أخبار عاجلة

بعد ترشح «ماكيت القاهرة» للبوكر.. طارق إمام: أنا ابنُ ألف ليلة وليلة

أحاول اكتشاف العالم بـ«القتل».. والنقد كالإبداع كلاهما يحتاج للخيال

القراء شركاء فى إعادة إنتاج النص.. ومتعة النص الأدبى تنبع من التورط فيه

فى يناير 2011 رأيتُ القاهرة ترتجف.. خفتُ عليها وقد عشتُ أخاف منها

القراءة ليست نشاطًا يهدف للاسترخاء أو يمهد للنوم.. بل فعلًا إبداعيًا

الثقافة العربية «ترتعد» من التجريب.. لأن التغيير قد يطيح بكل مقدس

أنا من جيلٍ لم يمارس العمل السياسى.. على عكس سابقه كان أغلبهم أعضاء فى تنظيمات

 

حاوره –  محمد عبدالرحمن

كاتب يغرد خارج السرب، يصنع طريقه الخاص، وغوايته خوض بحور التجريب. لا يعترف بالهوية الإبداعية الثابتة، ويتحرك بسلاسة بين الأنواع الأدبية المختلفة «القصة، الرواية، النقد الأدبى». بدأ فى سن صغيرة، حتى حجز مكانه وسط الكبار، إنه الكاتب المتميز  طارق إمام.

تواجد طارق إمام، مؤخرًا، فى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر»، عن روايته الأخيرة «ماكيت القاهرة» التى صدرت عن منشورات المتوسط، وأصبح على بعد خطوات من إضافة جائزة أخرى مهمة فى مسيرته الأدبية، وذلك بعدما حصل على جائزة الدولة التشجيعية، وجائزة سعاد الصباح للإبداع العربى، وجائزة ساويرس،  وجائزة متحف الكلمة الإسبانية، وغير ذلك من الجوائز، وهذا الفوز المحتمل  سيمنح الجائزة طاقة حياة جديدة إذا ما انحازت إلى التجريب الفنى الذى يعتنقه طارق إمام.

صاحب «ماكيت القاهرة» روائى ومثقف ولديه وعى، ويمكن القول: إن هناك حالة ثقافية مثيرة للدهشة تصاحب أعماله الأدبية، فينظر إليه عدد كبير من النقاد على أنه الأكثر جنوحًا للتجريب عبر أعماله، وفى هذه الحوار يتحدث طارق إمام عن التجريب وثيمة القتل فى أعماله، وعن المعارضة بوصفها محاولة لإعادة تدوير للخيال الروائى وليس اقتباسًا، وإلى نص الحوار.

هل يمكن القول صراحة إن رواية «ماكيت القاهرة» قدمت ماضى ثورة 25 يناير وحاضرها ومستقبلها؟

ما أستطيع قوله: إننى حاولت ذلك. أردتُ فى «ماكيت القاهرة» أن أقارب انعكاسات ثورة يناير على أزمنة القاهرة، كأنها تنعكس على مرايا متقابلة، مرايا مختلفة، مستوية ومقعرة ومحدبة، تنتج صورًا متراوحة، بين الحجم الطبيعى والتصغير والتكبير، لتكشف كلٌ منها وجهاً للمدينة والإنسان المتورط فى سيرتها. 

 أنتج هذا التصور، أو دعنى أقول هذه الرغبة، طريقة تكوُّن الحدث الروائى، موزعاً على أربعة أزمنة: 2011 عام ثورة يناير، 2020 حيث الحاضر، 2045 فى المستقبل، فضلاً عن زمن مستقبلى أبعد غير محدد.

التجوُّل بين الأزمنة لقراءة مكان واحد بشكل «رباعى الأبعاد» كان جزءًا من مغامرتى وطموحى فى كتابة «ماكيت القاهرة». كنت أريد أن أكتب رواية «مجسمة» بالمعنى الحرفى، تقرأها كأنك تتجول فى مدينةٍ افتراضية لكنها توهمك طوال الوقت بأنها مدينة واقعية.

 الأزمنة فى الرواية جميعها دالة ومهمة فى سياق القاهرة، من عام الثورة المصرية وما أحدثته من تغيير مهول على مستوى الأشخاص، وعلى مستوى هوية المدينة التى هى فى النهاية تمثيل لمصر، وعلى مستوى النظر لفكرة المقاومة والمشاركة السياسية، وهى الأفكار التى ظل جيلى بعيدًا عنها، حيث إننا، وبخلاف الأجيال الأسبق من المثقفين، لم نمارس العمل السياسى إلى جوار العمل الفنى، وأغلبنا لم يكن عضوًا فى حزب أو تنظيم مثلاً، خاصةً وأننا جئنا فى لحظة كانت الحياة السياسية فيها قد فُرغت تمامًا.

كذلك هناك سؤال علاقة ثورة يناير بالفن نفسه، بدوره وفاعليته، وبتصدر فنون بعينها للصدارة مثل الجرافيتي. هناك عام 2020، عام وباء كورونا، الذى يمكن ترجمته بوضوح لسؤال عزلة الفرد وخوفه من مصير مجهول وطوفانى، وهو أيضاً عام شهد قطع خطوات بعيدة فى تجسيد ملامح «العاصمة الجديدة» كواقع ملموس بعد أن ظلت طويلاً محض فكرة هلامية على الورق.

وهنا يجيء سؤال عن مصير القاهرة كمدينة مهولة تختصر بلدًا كاملًا، وربما تختصر الوجود نفسه لدى قاطنيها، وهى تتراجع خطوة للخلف لتصبح محض ظل لمدينة شابة ستحصل على مكانها. هناك المستقبل، وأسئلته، كامتداد للماضى والحاضر. التجول بين الأزمنة هو صورة للتجول فى طبقات مدينةٍ لا تكف عن التساؤل حول عن هويتها، وفى القلب منها أفراد يعملون بالفن تحديداً وهم يتساءلون فى كل لحظة عن دورهم ومغزى وجودهم ومدى قدرتهم على الفعل والتغيير، فى مدينةٍ لا تكف عن مطاردتهم وإدانتهم. لذلك فماكيت القاهرة هى فى جوهرها أيضًا رواية عن الفن وقد أصبح موضوعاً للفن.

هل يخشى طارق إمام على مدينة القاهرة ويسعى للحفاظ عليها بكتابة الرواية؟

حين يقترب الفن من المكان، فإنه يحوِّله إلى نص، إلى فضاء للتلقى محكوم بشيئين جوهريين: بنية، ووجهة نظر. كل النصوص تفعل ذلك على اختلاف وسائطها، سواء كان هذا النص صورة فوتوغرافية أو فيلمًا سينمائيًا أو لوحة أو رواية. الفن إحدى الطرق للحفاظ على بقاء المكان حتى بعد اندثاره، لكنه، بخلاف التدوين التأريخى، لا يزعم أنه يقول الحقيقة الكلية. الواقع سائل والحاضر سريع زوال، ولا سبيل للإبقاء على الذكرى سوى فى أثر مادى، لا وجود لأى شاهد فى التاريخ على ما رأى، الجميع يموتون، فقط تتبقى النصوص، ولذلك فذاكرة الإنسانية هى ذاكرة نصوصها. نحن نعتقد أننا نناقش التاريخ لكننا فى الحقيقة لا نرث سوى مدوَّناته، التى تُعبِّر فى النهاية عن وجهات نظر متراوحة.

مع قيام ثورة يناير، رأيت قاهرة لم أرها من قبل: رأيتُ مدينةً ترتجف. ربما كانت هذه المرة الأولى التى تصبح فيه المدينة التى أخشاها مدينة أخشى عليها، مع سيل أسئلة بلا حصر عن المستقبل: ماذا لو محيت القاهرة مثلاً؟ ماذا لو فقدت قدراً من هوية أمكنتها التاريخية، وعلى رأسها المتحف المصرى، ذاكرة التاريخ المصرى كله؟ وكيف ستصبح القاهرة بعد الديكتاتور، خاصة وأن القاهرة نفسها ديكتاتور يستأثر لنفسه بكل شىء تاركاً تحت قدميه حفنة مدنٍ قزمة تكمل ديكور الدولة؟ حكم الإخوان المسلمين عمَّق السؤال عن مستقبل المدينة التى لم تُدر ظهرها يوماً للحياة وباتت فجأةً مهددةً بأن تكون خيمة للرجعية، فاقدةً هويتها بالكامل. الرواية تتساءل عن القاهرة انطلاقًا من قلبها: هل يمكن أن نستيقظ ذات يوم لنجد «وسط بلد» آخر لا نعرفه بعد تفكيك وبيع أبنيته، وربما هدمها من أجل صروحٍ جديدة ينهض بها من دفعوا الثمن؟ هذه الأسئلة لا تغادرنى، وأعتقد أنها مُلحَّة داخل الرواية.

ألم يخش طارق إمام أن يرتبك القارئ بعض الشيء بسبب التداخل فى بعض أحداث الرواية؟

حين أكتب لا أنشغل إلا بما تقتضيه بنية العمل ليخرج على الصورة التى أراها الأنسب لتحققه. تصورى للقارئ يتأسس على فكرة أنه شريك حقيقى، ليس فقط فى تلقى النص بل وفى إعادة إنتاجه وتكوينه، وأظن أن «الانتباه» لازم فى قراءة الأدب، فمتعة النص الأدبى نابعة من التورط فيه، لا من استقباله كإملاء. القراءة ليست فى كل الأحوال نشاطاً يهدف إلى الاسترخاء أو يمهد للنوم أو يشغل طريق سفر، وأن تكون شريكًا فى نص، هى متعة أيضاً. وما حدث على الأرض ربما يؤكد صدق تصوُّرى، فقد نجحت «ماكيت القاهرة»على مستوى ما ندعوه بالقارئ العادى، نجاحاً غير متوقع، وتصدرت قوائم الأعلى مبيعاً، ووجد فيها الكثير من شباب القراء ما يمتعهم.

كتبت «ماكيت القاهرة» فى عشر سنوات، وحذفتها أكثر من مرة قبل صدورها العام الماضي.. هل لديك أعمال أخرى معطلة بسبب نفس الفكرة؟

نعم، روايتى عن الشاعر السكندرى الإيطالى جوزيب أونجاريتى تمر بحالةٍ شبيهة، فقد بدأتُ التخطيط لها سنة 2012 فور صدور روايتى «الحياة الثانية لقسطنطين كفافيس»، بل وحصلت على منحة كتابة عربية لإتمامها، والتزمتُ بموعد للتسليم، ولم أفعل. 

أستطيع أن أقول: إن كتابة الرواية بالنسبة لى موزعة بين نهجين: هناك روايات ما إن أبدأ فيها حتى لا أتوقف إلا بإتمامها، وهناك روايات أخرى «تعيش معي» إن جاز التعبير، تقطع مسافات طويلة فى الزمن حتى تكتمل، «ماكيت القاهرة» و«أونجاريتى» تنتميان للنوع الثانى، ومعهما «هدوء القتلة» التى كتبت فى خمس سنوات من 2002 إلى 2007 رغم أنها رواية قصيرة.

روايتك السابقة «طعم النوم» مبنية على معارضة أدبية لروايتى «الجميلات النائمات»لكاواباتا و«ذكريات عاهراتى الحزينات» لماركيز.. كيف ترى المعارضة كإعادة توظيف للبناء الروائى؟

«طعم النوم» معارضة روائية، وهو نمط من الكتابة يستند لنصوص سابقة كى يُنتج تصورًا جديدًا ومغايرًا، على المستويين الجمالى والمفاهيمي. المعارضة ليست محاكاة، أو تقليد، وليست نوعًا من التأثر بعمل ما أو اقتباساً. المعارضة أعرِّفها بأنها «إعادة تدوير للخيال»، حيث تأتى بمادة صارت جاهزة، لتعيد تشكيلها وفق رؤية جديدة تجعل نصك فى النهاية مستقلاً ولا يشترط حتى إلمام القارئ بالنصوص السابقة.

فى المعارضة يصبح النص الأدبى السابق «مرجعية» للنص الأدبى الحالى، فيتحول النص إلى واقع يُعاد تشكيله. النصوص تعيد كتابة بعضها أيضاً والكتابة يمكن أن تنبع من الكتابة نفسها، لكن هذه الطريقة لا تزال «مُقلقة» عربياً كون الثقافة العربية للأسف ثقافة مرتعدة، إذ تهيمن عليها مفردة «النقاء» طوال الوقت، رغم أن لا مكان لهذه المفردة حتى فى أعتى نصوص التراث الملوثة بثقافات الآخرين. نحن نخشى التهجين، لأنه يخلخل الهويات الثابتة، ونحن ثقافة يرى حراسها فى الثبوت نجاتها الوحيدة، بعدم مغادرة أصوليتها، سواء كانت أدبية أو دينية أو لغوية (والثلاثة واحد)، لأن التغيير قد يطيح بكل مقدس، من اللغة إلى السلطة. 

تلوح فكرة القتل فى أغلب أعمالك الإبداعية.. ما سبب ولعك بتوظيف هذه «الثيمة» مرة بعد أخرى وبأشكالٍ مختلفة؟

المسألة لها أكثر من شق. القتل هو الشكل الأكثر راديكالية للقرار الإنسانى بالخلاص، سواء من الذات أو من الآخر. ماذا أفدح من أن تقرر إزهاق روح؟ والأدهى أنك تعرف حتماً أن مصيرك هو الموت. هذه الفكرة «منجم» لأفكار القرار والمصير، وقد وظفتها أكثر من مرة بأكثر من سياق، فالقاتل فى «هدوء القتلة» متسلسل، وهو شاعر يبغى خلاص العالم نفسه، القاتلة فى «طعم النوم» هى شهرزاد، التى تحكى هذه المرة للرجال لا لكى تنجو، بل لكى تُفنيهم، أما القاتل فى «ماكيت القاهرة» فهو الطفل، الذى يكفى أن يشهر سبابته ليردى أباه قتيلاً. ما بين القتل كعقيدة، والقتل كانتقام، والقتل كخطأ غير مقصود، يتحرك عدد من شخصياتى لاكتشاف العالم عبر الدم. على جانب آخر، أهوى اللعب مع تيمات رواية الجريمة والرواية البوليسية لكن وفق سياق مختلف بعيداً عن أغراض الأدب الشعبى أو التجارى، وأعتقد أن توظيف هذه التيمات من أجل مناقشة أفكار وجودية أو فلسفية، يمنح النص نوعاً من الحيوية ويجعلنى شخصياً شغوفاً بما أكتب، ومنتظراً ما قد يحدث، كأننى أكتب من مقعد القارئ. 

قلت من قبل إنك متأثر بثلاث مدن: «القاهرة، الإسكندرية، دمنهور».. كيف تؤثر المدن فى عوالم طارق إمام؟

عمرى مقسوم على وجه التقريب بين الإقامة فى دمنهور والقاهرة، والإسكندرية كانت دائماً مدينة التخوم التى لم أعش فيها لكنها أيضاً جزء من تكوينى المبكر. القاهرة حاضرة فى روايتين، والإسكندرية فى مثلهما، فضلاً عن العديد من المدن التى اخترعتها فى الأدب، وتحمل سمات من المدن التى أعرفها بالتجربة وتلك التى أعرفها بالمخيلة، وعزائى أن كل شخص، فى نهاية المطاف، يعيش فى مدينةٍ من صنعه. المدينة جوهرية فى كتابتى، فهى تمثيل لتعقيد الوجود وهى أيضًا المرآة التى يطالع الفرد فيها سؤال ماهيته بشكلٍ لحظى.

مثل سؤال الفرد بالمدينة هاجساً ملحاً فى أغلب أعمالي. هو بالتأكيد نابع من قلقى الوجودى أولاً فى علاقتى بفكرة المكان، لا سيما المدينة بكل تعقيدها، والتى هى تمثيل للوجود كله. أفكر الآن أن كلمة «مدينة» ظهرت صراحةً فى عنوانين لي. جميع نصوصى تُقلِّب هذا السؤال على وجوهه، قد يختلف الفرد/ بطلى الروائى، سناً وطبقة وثقافة ومهنة ونوعاً بين عملٍ وآخر، قد يتراوح اقتراباً وابتعادًا منى أنا شخصياً، قد يختلف الزمن من التاريخ للحاضر للمستقبل، قد تختلف المدينة من القاهرة فى «هدوء القتلة» و«ماكيت القاهرة» إلى الإسكندرية فى «الحياة الثانية لقسطنطين كفافيس» و«طعم النوم»، إلى مدن مخترعة مثل «جبل الكحل» فى «ضريح أبى» أو «مدينة الحوائط اللانهائية» فى الكتاب الذى يحمل نفس العنوان، إلى مدنٍ غير مسماة كما فى «الأرملة تكتب الخطابات سراً» و«شريعة القطة» فضلاً عن كل نصوصى القصصية التى لا أسمى مدنها.

جميع المدن فى الفن تغدو متخيلة، وجميعها تملك القدرة المذهلة رغم ذلك على تعميق مدن الواقع بتكثيف مقولاتها وآفاقها الرئيسية ومنح تعقيداتها بنية وتجسيدها كخطاب. أنا إذن أتحرك بين أنماط مختلفة للمدينة، بين مدن موجودة فى الواقع، وأخرى مشيدة بالكامل فى الخيال، بين مدن مسماة وأخرى بلا أسماء، لكن بكل تأكيد كل هذه المدن تحيل لسؤال كبير بالنسبة لى هو علاقة الفرد بذلك المحيط المسمى بالمدينة. لم أكتب مثلاً رواية تدور فى الريف، ليس فقط لأنى ابن مدينة، لكن لأنى أرى أن كلمة فرد لا تتحقق بالأساس خارج المدينة، وبالتالى فالتعبير الأمثل عنها فى فن كالرواية، وهو فن ابن مدينة بامتياز، هو تجريب هذا الاختبار مرة بعد مرة. أستطيع أن أقول: إننى أكتب لإعادة تعريفى أنا فى مدن أعيش مغترباً فيها، ليس فقط بحكم الجغرافيا، لكن بمأزق الفرد المعاصر الغريب فى المكان انطلاقًا من بيته نفسه.

تتسم كل أعمالك بالجنوح للغرائبية، وتتصل بالخيالى والعجائبى، ما منطق طارق إمام فى خلق هذه العوالم، وكيف تصنع التوازن فى عالمك الروائى بين الواقع والخيال؟

مبدئياً أنا ابن «ألف ليلة وليلة»؛ ذاكرة الخيال العربى، وأرى أن التفاتى لعنصر الخيال هو التفات لجوهرٍ عميق فى موروث الحكى العربى وفى نظرة الثقافة العربية للعالم، بل وفى نظرتنا للحاضر الملتبسة بالخرافى والخارق والماورائى فى تفسير أشد الظواهر اتصالاً بالمنطق. الفن يعكس الثقافة كمفهوم أشمل ودور الكتابة التخييلية فى تقديرى، وبدءاً من هذا المصطلح نفسه، هو إعادة تعريف الواقع (والعالم من ثم) فنياً. إعادة التعريف هذه تقبل طرقاً عديدة فى تناول الواقع، وكل المدارس الفنية من الواقعية للدادية للسوريالية للرمزية للتعبيرية للواقعية السحرية للديستوبيا إلخ، تحاول إعادة تعريف الواقع على اختلاف الطرائق. أنا أرى الواقع ملتبساً بالخيال وأحب أن أتحرك فى هذه المسافة العمياء بين ما هو ممكن وما هو مستحيل، ذلك أننى أرى أن الوجود يتحرك فى هذه المسافة المراوحة بين الوهم وما نظنه الحقيقة، وفى المركز سؤال الإنسان، العالق طوال الوقت بين الفيزيقى والميتافيزيقى، التجريبى والمجرد، الحسى والصوفى، بل وحتى العلمى والخرافى، باحثاً عن الخلاص والحرية، ولا أعتقد أنه يكفيه باب واحد لتعريف العالم انطلاقًا من نظرية المحاكاة التقليدية. وإجمالاً، أرفض فكرة الثنائيات، وأرى أن الالتباس هو الحقيقة الوحيدة بما فى ذلك التباس ما ندعوه بالواقع بما ندعوه بالخيال.

كتبت رواية عن حياة الشاعر اليونانى السكندرى قسطنطين كفافيس، وتكتب حاليًا رواية عن الشاعر الإيطالى السكندرى أونجاريتى، هل لديك مشروع أشمل فى هذا السياق يمكن أن تنضم له روايات أخرى؟

الهاجس الملح فى «كفافيس» ومن بعدها «أونجاريتي» هو سؤال الهوية. الفنان، نصف المصري/ نصف الأجنبى فى علاقته بالمدينة نصف المصرية/ نصف الأجنبية. هوية إنسانية مراوحة تبحث عن تعريف فى مواجهة هوية مكانية مراوحة تبحث بدورها عن تعريف. من هذا الصدام أو لنقل المواجهة، أحاول طرح عديد الأسئلة حول علاقة الفرد بالعالم. المسألة إذن ليست «سلسلة روائية» عن الشعراء لكنها سؤال مُلح وحارق بالنسبة إليَّ، وشعرت أننى بحاجة لمد خيطه فى اتجاه آخر بعد «كفافيس»، خاصة وأن أونجاريتى عاش فى حقبة مختلفة وكان موقفه الطبقى والفكرى من المدينة، ومن الوجود من ثمَّ، مختلفاً.

 

قلتَ من قبل إن أفضل من نقدوا رواياتك كانوا قراء.. هل يرى طارق إمام أن النقد ليس حكرًا على الأكاديميين؟

لماذا نقرأ بعض النصوص النقدية لنقاد مثل عبد الفتاح كيليطو (كنموذج عربى) فنستمتع أولاً، ونكمل قراءتها بشغف ثانياً، حتى لو لم نكن قرأنا الأعمال التى استندت إليها؟ لأنها تقدم لنا معرفة حقيقية فى ذاتها، تقدم فعل تفكير، وتنطلق من النص إلى العالم، ولا تغفل الخيال، كما لا تستبعد اللغة الإبداعية أو تتعالى عليها.

النقد الإبداعى نشاطٌ لا علاقة له بممارسة العمل الأكاديمى فى ذاته، بمعنى أن فرصة الأكاديمى كى يكون ناقداً جيداً تساوى بالضبط فرصة أى متعاطٍ محترف للأدب. النقد هو فعل قراءة لكن فى مستوى معمق، تدعمه الخبرة الجمالية والمعرفية بالنص الأدبى، هذه القدرة على القراءة «الخاصة» قد تتوفر لمبدع ولا تتوفر لأكاديمى، مثلما يمكن أن يحظى بها قارئ ويفتقر إليها مدرس فى الجامعة. 

 النقد فى تصورى قراءة إبداعية محكومة بالمعرفة وبالقدرة على توصيف النص وتحليله وربطه بمجمل سياقاته عبر جدلٍ حقيقى من جهة وإلمام بالطرائق النقدية من جهة أخرى. أما أكثر ما ننساه، فهو أن النقد بحاجة لخيال كالإبداع بالضبط، لأنه إعادة تكوين لعملٍ ما وفق رؤيةٍ فكرية تُنتج نصاً موازياً، وليس تشريحاً إجرائياً لجثة هامدة.

جريدة القاهرة