أخبار عاجلة

فنجان قهوة مُر.. قصة آية الله الجافي من مجموعة “ابتسامتي والناب الأزرق”

ينشر الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب “المعرض” واحدة من القصص التي تضمها مجموعة “ابتسامتي والناب الأزرق” للكاتبة والقاصة آية الله الجافي، والصادرة عن دار حابي للنشر والتوزيع.
القصة أهدتها الكاتبة الشابة لجمهور “المعرض” مؤكدة بدايتها مشروع جديد، رواية من المتوقع أن تكون حاضرة بين أيادي جمهور معرض القاهرة الدولي للكتاب يناير المقبل.
آية الله الجافي؛ كاتبة شابة ومحررة صحفية، تعد مجموعتها “ابتسامتي والناب الأزرق” أول أعمالها، وجاء في سطور قصتها “فنجان قهوة مر”:

كان اللون “الموف” يحيطنا من كل جانب، ورائحة البخور تملأ أرواحنا بنوع من الاطمئنان المزيف، نلتف نحن الثلاثة حول المرأة الأربعينية صاحبة الملامح العشوائية والملابس المُهلهلة، تطهو لنا القهوة حتى ننتهي سريعًا من شربها، لتقرأ لكل واحدة منا ماذا يقول فنجانها.  نضحك سويًا عندما تقرأ أحداثًا خرافية، ونخاف حينًا أخر عندما توصف ما حدث لنا بدقة،  نستعجل القراءة الخاصة بالحب لننتهز الفرصة للحديث الطويل حول مشاعر العشق والأحلام.

تلح المرأة الأربعينية بعد انتهاء قراءة الفناجين، أن نقرأ لها ماذا يقول فنجانها عن الحب،  فنقسم لها أننا لا نعرف قراءة الفنجان.

نسمعها تتمتم بحديث غير مفهوم لم نستوعب منه سوى “ليه كده يا بنات مبعرفش أقرا الفنجان لنفسي، عايزة أعرف هنرجع لبعض ولا لا؟” ! .

لنضحك جميعا بصوت عالي،  ونختتم جلسة الفنجان برقصات طويلة متنوعة لنلهو وننسى ما فعله بنا القلب.

***

(1)     داخل الساونا

دفعتني “زمردة” بقوة داخل غرفة الساونا عندما رنت احدى المشتركات على زر الجرس الخاص بـ “الجيم”.. كنتُ أشتاق إليها كثيرًا؛ حتى قررت أن أبدأ صباحي بالنظر إلى عينيها الواسعتين قبل ذهابي للعمل..كانت الساعة الثامنة صباحًا، وهو التوقيت التي تقوم فيه “زمردة” بفتح “الجيم” المملوك لأمي.. هي فتاة في منتصف العشرينات، تخرجت من كلية الخدمة الإجتماعية. ولم تجد وظيفة تتناسب مع شهادتها حتى وجدت وظيفة استقبال الُمشتركات في إحدى سلاسل “الصالات الرياضية” الخاصة بالنساء، والمملوكة لعائلتي.

كانت غرفة الساونا دافئة بها روائح متداخلة من العرق والعطور.. وضعت “زمردة” أمام باب الساونا الزجاجي “بروفة متنقلة” صُنعت من الخوص حتى لا يكتشف أحد وجودي.. ضحكتُ بصوت مكتوم متخيًلا دخول إحدى السيدات دون ملابسها لتجدني أمامها. ثم جاء في عقلي سيناريو آخر أشعرني بالخوف، وهو أن يخطأ أحدهم بالضغط على زر تشغيل غرفة الساونا لأموت مُختنقًا في الداخل..

لم أجد في تلك الغرفة الصغيرة سوى شرودي وأفكاري المُشتتة.. أنا لا أعرف حتى الآن أين هي حياتي؟! كيف لشاب مثلي أقترب من الثلاثين لم يأخذ قرارًا واحدًا خاصًا به.. ولادتي ضمن أفراد أسرة غنية مُتحكمة جعلت الحياة كالسجن داخل أسوار ذهبية، يحسدني من هم بخارج تلك الأسوار رغم حريتهم. فكيف يتمنون أن يعيشون مثلي؟ .. كنتُ طفل مثالي. هادىء.. يُكتم صوت صراخي دائمًا لأصمت وأتقبل ما فُرض عليّ. تُقطع صداقتي مع من تراه أمي غير صالح للإقتراب مني. حصلتُ على بكالوريوس في ريادة الأعمال حتى أستطيع استكمال مسيرة أبي في شتى المشاريع. ودُفنت موهبتي في عزف الموسيقى للأبد.  تزوجت في سن صغير من فتاة أجهلها ولا يربطني بها شئ سوى عقد زواج أرادته عائلتي.حتى وجدت نفسي أب لطفل أجهله أيضًا.

طلبت أمي ذات يوم أن أمر عليها في الجيم الصغير القريب من مسكننا في أحد الأحياء الراقية بأكتوبر، كانت تريد بعض الأوراق ومبلغ مالي. أعطيتها ما تريد دون أن أدخل لخصوصية الجيم الخاص بالسيدات. لم يكن يحتوي كباقي سلسلة “MG ” على مكتب خاص، لصغر حجمه، كانت صالة الإستقبال مفتوحة على قاعة التمرين، وفي ركن آخر توجد غرفة الساونا والبخار.  عند عودتي للمنزل سمعت صوت بكاء في ركن مخفي خارج الجيم. كانت “زمردة” تبكي كأن أحدًا أصابها بسكين. تبكي دون توقف. أمسكت يدها برفق.. وقلتُ:

–                  إنتي قاعدة كدة ليه؟ وبتعيطي ليه؟.

سحبت يدها بقوة ولم ترد.

–                  إنتي بتشتغلي في الجيم طيب ولا بتعملي ايه هنا؟  أنا أنس ابن مدام ليلي.. قوليلي مالك يمكن أقدر اساعدك.

زادت دموعها ولم ترد. ثم نهضت فجأة ورحلت أمامي دون أن تنظر إليّ.. كانت فتاة جميلة ملامحها هادئة. وجسدها ممشوق كعارضات الأزياء. ترتدي بنطالًا جينز وبلوفر يقترب لونه من الأصفر الفاتح. وتضع فوق رأسها “إيشارب” يكشف عن نصف شعرها. وجدتُ نفسي دون وعي أهرول خلفها. شعرت بوجودي وقالت بعنف:

–                  أنت عايز ايه؟

فقلتُ بحدة مصتنعة :

–         عايز أعرف مالك؟

سحبتها من يدها بهدوء، وهي مستسلمة لي. ركبنا السيارة وظللنا صامتين حتى وصلنا إلى “كافيه” قريب أحبه يُسمى”جارة القمر”، جلسنا في ركن هادئ. طلبتُ قهوة . وطلبت هي عصير ليمون بالنعناع. حتى عدتُ سؤالي بهدوء:

–                  احكيلي مالك.

كانت عيناها واسعتين دافئتين بهما كل ما افتقده  من الحب. الأمل والقوة.. فبالرغم من دموعها كانت قوية. ثائرة كالبركان. قالت فجأة:

–                  مدام ليلي بتطلب مني حاجات أعملها مش اختصاصي. حاجات بتحسسني بالإهانة.

–                  بتطلب منك إيه؟ وانتي بتشتغلى إيه اصلا في الجيم؟

–                  أنا موظفة استقبال دوري إني استقبل العملاء بس وأفهم محتاجين إيه؟. ولو موظفين السيلز مشغولين ممكن أقولهم عروض الجيم بس مش أكثر.

–                  وإيه بقا اللي بيطلب منك تاني.

دمعت عينيها. وقالت:

–                  أنا على فكرة خريجة جامعة. واضطرتني الظروف اشتغل في الجيم مش أكتر.. مدام ليلى طلبت مني النهاردة إني أنضف الجيم لو دادة منال مجاتش.. وإني أتعلم أعمل مساج للعملاء لو “نيرمين” مجاتش وإني …..

قاطعتها بغضب وقلتُ:

–         متعمليش أي حاجة انتي مش عايزاها.. حددي مهامك بصورة واضحة. ولو شروطك اترفضت هوفرلك شغل تاني.

ابتسمت فجأة. فاختلفت الحياة من حولي كثيرًا.. شعرتُ أنني أريد سحبها من يديها لأريها بيتي الذي أسسته دون علم أحد. الآثاث الذي اخترته بذوقي. الحديقة التي زرعت بها الورد البلدي والفل والنعناع. الأرجوحة التي ُصنعت لشخصين. لم أعرف وقتها من الشخص الذي سيجلس معي. ولكني كنتُ على يقين أنها لن تكون زوجتي بأي حال.

تحدثنا كثيرًا دون توقف عن الضحك. حكت لي عن حياتها وطموحها. كان طموحها يقترب من السماء السابعة. كنتُ اسمعها بكافة خلايا جسدي.. علقت زمردة بقلبي. أريد أن أراها يوميًا أن أتذوق حديثها وشفتيها. أن أهمس عشقًا بأذنها. وأن تشاركني الجلوس على الأرجوحة!.

أنا الآن عالق في الساونا. أكاد أختنق. ولكنني قررت بمجرد خروجي من تلك الغرفة- التي أصبحت كالمقبرة – أن تكون زمردة أول اختياراتي الحرة في الحياة.

***

(2)     خارج الساونا

تكومتُ أرتجف من التوتر على أحد المقاعد الجلدية أمام مكتب الاستقبال. بعدما فتحتُ باب الجيم وجدتُ تلك المُشتركة صاحبة الأطوار الغريبة. تأتي دائمًا في وقت مبكر أو متأخر حتى تستمتع وحدها باستخدام الأجهزة الرياضية. ما جعلني أشعر بالقليل من الهدوء أنها لا تحب استخدام الساونا. طلبت مني أن أغلق صوت الأغاني الأجنبية حتى تُشغل أغانيها التسعينية المُفضلة. لا استطيع حتى الآن تقييم عمرها. كانت ملامحها تائهة لا تجعلني أعرف هل تنتمي لجيل العشرينات أم أنها تقترب من الأربعين؟!

كنتُ أحاول تشتيت ذهني في التركيز معها. حركات جسدها المُتيبسة. صوتها الردئ وهي تردد الأغاني. صراخها المفاجئ:” زمردة عليي التكييف”؟. كنتُ خائفة أن تأتي مدام ليلى فتجد أبنها يختنق داخل الساونا.. أو أن تتلاحق المُشتركات لتتفاجأ أحداهن وهي شبه عارية بوجود رجل يشاركها الغرفة الصغيرة. أرسلتُ له رسالة على ” الواتس آب”:

–                  أنت كويس يا أنس؟

–                  آه كويس.. هي إللي عندك دي هتمشي امتى.

–                  مش عارفة.. بس خايفة حد تاني ييجي قبل ما تمشي.

–                  أنا مش همشي من غيرك.

–                  يعني إيه؟

–                  كلمي حد من اللى شغالين معاكي يستلم الشغل منك. واعتبري نفسك من النهاردة مُستقيلة.

–                  مش فاهمة؟!

–                  يا حبيبتي لما أخرج هفهمك بس أرجوكي خلصيني من الخنقة دي.. حاولي تمشي اللي عندك بأي حجة.

سألتُ نفسي بصوت هامس: هل أحببته بتلك السرعة؟ لماذا يأتي اليوم؟! وكيف يشعر داخل غرفة السونا المُظلمة  التي لا يوجد بها منفذ للهواء؟.. ولماذا؟..  لماذا  أشعر بكل تلك السعادة منذ شممتُ رائحة عطره؟ّ..هل يحبني حقًا أم أنه تعلق بي لأنني الشخص الوحيد الذي جعله يُعلن تمرده مُعلنا عن نفسه؟..

حدثتُ “هويدا” في الهاتف لتستلم مني “الشيفت”.. قلتُ لها أنني مريضة و أكاد أموت بنزلة برد مفاجئة. تقبلت أعذاري سريًعا ووعدتني أنها ستكون أمامي قبل مرور ساعة.

أحببتُ جلسات المرح السرية مع “هويدا” و”نيرمين”، رفيقاتي في العمل بـ “الجيم” ، أستمع  دائمًا بشغف لقصة حب “نيرمين” الأسطورية التي جعلتها تُقبل على الإنتحار يومًا عندما رفض أهلها الزواج من حبيبها. أتمنى ألا يخذلها الحب وأن تُكمل قصتها في بيت دافئ يليق بقلبها.. وتتسع عيني من الإثارة وأنا استمع لحادث اكتشاف هويدا خيانة زوجها للمرة الرابعة أو الخامسة والانقضاض عليه هو وعشيقته.. ليقاطع حديثنا فجأة صوت المرأة الأربعينية “دادة منال” ممسكة بالفناجين وماكينة صنع القهوة المملوكة لمدام “ليلى”. غالبًا ما تكون جلستنا في المساء قبل إغلاق الجيم بساعة تقريبًا؛ حتى لا تُقاطع احدى المشتركات فقرة قراءة الفنجان وما تليها من موجات رقصاتنا المجنونة.

انتبهت على صوت المُشتركة الغريبة وهي تقول بصوت عالي:” أنا ماشية.. باي يا زمردة”.. لم أرد عليها. اغلقت باب الجيم خلفها بالمفتاح، ودخلتُ مسرعة نحو غرفة الساونا التي قضى فيها أنس ما يزيد عن الساعة وربع.. لم ننتظر مجئ هويدا. خرجنا مُسرعين حتى أغلقت باب الجيم بإحكام ووضعت المفتاح تحت السجادة الصغيرة التي توضع أمام الباب وتركتُ رسالة لهويدا على “الواتس آب ” أخبرها برحيلي وبمكان المفتاح.

عندما انطلقت بنا السيارة. غرقتُ في نوبة ضحك هستيرية حتى ضحك أنس بصوتُ مسموع وأمسك يدي الباردة ليُقبلها قائلا:

–                  أنا آسف. عارف إنك أتوترتي.

–                  أنا كنت هموت من الخوف. الحمد لله أن محدش تاني جه. أنت جيت ليه يا أنس؟!

–                  حبيت أشوف ملامحك وعنيكي قبل ما أروح الشغل.

–                  ………..

–                  انتي حاسة يا زمردة باللي حاسه ولا لأ؟.

شردتُ بذهني بعيدًا عن عينيه، وقلت:

–                  أيوه حاسة بيك.. بس أنا خايفة.. تفتكر هينفع؟

–                  ومينفعش ليه؟ لو انتي عندك نفس الشعور ليا يبقا هينفع.

–                  طيب انت بتفكر فيا إزاي؟!

لم يرد أنس على سؤالي. أمسك يدي مرة ثانية لتستقر في يده. ثم فتح أغنية في السيارة لينطلق صوت حزين لا يُعبر عن الموقف الذي نعيشه:

“ياشايل هم مش همك وحاكي لكل خلق الله
ياناسي في الوجع نفسك وزاهد عشق مابتلقاه
طريقك كان لقا وفراق عتابك شال كتير عنك
بتهوى الصبر عالأيام وتنسى في الهموم نفسك
محدش باقي هيحاسبك
وحدي لكن خوفى ساكن جوا روحي مبينتهيش
قولتي همشي قولت هبقى وحدي من بعدك تعيس”.

وقف فجأة بالسيارة أمام محل شهير لبيع فساتين الزفاف الفخمة. نظرتُ إليه في تعجب وأنا أبتسم، فقال وهو يشاور على أحد الفساتين. ردًا على سؤالي:

–                  بفكر فيكي كده.

لم أفكر كثيرًا حتى ارتميت بين ذراعيه. احتضنته بخجل لأعبر له عن مدى سعادتي حتى شعرت بألم خفيف أسفل صدري. ذلك الألم ذكرني بصوت ” دادة منال” الفزّع. وهي تقرأ لي آخر فنجان في جلستنا السرية:” في توب أبيض في فنجانك يا زمردة. التوب شبه فستان العروسة. منفوش وفي لؤلؤ بينور. بس التوب متلوث بلون غامق شبه الدم. وفي حاجة جنبه شبه السكينة أو الخنجر”. حاولت وقتها أن أطمئن “دادة منال” وأزيل عنها الخوف الذي ملأ عينيها وهي تقرأ.. وأنا أردد” احنا بنتسلى لكن مبنصدقش الفنجان”.. ابتعدتُ عن أنس قليلا إلا أنه لم يُفلتني. احتضنني هو تلك المرة ولكن بعنف شعرتُ معه وكأن سكين صغير يخترق أحشائي..

كنت أفكر وأنا أذوب بين ذراعيه ” هل أترك السكين ينغمس بجميع أجزاء جسدي؟!  أم أنزعه وأهرب سريعًا ؟.

جريدة القاهرة