدي في نظراتها، وفي خلفية الرجل يبدو أبناؤه في منطقة الظل بملامح تكعيبية وعيون تلمع في الظلام مثل عيون القطط!

إن هذا البناء الجمالي المدهش يتجاوز قيمته البصرية النفَّاذة إلى الأعماق، نحو قيمة رمزية لواقع اجتماعي تتم فيه قلقلة المسلمات الراسخة ويسعى للانفلات من أسر سلطة أبوية طاغية.

أليس هذا ما تومئ نحوه أيضا لوحة « الطيارة الورقيه – 1960 »، حيث لا تكتفي الفنانة باندفاع الطائرة الملونة في أعلى فضاء اللوحة، بل تجعل الطفلة ذاتها تطير معها منفلتة من الجاذبية الأرضية، لتملق فوق مبنى أسود ذي فتحات كملامح وجه يوحي بالكآبة؟

وأليس هذا ما تؤكده – بشكل عكسي – لوحة «  وراء القضبان – 1960 » كمرثية للحرية المفقودة، إِبَّان حملة الاعتقالات السياسية الواسعة آنذاك ؟.. إننا نشاهد مجموعة من الوجوه ذات العيون المفتوحة في فزع أو دهشة على خلفية سوداء، وفي المؤخرة نافذة ذات قضبان، ومن خلفها يبدو قرص أصفر رمزا للأمل في الحرية، إن اللوحة من صراحتها ومباشرتها تقترب من الملصق .. الا ينُم هذا عن عمق انشغال الفنانة بهذه القضية في تلك الفترة ؟

(5)  بين النيل .. والحضارة .. والهزيمة

سرعان ما استعادت جاذبية ثقتها وتماسكها من خلال لوحتها الجدارية العملاقة « ثلاثية النيل – 1960 »، التي تبلغ بأجزائها الثلاثة عشرة أمتار عرضا؛ تلك الملحمة التعبيرية الرمزية لامتداد الحضارة على شاطئ النيل بسواعد أبنائه وكفاحهم، وبقوة الخصوبة فيهم، إن أسلوب الفنانة هنا يكتمل نضجا في اتجاه التكعيبية، إذا تعمد من خلالها إلى تشريح الأشكال والمشخصات إلى شرائح وشظايا متداخلة ومتلاحمة، وقد تتراكم لتكوِّن أشكالا هرمية، وبالرغم من هذا الطابع التشريحي للسطح والكتل، فإن العين تستطيع في النهاية أن تكوِّن عناصر المشخصات في سياق متصل يربط أجزاءها الثلاثة، ما بين الصيادين وهم يشدون المراكب بسواعدهم المفتولة. وبين النسوة وهن يغسلن الملابس على الشاطئ وقد تَفجَّرْنَ بالأنوثة والخصوبة، وبين صواري المراكب الشراعية وهي تتقاطع في أشكال هندسية تشف عما خلفها من شريط مباني المدينة على شاطئ النيل، وتنعكس صورتها على صفحة الماء فتترقرق بحركة بصرية لا تكف عن النبض .. وفي الحركات الثلاث (مثل العمل الموسيقى) يبدو اللحن الأساسي متمثلا في الأشكال الهرمية المتداخلة والألوان الساخنة، ما بين الأحمر والأصفر بتدرجاتهما، مع تلطيفهما بدندنات متناثرة من الأزرق والأخضر والأسود.

ولا شك أن جاذبية قد تغنَّت بالكثير من إنجازات من إنجازات ثورة يوليو خلال الستينيات؛ مثل السد العالي وتهجير شعب النوبة لاطلاق بحيرة السد، ومثل وحركة التحرر الوطني التي قادتها مصر على مستوى العالم آنذاك، بنفس أسلوبها المتميز المشبع بخبرات الفن الحديث.

ولا شك كذلك أنها قد عبرت في عديد من لوحاتها عن الوجه الآخر لتلك الثورة، متمثلا في الحصار الفكري وغياب الحرية والديمقراطية، لكن ما من شيء هزَّ وجدانها حتى الأعماق واستدعى للتعبير عنه العديد من اللوحات يعادل هزيمة 1967 في سيناء .. إذ كانت بمثابة زلزال زعزع كل قناعتها الثورية، كما هزَّ مصداقية النظام الشمولي وصلاحيته للاستمرار.

إن لوحة « الهرم الأصفر – 1967 » خير تمثيل لأثر ذلك الحدث، حيث يبدو الهرم مضيئا وبجواره شبح أبي الهول، وقد عكست نظراته الغائمة ي الظلال البُنِّية هو الكارثة، ومن خلف الهرم انتصب جدار قاتم اللون يغطي قرص الشمس الأرجوانية ولا يترك غير جانب صغي منه، فيما يبدو الامتداد من خلف الشمس مساحة جرداء مشققة كالأرض الخراب، وعلى اليسار وجه إنساني يعشش فيه الحزن وقد ارتدى صاحبه ثيابا سوداء.

إنها على المستوى الفني قد لا تصل إلى قيمة عالية، لكنها على المستوى التعبيري صرخة ألم سوف تكتب نضجا أكثر فيما بعد، وقد استطاعت الفنانة بسرعة أن تستوعب الحزن في أعماقها وتعبر عنه بلغه جمالية غير الصراخ، بل باتت أقرب إلى التأمل وإعادة النظر في كل شيء.

اقتضاها ذلك أن ترتفع فوق الهزيمة إلى أقصى ما يمكنها الارتفاع في أعالي الفضاء، لتطل من ذلك العُلُوّ على أرض مصر كي تراها بنظرة جديدة، وهكذذا فاجأتنا بمجموعة من اللوحات عن أرض مصر وكأنها مصورة من طائرة، وقد تفتت إلى شرائح لونية صغيرة متجاورة كأنها قطع الفسيفساء، ودائما سنجد الجزء السفلي مكونا من مساحات متوهجة بالأخضر والأحمر، أما الجزء الاعلى فسنجده نسيجا متشابكا من البيوت باللون الأسود ودرجاته، مثل سحابة دخانية خانقة وإن تحللت إلى خيوط وأشكال أرابيسكية.

لكن مع حلول عام 1968 نزلت جاذبية من علياء طائرتها المحلقة، أو من برج مراقبتها التأملية، لتنسحب إلى الداخل، داخل النفس أو داخل جدران البيوت أو المكعبات الأسمنتية، حيث ارتدت قناع المدينة، أو تقمصتها المدينة، حتى صارت جزءا عضويا من مبانيه الخرسانية ونوافذها وأبوبها شرفاتها التي تبدو كعيون مفقوءة أو كخزائن للأسرار، أو كمرافئ للاختباء أو للاحتواء أو للتواصل المفقود بين البشر.

هكذا بدأت مرحلة «البيوت والناس»، هناك يتداخل البشر كيوم الحشر العظيم داخل جدران المدينة، بأسلوب أخذ يتجه حثيثا نحو التجريد التعبيري، معتمدا على الاختزال الرمزي للوجوه والأجسام والعناصر المعمارية للبيوت، ولم يعد يبدو للوحة رأس من قدمن ولا يُعرف لها أول من آخر. تماما مثل السجادة المزدحمة بالزخارف والنقوش الشرقية.

لكن ثمة ملاحظة لا تخفي على العين المدققة في لوحات مرحلة أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات عن المدينة؛ وهي أنها مليئة بأجساد النسوة هن أقرب إلى حالة الحمل والولادة، وتحمل صدورهن مظاهر الامتلاء رمزا للخصوبة أو الأمومة.

ومع أوائل السبعينيات ازدادت تكوينات اللوحات انغلاقا على نفسها، وامتلأت بالعناصر الطلسمية والسحرية، وبالرقش الأقرب إلى الكتابة بلغة بدائية مجهولة، وبرموز العمارة الدينية من مساجد وكنائس، في الوقت الذي ازدادت الخطوط والألوان ضراوة ووحشية وميلا إلى التجريد.

لقد اختفى أي نوع من الفضاء أو الفراغ في نسيج اللوحة، أصبح الزحام كابوسا ضاغطا على النفوس والأعصاب … أكانت تلك سنوات الاختناق والصبر المرير في ظل كابوس الهزيمة ؟.. أكانت نوعا من المكابدة الروحية في نفس الفنانة توازي مكابدة حرب الاستنزاف ضد الاحتلال الإسرائيلي بعد الهزيمة ؟.. أكانت نوعا من الاحتماء الجماعي لأمة داخل صَرَفتها الحجرية، لتولد من جديد في مخبئها خشية الفناء؟

وكما أن لكل فعل رد فعل مواز له (إلخ …) فإن ضوضاء الزحام في لوحات المدينة منذ 1967 حتى أوائل السبعينيات كانت فوق ما تستطيع الفنانة احتماله والاستمرار فيه، ومن ثم وجدت نفسها في اتجاه معاكس تماما للمدينة .. اتجاه الصحراء .. حيث لا شيء غير المدي الأصفر الممتد الي لا تُحدُّه غير الصخور والجبال والكثبان الرملية المتماوجة في أشكال متنوعة.

كانت تلك محاولة أخرى للتماسك والارتفاع فوق الهزيمة، وللتأمل الصافي للجوهريات .. في تلك الفترة رسمت مجموعة كبيرة من اللوحات من وحي الصحراء بلون واحد أو لونين أو ثلاثة، وبأقل قدر من الخطوط والأشكال، لكنها لم ترسم الصحراء الرملية والجبال الصخرية وما إلى ذلك كمناظر طبيعية للصحراء كما نعرفها، بل رسمت أفقا ممتدا تقطعه أشكال هندسية مثل مثلث ومربع ومكعب، كناية عن الجبال والصخور، محددة بخطوط سوداء سميكة تؤكد بها الطابع الرياضي المجرد من العواطف.

وفي لوحات أخرى حاولت إيجاد الحركة بأقواس ومنحنيات أقرب إلى الكثبان الرملية أو النتوءات العضوية في الأجسام البشرية.

كان المشهد العام في لوحات الصحراء حوارا فلسفيا لا يتوقف بين فرضيات مجردة، ومحاولة دائبة لإيجاد التوازن بين تلك الكتل والأشكال الهندسية، وفي ظني أنها كانت مرحلة بحث عن لغة فنية جديدة تستطيع أن تتعامل بها مع واقع متغير لم يعد يصرف الثبات أو الاستقرار.

(6)  حوار الأهرامات

أسفرت التجربة البحثية في الصحراء عن صيغة جديدة تتوافق مع مزاج جاذبية، عندما بدأت سلسلة لوحاتها عن الأهرامات بدءا من عام 1976.

كان شكل الهرم أكثر الأشكال الهندسية توازنا وإكتمالا، فضلا عن قوته كرمز لمصر، ومن ثم جعلته دالَّة على مرحلة ما بعد انتصار اكتوبر 1973، بكل أبعادها بين الانتصار والتمزق .. وهكذا لعبت بهذا الشكل في اللوحة الواحدة على أكثر من معنى أو رمز …

في لوحة « الهرمين المتعاكسين – 1976 » يبدو الهرم الأعلى مضيئا شفافا صغير الحجم، بينما انعكاسه على الأرض بحيث تبدو قمته إلى أسفل، وقد بدا حجمه أضعاف حجم الهرم الأعلى، واحتشد من داخله بركام من الصخور البركانية الملتهبة كلما ازددنا عمقا نحو القاع، وفي خلفية الهرم البركاني تتوحَّد مساحة الصحراء بلون طوبي يتذبذب في ارتعاشات كأنها أصداء البركان المكتوم داخل الهرم المقلوب !

هل كانت جاذبية تتنبأ هنا بانفجار البركان الطبقي في مصر بعد شهور من هذه اللوحة .. أعني الانتفاضة الشعبية في 18،19 يناير 1977 ؟!

وفي لوحة « حوار بين هرمين – 1978 » نجد شكلين هرميين يعلو أحدهما الآخر في توزان هندسي صارم، الأعلى أكبر قليلا من الأسفل، ويبدو شفافا كما لو كان من بللور يعكس صفحة السماء أو أعماق البحر، في تدرج لوني تصل كثافته إلى القمة، أما الهرم الأسفل فيكتظ بزحام البشر، مُذكِّر إيانا بمرحلة الناس والبيوت والمدينة؛ إنه التناقض بين الحلم والواقع، وكم كان واقعا حافلا بالصراع تحت السطح !.. وهنا تلعب الفنانة على التناقض الجمالي بين ملمسين متباينين، وعلى التناقض التعبيري بين السكون والحركة، وعلى التناقض الرمزي بين الصمت والصخب!

وفي نفس السلسلة الهرمية، تقدم لنا في نفس العام لوحة « تكوين من مصر » بنفس البناء المعماري للهرمين اللذين يعلو أحدهما الآخر، الفارق هنا أن الهرم الأعلى قد امتلأ بحركة أجسام بشرية ملتوية كألسنة الهب المتوهجة أو الحمم البركانية، ( وهي تذكرنا بلوحتها السريالية عام 1949 التي سبق لنا الإشارة إليها ).. أما الهرم الأسفل فيمثل البناء التحتي المستتب لبنية المجتمع المصري، حيث يبدو الناس كالأحجار المرصوصة، وبرغم التباين التعبيري والرمزي بين الهرمين، فإنهما متجانسان ومنسجمان – بل متشابهان – في ألوانهما وملامسهما، وليس ثمة فارق بينهما غير ألوان الخلفية من وراء كل منهما، إذ أنها في الجزء الأعلى ذات ألوان صحراوية، وفي الجزء الأسفل ذات ألوان سماوية لازوردية.

أما لوحتها « الهرم المشطور – 1976 » فهي تتحرر من ثنائية الهرمين فوق بعضهما البعض، وتتفرد بهرم وحيد، لكنها عبارة عن لوحتين تحمل كل منهما نصف الهرم، فإذا ضُممَّتا إلى بعضهما البعض اكتمل شكل الهرم، وإن بدا مشطورا إلى نصفين متماثلين، وبداخل نصف الهرم زحام أجسام بشرية تحاول كسر الإطار الأبدي الجاثم فوقها والخروج منه إلى آفاق المساحة الممتدة خلفه، بلا حدود فاصلة بين الأرض والسماء.

أتكون تعبيرا عن انشطارٍ معنوّيٍ في بنيان الأمة، أم في التكوين النفسي للفنانة ؟.. أم محاولة مستميته للتمرد على كل عوامل الكبت بداخل المجتمع للتنفيس والانطلاق ؟.. وهل يبحث الشطران المنفصلان للهرم عن الالتحام أم قُضِيَ عليهما بالانشطار ؟.. أيا كان مغزاها فإن ما يصل إلى كل مشاهد – بحسب تكوينه الفكري والنفسي – بكيفه شعورا بالانشطار ويجعل من العمل الفني معينا متجدداً لشتَّى التأويلات، خاصة وأنه يقوم على معمار بالغ الرصانة والحاثة في آن واحد، يجمع بين منتهى الثبات وذروة الحركة، بين أقصى الملامس خشونة في مساحات الأجساد داخل الهرم، وبين أقصى الملامس نعومة في الخلفية الممتدة خلف شطري الهرم.

إلا أن حواريات الفنانة بين الأهرامات لا تنتهي، وأكتفى هنا بآخر هذه الحواريات في لوحتها عام 1979، التي تمثل جانبين من هرمين متقابلين، الجزء الأعلى من اللوحة يمينا يكتظ بزحام من وجوه وبيوت، والأسفل يسارا يمتلئ بزحام من المباني كغابة من الأسمنت، وقد عمدت الفنانة إلى تأطير ضلع واحد من كل هرم بخط سميك فاتح اللون، أقرب إلى سهم بدون رأس، يحدد ناحية الاتجاه في مواجهة الضلع الآخر.

كان لابد للفنانة أن تكمل منظومتها الهرمية، حتى لو انتهت بمثل هذه المحاورة الرياضية !

(7)  التسعينيات .. والطبيعة بالألوان المائية

التسعينيات .. والطبيعة بالألوان المائية

منذ أوائل التسعينيات من القرن الماضي، بدأنا نلاحظ حنين جاذبية – من وقت لآخر – إلى رسم الطبيعة ومحاولة استقرائها بأكثر من أسلوب؛ مرة بأسلوب وصفي طازج، مستخدمة الألوان المائية، من شاطئ البحر والمصطافين والصيادين، إلى الجبال والأجواء الصحراوية، إلى باقات الزهور والمناظر الطبيعية بمصر وخارجها.

وقد تختزل – مرة أخرى – عناصر الطبيعة في إيماءات جمالية لا تحاكي الواقع بل تعيد صياغته بحس تعبيري تلقائي، وأحيانا بحس وحشي، خاصة في لوحاتها عن عالم البحر.

وقد تحاول – مرة ثالثة – استرجاع أجواء « الناس والمدينة » بشلك أمْيَل إلى الغنائية والحنين الرومانسي.

وفي جميع هذه الحالات كانت أقرب إلى النزعة الانطباعية، وأبعد عن التصميم العقلاني أو الإسقاط الرمزي أو التعبير الاجتماعي.

إن خبرة السنين الطويلة أثمرت لديها قدراً كبيرا من السيطرة على المساحة البيضاء دون حساب مسبق، ومن القدرة على الإسقاط الفوري للشعور في أشكال جمالية تتخطى المقاييس المعتادة للنقاد تجاه الفنانين.

نبدأ بلوحاها المائية، فهي عجالات ملونة تتمتع بقدر كبير من السيولة والنشع، ومن الإسقاط اللحظي ومن الصدق الفني في آن، إنها خلاصة سياحاتها المتصلة عبر المكان في أنحاء مصر المختلفة : من مرسى مطروح إلى الغردقة، ومن سيناء إلى الأحياء الشعبية، وهي إذا تهتم في هذه اللوحات الانطباعية بعناصر المكان والأشخاص والحيوانات والقوارب والبيوت، فهي لا تسعى إلى نسخ مشاهد الطبيعة أو محاكاتها، بل إنها تستنبط من نثرياتها اليومية (الشبيهة بنثر اللغة العامية) روح الشعر، إن الواقع الذي ترسمه حقيقي لكنه شفاف ومُصَفَّى، ومن جانب آخر فإنها بهذه الأعمال تحيلنا من جديد إلى جذورها كفنانة واقعية تعبيرية لم تنفصل طوال مشوارها الفني يوما عن الطبيعة والإنسان، وما تلك الاعمال بالألوان المائية إلا بمثابة دفتر يوميات الأديب الذي يسجل فيه انطباعاته – بكل تلقائية – لحظة ورودها إلى خاطره أو انعكاسها عن مشاهد الحياة اليومية التي يعيشها، إن جاذبية لم تكن تفكر – ساعة رسمها – في الأسلوب أو الصياغة، بل كان كل همها اقتناص اللحظة الخاطفة من خلال ما تراه عيناها، مارُّه بعملية تكرير جمالي للطبيعة عبر مخيلتها، ويتم ذلك بسرعة فائقة وكأنها في غرفة عمليات ميدانية، وقمَّما تأخذ الرسوم الصغيرة إلى مرسمها لتعيد تشكيلها بحس تأملي هادئ، جاعلة منها نقطة انطلاق إلى رؤية جديدة، لكنها على الأغلب تحس بارتياح إلى ترك النواة كما هي، أي كما رسمتها أول مرة في الموقع، بل تحس برغبة طفولية في عرضها على الناس، وكأنها تعرض عليهم الخطوة الأولى لمشروعها الجمالي، بلهجة عامية مرتجلة لكنها مفعمة بشعر اللحظة العابرة، وبحب الطبيعة والناس والحياة. وهنا نجد أن مفرداتها الجمالية لبلوغ هذه الشاعرية ليست العناصر الواقعية المجسمة، بل هي ذلك الحس المحفوف بإشعاع النور في المكان، وبشفافية الظلال وتداخل الدرجات ونشع الألوان وتماهيها فيما تجاروها، فتتلاشي الحدود بين المساحات والألوان والأشخاص، مثلما تتداخل وتتماهى أصوات الآلات الموسيقية في لحن تتعدد فيه الأصوات في النغمة الواحة وفي نفس اللحظة فيصبح لها أصداء وظلال.

أما لوحاتها الزيتية للطبيعة الصامتة مستعينة بالزهور في أوائل التسعينيات، فكانت تواصل من خلالها تعبيرها التلقائي الحر، جاعلة من مؤثرات السطح وخطوطه المتشابكة وألوانه الصاخبة ألحانا غنائية شبابية صدَّاحة ببهجة الحياة، وتوافقات « هارمونية » تقوم على التقاطع والتركيب « البليفوني » المتشابك والمتصاعد، لكن دون حسابات رياضية، جاعلة من سكين الألوان – بعجائنه الكثيفة – قوسها المرهف والمتوتر على أوتار آلة الكمان، التي تستجيب لأدق الخلجات … هكذا يصبح بوسع الزهور أن تنشر أريجها العَطِر، وأن تخفف من الزحام الخانق في لوحاتها القديمة المكتظة بالناس والبيوت وهموم البشر، بألوانها البهيجة ولمساتها العفوية، وأن تتحرر من الخطوط السوداء وتداخلات الأشكال الهندسية المجردة، فوق ما تختزنه تلك الزهور من معاني إنسانية للحب والتواصل والوداد الانساني والإشراق الجمالي.

في هذه اللوحات، ومثل كل مراحلها، خاضت جاذبية معركتها الجمالية على سطح اللوحة، ضد الفراغ، شأن جميع الفنانين الشرقيين، فتحتوي هذا الفراغ في نسيجها« الأرابيكي » المتشابك، أو عبر نول سجَّادتها الفطرية دون أن تفقد نزق الطفولة أو جسارة الشباب وتمرُّده الدائم، أما ألوانها فظلت كشظايا قُزَحية متوهجة لا نعرف التلاشي أو الذويان، لتؤكد – إلى جانب الخطوط – عالما يقف عند حافة التجريد.

وفي التسعينيات أيضا تألفت لوحاتها المستوحاة من البحر أو من الصحراء، أو من زحام المدينة .. إنها تتجاوز ثنائية الموضوع والشكل، أو ثنائية اللغة والرمز، أو ثنائية الحسِّي والتخيلي، أو ثنائية المشخص والمجرد، إنها تتجاوز كل تلك الثنائيات إلى حالة من التوحد الصوفي مع الكون، والإدراك الحدسيّ المباغت للكائنات، ومن ثم يفقد كل من الموضوع والحكاية والمضمون أهميته، لتبقى روح الشعر، ومن ثم أيضا لا تصبح « اللغة الفنية » مشكلة، طالما لم تعد لغة « تصويرية » أو « تمثيلية »، بل صارت هي التجلِّي الإبداعي، وهي خلاصة كل الثنائيات سالفة الذكر، وقد انصهرت حتى صارت لحنا موسيقيا يتدفق غير محدود بزمان أو مكان، أو برسالة موجهة.

الألفية الثالثة

بين الألحان القديمة وشواطئ التجريد

في عام 2010 أقامت جاذبية سري بقاعة الزمالك واحدا من أهم معارفها، وكان يحمل رقم (70) في مسيرتها الممتدة، وكانت لوحاتها فيه ثمرة إنتاجها في العام السابق وحده، وهي على مشارف الخامسة والثمانين من عمرها، والمدهش أن أعمالها تلك كانت أكثر جرأة وتمردا وطزاجة من معارضها السابقة حتى في سن الشباب والنضج، في الوقت الذي كانت تتمتع بدفء المشاعر وبراءة الطفولة وجسارة الشباب في تحطيم الأنماط المستقرة حتى ما قامت هي ببنائه على امتداد مسيرتها، لتعيد بناءها بِخَلْق جديد يحمل روحها دون خصائصها القديمة، وإن استعادت بعضها برؤية فنية مختلفة، تراوح بين التجريد والتشخيص، وبين الشكل الهندسي والشكل العضوي، جاعلة من الألوان الناصعة القوية (وقد نقول الوحشية) طرف حوار مع الخطوط السوداء الغليظة أو النحيلة، ليكوِّن الطرفان طبقات صوتية متباينة الرنين، تعلو وتهبط فوق مسطح النسيج، فتشبه أحيانا عملية الشهيق والزفير في رئة معبأة بتيارات من الهواء الساخن والبارد معا، وهي تتماوج في حركة عارمة كأمواج البحر أو هبوب الرياح، ويبقى الإنسان وسط هذه الأنواء الصاخبة شبحا غامضا بغير تفاصيل، أو بقعة لونية تنصَب واقعة بأضلاع هندسية صارمة كصندوق مغلق على أسراره، وقد تحول من شبح الإنسان ذي جسم مادي إلى حالة رمزية للإنسان بشكل مطلق، وأصبح ما يميزه عن غيره من الآدميين في اللوحة أو بقية اللوحات، ليس غير مساحة اللون المسطحة التي تختلف من شخص إلى آخر.

أما البيوت التي استعادتها من مراحلها القديمة في هذا المعرض، فلم تعد تعبيرا عن زحام البيوت في المدينة، في حالة اكتظاظ عشوائي يمثل الفقر والقهر أو كان يمثل درع الحماية وحشن التماسك بين أبناء الشعب في مواجهة المتغيرات الاجتماعية الكاسحة، أو في مواجهة الهزيمة العسكرية الفادحة، بل أصبحت البيوت مربعات ومستطيلات معلقة في الفضاء بغير أرض ترتكز عليها، وقد تم تلوينها بشتى الألوان القوية البراقة دون أن تشي بوجود بشر يسكنون فيها أو ملامح معمارية تحدد هويتها .. لقد أصبحت بدورها خطوطا وأشكالاً ومساحات تجريدية مسطحة مثلها مثل الإنسان، وقد نجد إيماءات مجردة من أجواء البحر حينا ومن أصداء الصحراء حينا آخر، ومن أشباح الصروح الأثرية حينا ثالثا، فيحدث من خلال ذلك كله حوار مزدوج بين الألوان والخطوط والمساحات والكتل من ناحية، وبين مجموع هذه العناصر وبين الانسان المطلق من ناحية ثانية ..

أهي حالة الزهد والعُلُوّ فوق معترك الصراعات التي فجرت أعمالها القديمة، لترى بعين الطائر ما لم تكن تراه في غمرة انشغالها بهذه الصراعات؟ أم هي رؤية وجودية وليدة التأمل العميق للحياة ترى أن الشيء الوحيد الباقي بعد طول معاناة الحياة هو الصفاء الروحي وقيم الجمال المطلق بعيدا عن أية صراعات أو ماديات؟ وحتى لوضح هذا فإن هذه المعاناة والصراعات قد ولدت لنا على يد جاذبية سري في كل مراحل عمرها وإبداها عوالم لا تغنَى من الجمال حتى ولو كانت وليدة القبح والمكايدة .. مثلها مثل أعمالها في التسعينيات عن الصحراء وعن المناظر الطبيعية وعن الزهور، وعن كفاح الصيادين والمراكبية على شاطئ النيل، وقد حققت الفنانة فيها أعلى قيم الشكل الجمالي النقي دون استعلاء على وجود الانسان بعناصره المادية، بل ظل محورا أصيلا في شتى مراحلها وأعمالها.

وفي خلاصة سريعة لهذه المراحل الفنية أقول أن أعمالها نسيج متوتر مرتجل مع وعي عميق بالنظام الجمالي بداخله، لكنه نسيج لا يعرف التأنق أو التصميم المسبق أو النعومة الأنثوية التي تليق بامرأة مثلها، نسيج لا يكف عن الحركة والصخب، يحمل شحنة تفجير للشكل والمشاعر الانسانية معا، حتى ولو كانت لوحات للطبيعية الصامتة أو باقات الزهور، تلك التي جعلت منها جاذبية سري ألحانا شبابية صدَّاحة ببهجة الحياة، وتوافقات هارمونية تستهوي النفوس دون أن تسأل إذا كانت الزهور من الطبيعة الحقيقية أم رؤى تجريدية من خيال الفنانة، أم من فيصن مشاعرها التي أضناها الصراع فَهَفَتْ نفسها إلى عطر الورود!
وتلك هي روعة الفن!

* مقدمة ودراسة رئيس تحرير “ذاكرة الفنون” – نوفمبر 2021 – الهيئة المصرية العامة للكتاب

جريدة القاهرة