أخبار عاجلة

ننشر قصة “هروب صغير” من مجموعة سمير الفيل “المعاطف الرمادية”

يعقد نادي أدب دمياط ندوة لمناقشة المجموعة القصصية “المعاطف الرمادية” للكاتب الكبير سمير الفيل، والصادرة عن دار غراب للنشر والتوزيع، وذلك في تمام الساعة السادسة مساء غد الاثنين 16 مايو 2022، بمقر نادي الأدب المؤقت باستاد دمياط.

ومن مجموعة ” المعاطف الرمادية” ننشر  قصة بعنوان “هروب صغير”.

هروب صغير

لم يصدق ما رآه . كان الفراش شاغرا، البيت صامت، لا حس ولا خبر، حتى صوت الطفل لم يسمعه ككل مرة قبل أن يضع مفتاحه في ثقب الباب. هل بلغت بها الجرأة أن تتحداه، وتجرسه بذلك الاختباء المريب؟
لم يجدها في بيت أهلها، ولا عند شقيقتها ” تفاحة” فتيقن أن الفأس قد وقع في الرأس، وأن المحنة ستقصم ظهره، وتجبره على أن يصبح ” نمرا” حقيقيا بعد أن عاش حياة ” القطط المستأنسة” .
لم يكن زواجه منها ناشئا عن قصة حب، ولا استلطاف، فشقيقتها تعمل في محل الحلوى المقابل لورشة النجارة . مرت ” تفاحة ” مع ” لوزة ” أمامه، فأعجب بها، بمشيتها الواثقة واعتزازها بنفسها . ككل الناس الطيبين دخل البيوت من أبوابها، فأرسل أمه التي يلقبها الناس ب” الغندورة ” لاهتمامها الزائد بحبك الملابس على جسمها، وجمال وجهها، وجاذيتها المفرطة، جست ونقبت فوجدت العروس مناسبة، فهي حاصلة على دبلوم تجارة، ولم تخرج للعمل فهي تشغل وقتها بأشغال الإبرة وتحيك الملابس من كرات الصوف الملونة خاصة للأطفال، هي آمنة مستقرة، يأتيها رزقها في بيت أبيها ولا الحاجة للغرباء.
أعدت أمها شوارها بمنتهى السرعة، فهي تضع القرش على القرش وتشتري السجاد والصيني والقطن والستائر وحلل الألمنيوم، ما عدا ستارة الصالة وسجادتها حسب الأعراف المتبعة في المدينة، فالعريس ـ الذكر ـ مسئول عنها .
دخل عليها ليلة الزفاف، فوجدها عذراء لم يمسسها بشر، وهذا أسعده فهناك عدد من أصحابه اقترنوا بنساء ثيبات ، وربنا أمر بالستر.
حياة اعتيادية مملة، يأتي البيت للغداء فيجد الطعام على السفرة في انتظاره، تفوح منه رائحة السمن البلدي، وهي تضع له أطباقا تناسب جهده وتعبه، تكتفي هي بالقليل الذي يقيم أودها . فلوزة عيناها ” مليانة” .
في المساء يأتي مرهقا، يتناول العشاء الخفيف، يتمدد على الكنبة ثم يروح في النوم، وشخيره يصل ميدان الكباس فيما تقع شقته في ” باب الحرس” .
حين جاء الولد فرحت، وفرح، صحيح أنها قللت من شغل الإبرة، لكنها ظلت محافظة على مصدر دخل إضافي. كان يرجع فيجد أطباق الكريستال مملوءة بالفاكهة، وقد حمد الله وشكره لأن زوجته غير مشاغبة، وليست من أصحاب النكد فهي تسير في ظله، ولا يعلو صوتها عليه مطلقا.
سعداوي يقول لزوجته لوزة : هل اشتري لك فستانا جديدا؟
تهز رأسها بالنفي. في مرة ثانية يسألها : هل تعطيني مقاس قدميك لأشتري لك حذاء لامعا ؟
ترفض ذلك، تقول إنها تسوّق ملابس التريكو، ومعها خير ربنا حتى إنها اشترت خاتما ذهبيا ـ على هيئة فراشة ـ من فائض المكسب .
الطفل الذي طلع ذكرا سمي ” سيف”، وهو اسم انتشر في السنوات الأخيرة انتشار النار في الهشيم. هي التي اقترحته، وقد وافق عليه بدون نزاع أو شقاق . وماله سيف. السيف مطلوب في الحروب، ومطلوب أيضا في السلم .
لوزة تخرج لتبيع شغلها وعلى يدها طفلها، تنتقل من محل إلى محل، لكنها في مرة تعرضت للإغماء، حين أفاقت وجدت نفسها جالسة على كرسي قطيفة، وهناك رجل لا تعرفه، يحرك مروحة من الورق المقوى بالقرب من وجهها، وإلى جواره صبي صغير، أدركت أنه يعمل بمكتب السمسرة حيث قرأت ما هو مكتوب على الباب الزجاجي .كان ” سيف ” في حجرها وقد أخذته سنة من نوم.
فزت لوزة من مكانها، شكرت الرجل، لم تخبر زوجها بما حدث، فقد يمنعها من الخروج مستقبلا، كان السمسار، صاحب صوت أجش، ورائحة السجائر عالقة بملابسه على العكس من زوجها سعداوي النمر الذي تخلو ملابسه من الرائحة ، لم تسأله عن اسمه. ماذا يعنيها إن كان زيدا أو عبيدا ؟!.
تنتهي من أعمال البيت وتخرج كل أسبوع مرة أو مرتين لتشتري خيوطا جديدة على هيئة كرات، وتصرّف إنتاجها البسيط لمحال تعرفها، فتدفع لها ما تطلب وربما ما يزيد عما طلبته إكراما لمهارتها .
مرت على المحل فرفع الرجل كفه كي يحييها، طلب منها التكرم بأن تشرفه بزيارته فقد تطلب شقة أوسع أو عشة في المصيف.
عرفت أن اسمه ياقوت، وعرف أن اسمها لوزة، ولم يسأل عن الصغير الذي تركته عند أمها هذه المرة . أرسل الصبي لإحضار كوب تمر هندي وقد شكرته على كرمه وضيافته.
يرجع سعداوي النمر من شغله فيسب النجارة، ومن اخترعها فهي تسبب تورم القدمين، ودوالي الساقين، وحنية الظهر . يقرر أن يغلق الورشة ليستريح؛ فالضرائب تخرب البيوت، والسوق يشهد كسادا مؤلما .
بدلا من الورشة هناك المقهى، و” سيف” كبر قليلا، وصار يحبو، وهي لديها وقت طويل تستغله في شغل الملابس الصوف للأطفال، وكعادتها تمر على السمسار، يضحك فتضحك معه، لا أحد يعرف الكلام الذي يدور بينهما، ولا كيف توثقت علاقاتهما فهو لا يبيع ولا يشتري ملابس الأطفال .
قال بركة زوج شقيقتها ” تفاحة ” : أختك تجلس عند سمسار . هل ستبيعون بيت العائلة ؟!
جرت ” تفاحة ” للأم وسألتها، وعرف الأب بالحكاية فسألها : ما الموضوع؟
جربت أن تبكي فلم تستطع . كان عقلها مشوشا لكنها صممت على رأيها : أطلب الطلاق.
حاولوا إقناعها بخطأ ما تنوي فعله غير أنها انهارت، وسقطت مغشيا عليها. تركوها وأخبروا زوجها أن لوزة عندهم لتعب ألم بها. والرجل قال لنفسه : تستريح أياما، وأنا أستريح.
لم يجرؤ أحد على مخاطبة سعداوي النمر بطلب الطلاق، لكنها قبل أن يخرج للمقهى، ككل صباح، سألته أن يبقى دقائق ثم فجرت قنبلتها التي كادت معها جدران الشقة أن تنهار : طلقني.
لم يستوعب الجملة التي نطقت بها، وحين طلب منها رفع صوتها ليسمع، كررتها بصوت أعلى، فصفعها مرتين بغاية القوة حتى إن الدم كاد ينبجس من صدغيها، وغادر الشقة ثائرا.
حكى لصديق بالمقهى عن الصدمة التي تعرض لها في الصباح فأخبره ـ بعد تردد ـ بشائعة مرور زوجته على السمسار في الذهاب والإياب .
انتزع سكينا من المقهى وتوجه إلى غريمه ياقوت كي يقتله لكنه لم يجده، كأنه فص ملح وذاب.
في وقت رجوعه بالضبط صعد بيته، متثاقلا، وهو ينوي ضربها بوحشية وانتزاع الطفل منها، ثم طردها بقميص النوم . وجد البيت كما تركه في الصباح . لم تكن موجودة، ولم يكن سيف يبكي .

 

جريدة القاهرة