أخبار عاجلة

في رواية ” الأخدود”.. هل يعيد التاريخ نفسه؟.. قراءة نقدية

ينشر الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب، قراءة الناقدة والكاتبة منال رضوان، في رواية “الأخدود” لمحمد عبد العال الخطيب.

تقول منال رضوان في قراءتها:
هل بالفعل هناك ثمة مؤامرة تتعرض لها الأوطان؟ وهل التاريخ يمكن أن يعيد نفسه كما يقولون؟ وهل يمكن للأشياء الصغيرة أن تجمعنا، في حين أن أشياء كثيرة تفرقنا وإن بدت عظيمة وضاربة كالأخدود في عمق الزمن والتاريخ؟
جاءت إجابة تلك التساؤلات في رواية الأخدود، تأليف المستشار محمد عبد العال الخطيب والتي صدرت عن منصة واعية – وبحق – ونقصد بها دار نشر بتانة، والتي نحيي فيها إخراجها هذا العمل القيم إلى النور، والذي يجب الوقوف عنده بالتحليل لاستنباط عدة نقاط لافتة.
فمنذ مطالعة عدة صفحات في الرواية يتضح لنا أن كاتب السطور كان محملًا بقضية عميقة تتعلق بحق الوطن في الاستقرار وحفظ أمنه المائي من بعض محاولات قد تمثل خطرًا حقيقيًا، وفي علاقات متشابكة بين زمن القص وزمن الحكاية من حيث النظام وترتيب الأحداث على الخط الزمني حسب الاستدعاء وحتمية الظهور في الخط السردي وبين زمكانية تعد هي البطل الرئيسي رغم تعدد شخوص الرواية، ومع تسليمنا بإحكام العلاقة بين التشكيل السردي ورؤية وفلفسة المؤلف ووعيه بقضيته التي يريد الكتابة عنها نستطيع أن نقول إن عبد العال الخطيب قد نجح في ربط مجريات الأحداث والإشارة نحو مكمن الخطر بأسلوب اعتمد فيه الفصول القصيرة والجمل السريعة التي يعقبها التفسير وإيجاد الحجة هربًا من الإتكاء على رتابة الحاجز المكاني.. فعندما نجد الصباح يشرق في منزل رزانوف، بقرية فيشغراد نجد أصوات الديكة وصياحها يمنح المشهد الساكن حركة ويغلفه بالكثير من العفوية، لكنه وفي لمحة خاطفة ينتقل بنا إلى مكان آخر وزمن جديد، وهنا يتضح الأمر بصورة أكثر دقة فنجد أنفسنا في مكة المكرمة وقت حدوث واقعة حصار الكعبة عام ١٩٧٩ أو ما عرف بإدعاء أحدهم ظهور المهدي المنتظر.. وهنا يغلف الخطيب الأحداث الحقيقية ويربطها بالخيال القصصي من خلال عبد الله في تناغم شديد تتماهى فيه الحقيقة مع الخيال. ثم ما نلبث إلا ونجد أنفسنا أمام مشهد آخر لمصر القديمة وسط تماثيل إيزيس وأوزرويس بممفيس المصرية حيث الكاهن رمفيس يقف في باحة قصر عظيم …
ومن خلال شخصيات عدة تتحرك في إطار رواية تتشابه أحداثها حد التطابق مع مؤامرات يمكن أن تحيط بالوطن، وأزمنة متعددة وأماكن مليئة بالتفاصيل الموحية تستمر الأحداث، والتي عن وعي وإدراك إستطاع الخطيب أن يجعل – كما أسلفنا – من الزمكانية المحور الرئيسي للأحداث دون إغفال للشخوص، فباهر أو تاج أو عبد الله يتحركون أمامنا لكننا نستشعر أن المكان هو البطل الأول، وهذا ما نجح في توصيله الكاتب لترسيخ فكرته والتأكيد عليها، كما أن اختيار الأسماء له دلالة قوية فاختيار اسم تاج عندما نتكلم عن الصاري وقطعة القماش وآداء التحية وعبد الله عندما نجد أنفسنا في رحاب أرض مقدسة، كان اختيارًا موفقًا دالًا.
كما بدا اِستخدام الزمن كحيلة للسرد والانتقال بين ثلاثة أزمنة في كتابة أشبه بالومضات مناسبًا للغاية، فلم يحدث ثمة تشذر مخل يجعلنا نضطرب أو يؤدي بنا ذلك إلى ارتباك سردي، كما أن الرواية بها عدة صور وخرائط لأشخاص وأماكن تعزز من الفكرة، وإن كنت أتمنى وضعها في نهاية الأحداث لعدم قطع الخيال السردي لدى القارىء وإخراجه من معايشة الحكاية، لكن لعل الكاتب وهو صاحب قضية في المقام الأول أراد إيقاظ حاسة الانتباه لدينا بأن ما تخطه يده من أحداث هي نتاج دراسة لوثائق تقدر بالمئات، لتصبح روايته رغم الخيال السردي القوي بمثابة صرخة أن أفيقوا أثابكم الله فهناك الكثير يمكن أن نجتمع عليه ولا نتفرق، فتحية إلى المستشار محمد عبد العال الخطيب وتمنياتنا له بالمزيد من الإبداع الماتع.

جريدة القاهرة