أخبار عاجلة

إبراهيم البريدي: أمى منافستى الوحيدة فى «المرج خيط»

حوار: رشا حسني

وجه طفولى تزيد الاستدارة من براءته، ابتسامة واسعة وعيون متطلعة يملؤها الأمل، عالم ملون بالبهجة حتى وإن توارت أسبابها.. تكاد تلك الملامح أن تصبح سمة مميزة للوحات الفنان إبراهيم البريدي، الذى استطاع أن يبتكر فنا قائما بذاته يعتمد على استخدام الخيوط وقصاصات القماش الملونة فى تشكيل لوحات فنية بديعة، يعبر كل منها عن موضوع أو حالة تتصل بجذورها فى الثقافة الشعبية.

لعبت الصدفة دورًا فى انتقال البريدي، فنان الكاريكاتير الذى عمل بجوار كبار المبدعين بالصحف اليومية إلى ساحة إبداعية جديدة؛ كانت البداية حين جذبت أنظاره كومة من قصاقيص القماش الملونة معروضة للبيع بأحد الأسواق الشعبية، وسرعان ما استدعت ذاكرته صورة والدته هناك فى قريته الهادئة بمحافظة الغربية وكيف كانت تصنع من بقايا الأقمشة وسائد وقطعا فنية تجمل المنزل ببراعة ملحوظة..قال لنفسه: ولم لا..؟ فلنجرب. 

اختلفت تقنية العمل الفنى عما استلهمه من إبداع الأم لتتوافق مع شروط الفن التشكيلي، وجاءت النتيجة مبهرة. صحيح أنه استقبلها بحذر لكن ردود أفعال أصدقائه من الفنانين منحته الثقة لاستكمال طريقه، وليؤسس فنًّا ابتكر أسلوبه واسمه أيضا «المرج خيط»، ذلك الاسم الذى يحمل امتنانا للمنطقة الشعبية التى شهدت ميلاد ذلك الفن «المرج»، إلى جوار»الخيط» الذى يلعب دورا أساسيا فى تثبيت كل مفردات لوحاته.

وفى عام 2005 جاء أول معارضه الفنية بعنوان «قصاقيص» وتلاه عدة معارض نالت اهتماما متزايدا من المتخصصين والجمهور العام، أحدثها معرض»المولد» الذى تتواصل فعالياته حتى آخر إبريل الجاري، ويضم لوحات من المرج خيط تصور من الموالد الشعبية والبيئة المصرية الأصيلة إضافة للوحات تستلهم رائعة صلاح جاهين وناجى شاكر «الليلة الكبيرة». والأخيرة لها قصة طويلة مع البريدي، فمنها استلهم عمله الفنى الذى نال عنه عام 2017 جائزة الدولة التشجيعية فى الفنون، وإليها يعود من وقت لآخر مستحضرا أرواح شخوصها الراسخة فى الذاكرة، ليصوغها برؤية فنية جديدة فى لوحاته.

الطفولة عند البريدى منبع متجدد يستمد منه أفكاره ومشاعره وأسلوبه فى معالجة أعماله الفنية؛ «أشعر دائما أن بداخلى طفل لا يتعدى عمره تسع سنوات، وربما هذا التمسك المزمن بالطفولة وبراءتها وصدقها هو الجسر الذى أصل عبره بسهولة لقلب المتلقي، روح الطفولة ساعدتنى كثيرا فى نقل حالة من البهجة لمن يشاهد لوحاتى ومن خلالها أيضا استدعيت التفاصيل الدقيقة الدافئة لحياتى فى القرية قبل أن أنتقل فى مرحلة أخرى للإقامة بالقاهرة وأتفاعل مع الثقافة الشعبية بالحارة المصرية».

ويرى البريدى أنه أفاد كثيرا من فن الكاريكاتير من حيث طبيعة الخطوط والشخصيات والأفكار وتظهر البصمة الكاريكاتورية كثيرا فى لوحاته وكان من بين أحلامه تقديم الكاريكاتير بفن «المرج خيط» لكن المحاولة لم تنجح بسبب الحاجة لطباعة خاصة إضافة لارتباط الكاريكاتير بأحداث متغيرة على المستويين السياسى والاجتماعى. 

تتشابه تقنيات العمل بفن «المرج خيط» فى كثير من خطواتها مع الفن التشكيلي، فلا يقوم الفنان إبراهيم البريدى بخياطة الأقمشة بالطريقة التقليدية، وإنما يبدأ بشد «شاسيه» من التوال، وتصور كل مفردات اللوحة واختيار الأقمشة الملونة، ثم توزيعها وتثبيتها بالخيوط، بطريقة لا تنال من جمال ودقة العناصر الفنية الأساسية بالعمل الفني، ويختلف هذا الفن عن الخيامية التى تعتمد على تكرار «الاستمبات» ومحدودية الألوان.

ورغم أهمية اللون والحركة فى صياغة الأسلوب المميز للبريدي، تبقى الفكرة هى أهم عنصر ينطلق منه العمل الفنى كما يقول: «فى بدايات عملى بمجلة «كاريكاتير» كنت أحرص على شراء ورق وألوان عالية الجودة حتى لاحظت أن الفنان حسن حاكم يرسم أهم وأجمل أعماله باستخدام أقلام بسيطة وورق دشت، هنا أدركت أن الفكرة هى البطل فى العمل الفني».

لكن أهمية الفكرة لم تمنع البريدى من البحث والتنقيب عن «قصاقيص» تبرز الروح المصرية الحاضرة دوما فى لوحاته، حتى انه يسافر من آن لآخر بين أقاليم مصر المختلفة، بحثا عن أقمشة ملونة تمنحه فرصة أكبر للاختيار وكأنها «بالتة ألوان».

نجح صاحب لوحة «الليلة الكبيرة» فى اقتناص اعتراف من الوسط الثقافى عبر معارضه المتتالية والجوائز الدولية والمحلية المتعددة التى نالها، وزادت تلك الخطوات من حماسه لنشر وتعليم هذا الفن، وبالفعل أقام عشرات الورش الفنية، وصل عدد الدارسين بها لنحو ثلاثة آلاف، تعلموا بالفعل أساسيات «المرج خيط» لكن أحدا منهم لم يستمر؛ المدهش أن والدة البريدى كانت هى الشخص الوحيد الذى نافسه، فقد طلبت منه أن يعلمها تقنيات هذا الفن وكانت النتيجة مذهلة، وكأن جينات الإبداع كانت كامنة داخلها: «حققت أمى فى شهرين ما أنجزته فى عدة سنوات وأصبحت هى المنافس الوحيد لي، وفى عام 2008 نظمت معرضا ضم 20 لوحة نالت اهتماما كبيرا وتلقت عرضا للإقامة والعمل على هذا المشروع ببلجيكا، لكنها فضلت البقاء فى مصر بين أحفادها.

ويرجع البريدى تميز أى فنان فى هذا المجال لقدرته على الإحساس باللون، فبينما يعمل معظم الفنانين بأربعة ألوان، لا يقبل هو على صياغة عمل جديد الا بعد أن يضع أمامه قصاصات لنحو 400 لون بدرجاتها المختلفة.

ويحلم البريدى بأن يأتى اليوم الذى ينجح فيه فى تأسيس «مدرسة المرج خيط» للكشف عن المواهب الفنية ودعمها وتعليمها، فهو يؤمن أن بداخل كل طفل فنان فى حاجة لمن يكتشفه.

جريدة القاهرة