أخبار عاجلة

نظرات متقاطعة.. قصة أحمد غانم ضمن مجموعته بسلسلة الإبداع العربي  

صدر حديثا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب برئاسة الدكتور هيثم الحاج علي، ضمن سلسلة الإبداع العربي، مجموعة قصصية بعنوان “نساء من بلاد الشرق” للكاتب أحمد غانم عبد الجليل.
ومن بين المجموعة ينشر الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب “المعرض” قصة “نظرات متقاطعة”:
“صليت العشاء على عجل، ثم هرعت نحو خزانة ملابسي، أنتقي من ثيابي أجمل ما اشتريت من محال بلدنا، أدعو الله في سري ألا يغير رأيه في اللحظات الأخيرة، أعرف أنه لم يقبل إلا على مضض اصطحابي معه إلى ذلك المطعم المكشوف، المقابل للفندق الذي نقيم فيه، وبعد إلحاح لم يعرفه عني منذ زواجنا قبل أكثر من عام، ظل يرقب عن كثب ثوبي الطويل غامق اللون، ما أتزين به من مساغ ثمين، وكذلك مكياجي الخفيف، الذي يكاد لا يلاحظ، عسى أن يجد ما يؤنبني عليه بشراسة تجبرني على إغماض عيني بقوة حتى لا تطفر من إحداهما دمعة لا تثير غضبه أكثر، سرت وراءه، أنظر نحو خطاه المتبخترة، وأنا أستغرب بنطاله الكحلي ذا اللمعة الخافتة وقميصه الحريري متشابك الألوان، مفتقدة الكوفية والعقال والجلباب الأبيض.
المطعم واقع على سفح جبل تفترشه الأضواء المتلألئة في ظلمة الوادي السحيق، كان المكان، بل كل الشارع، يضج بالموسيقى الصاخبة، تصرخ بي أن أشارك الجميع حيويتهم المتواصلة، لم أحفل بالنظرات التي صار يرمقني بها منذ أول جلوسنا، تبحث عن خصلة من شعري يمكن أن تكون قد نفرت من الحجاب في غفلة مني.
لم تستطع عيناه اللتان سرعان ما ستشوبهما الحمرة بسبب النبيذ الذي يترعه بشراهة رصد نقرات قدمي الخفيفة على الأرض، ولا حركة ساقي المهتزة من تحت غطاء الطاولة، رغما عني صرت أرقب بين الحين والآخر نظرات المطرب الجذابة، أظن أنه يخصني بها دون جميع الفتيات الذي يكتظ المرقص بهن أمامه، يرتدين ملابسا ساحرة الإثارة، يرقصن على أنغام شتى الأغاني والمواويل، الجديد منها والقديم، فتتلامس الصدور والأفخاذ مع مراقصيهم.
لاحظت علامات الغضب تطل من قسمات وجهه شديد السمرة، يده تتقلص حول الكأس، وكأنها تهم بتهشيمه، تتبعت مسارات نظراته حتى أوصلتني إلى فتاة ذات جسد يميل إلى الامتلاء وصدر مكتنز، تتموج شقرتها بسمرة ساعات العوم والاستلقاء الطويل على شاطيء البحر، تراقص شابا وسيما، في مثل عمرها تقريبا، بخفة ورشاقة مغريتين، جذبت انتباهي أيضا نظرات تلك الفتاة المتحدية نحوه، سخريتها من تعبيرات وجهه المتجهمة، والمتوعدة.
مرت بقربنا في خطوات متمهلة راقصة، وبابتسامة يقطر دلالها مكرا ثقيلا فوق شفتيها المطليتين بحمرة قانية، فهاف نحونا ذات على العطر الباريسي المميز الذي أمسى يفوح من ثيابه لدى عودته قرابة فجر كل ليلة.
استمر شرر الغيظ بالتطاير من عينيه السوداوين نحو ذلك الدلال الفتان عدة لحظات، قبل أن يتبدد في شلال قهقهتي التي راحت تجلجل في صخب المكان دون وعي مني”.

جريدة القاهرة