أخبار عاجلة

زين العابدين خيري يكتب: القاهرة المتجددة

قبل أيام دخلت جريدة «القاهرة» عامها الثانى والعشرين، تلك الجميلة الرشيدة التى صدر العدد الأول منها يوم الثلاثاء 18 إبريل 2000، والتى قال مؤسسها ورئيس تحريرها الأول الأستاذ صلاح عيسى فى بيانها التأسيسى الذى يصف هويتها، بأنها «ليست جريدة للنخبة أو المتخصصين، ولكنها جريدة ثقافية عامة، تخاطب قارئ الصحيفة اليومية والأسبوعية بمختلف مستوياته»، واليوم ومع دخول الجريدة عامها الجديد وبعد أن تجاوز عدد أعدادها مائة ستة وثلاثين عددًا بعد الألف -وكأنه يذكرنا بالألف عام التى تحملها على كتفيها سميتُها الأم «القاهرة» المدينة والعاصمة، الحضارة والحاضرة- فإننا نعيد التأكيد على بيان الجريدة التأسيسى، لنعيد جريدة «القاهرة» إلى مسارها الذى بدأته قبل اثنين وعشرين عامًا، «مطبوعة يصدرها المثقفون ليقرأها الشعب، لا مطبوعة يصدرها مثقفون فلا يقرأها إلا المثقفون». «منبر للحوار الديمقراطى بين تيارات وأجيال الأدب والفن والثقافة، وساحة لإدارة الحوار بين المثقفين المصريين والعرب، تشجعهم على الاعتراف المتبادل بحق الاختلاف، الذى يؤمن بأن التوصل لمشتركات وطنية وقومية فيما بينهم لا يتحقق سوى بالتنوع، فضلًا عن أنها جريدة تسعى لإحياء روح الانتماء بالدفاع عن الذاكرة الوطنية والقومية، ومقاومة روح التعصب والجمود والإرهاب الفكرى، بسعيها لتخليص التراث الوطنى والقومى والدينى من الشوائب التى علقت به فى فترات التدهور». رافعة مقولة قاسم أمين: «الحرية الحقيقية تحتمل إبداء كل رأى ونشر كل فكر وترويج كل مذهب»، شعارًا دائمًا لها.

واليوم ونحن نفتح صفحة جديدة من صفحات «القاهرة» نتذكر بكل حب واعتزاز تاريخها العريق الذى بناه أساتذة كبار فى عالم الثقافة والصحافة، قادهم بداية الأستاذ المؤسس المفكر والمؤرخ صلاح عيسى الذى استمر فى مهمته رئيسًا للتحرير لحوالى 14 عامًا، قبل أن يصعد إلى منصب رئيس مجلس الإدارة ليكمل مسيرة التحرير الكاتب الصحفى الصديق سيد محمود، وكنت شاهدًا على تجربته، وأزعم أنه أضاف الكثير للجريدة وحرّك كثيرًا من مياهها الراكدة وقتها، قبل أن ينهى تجربته معتذرًا عن استكمال مهمته لأسباب لا مجال لذكرها الآن، ليكمل المسيرة أستاذ آخر من مدرسة صحفية أخرى وهو الكاتب الصحفى عماد الغزالي، لينجح عبر خمس سنوات فى النجاة بالجريدة من عواصف التقلبات والأزمات.

اسم على مسمى

يا سامعين أبناء بلد واحدة

تحت السما الواحدة وجيل بعد جيل

القاهرة قالت وقولها الحق

أشهد بأنك يا ابن آدم جميل

بانى البيوت على بعضها بتميل

فى الجو ريق الإنسانية يسيل

شُفتك بتمشى ونظرتك على فوق

ودايرها زغروطة وحطب وغسيل

هكذا رأى والد الشعراء فؤاد حداد فى ديوانه الآسر «من نور الخيال وصنع الأجيال فى تاريخ القاهرة»، والذى كتبه بداية كبرنامج إذاعى شعرى غنائى بقلمه، ولحنه وغناه العظيم سيد مكاوى، وأذيع على أثير إذاعة البرنامج العام للمرة الأولى بعد أن أفطر الشعب فى الأول من رمضان 1389 هجريًا، الموافق للعام الميلادى 1969، عام العيد الألف لميلاد القاهرة، ونُشر بعد ذلك فى ديوان بنفس العنوان، وقال حداد فى مقدمته: «هذا الديوان كُتب ردًا على النكسة». وفيه كتب حداد ثلاثين ليلة من ليالى الساهرة ذات المآذن الألف، القاهرة التى استفاقت من ذل الهزيمة وصممت على القتال حتى النصر، وأقامت الاحتفالات بألفيتها رغم أنف الشانئين. وكان حداد يهدف من قصائده إلى تذكير الأمة بعناصر القوة والرسوخ والجمال فى تاريخ القاهرة، والتنقيب فى منجم ذهب القاهرة الوجدانى.

وهكذا نهدف كأسرة تحرير جديدة لـ«القاهرة» أن نعيد وصل ذلك الحبل السُرى ما بين «القاهرتين» -الأصل والجريدة- وأن تكون جريدة «القاهرة» خير معبر عن اسمها الذى تحمله، ليكون له تأثير واضح على توجهاتها وسياستها التحريرية، بمدلولاته التاريخية والجغرافية والسياسية والاجتماعية والحضارية، فنعد قارئنا الكريم بأنه سيجد دوما مادة تحريرية تُعنى بتاريخ وتراث القاهرة الحضارى والفنى والثقافى والاجتماعى والاقتصادى والمعماري، والإنسانى قبل كل ذلك، فهى المدينة الدولة التى يتم الإشارة إليها بـ«مصر» نفسها من قبل زائريها وسكانها.

وهى التى قال عنها عمنا سيد حجاب:

هنا القاهرة الساحرة الآسِرة الهادرة الساهرة الساترة السافرة

هنا القاهرة الزاهرة العاطرة الشاعرة النيّرة الخيّرة الطاهرة

هنا القاهرة الصابرة الساخرة القادرة المنذرة الثائرة الظافرة

عهد.

وهنا فى «القاهرة» المتجددة سنعمل جاهدين على التقريب بين الجريدة وبين كل مهتم بالقراءة فى مصر والوطن العربى، ونعده بأن يجد على صفحات الجريدة ما يهمه وما يُقوّى علاقته بالقراءة وبالثقافة بوجه عام، سيجد اهتمامًا بكل أشكال المعارف والفنون والعلوم الإنسانية وغيرها، وليس فقط بالأدب أو الفنون النخبوية.

كما سيجد ذلك القارئ على صفحاتنا أجندة وخريطة واضحة بأماكن ومواعيد الأنشطة الفنية والثقافية المختلفة، لتكون الجريدة معبرًا حقيقيًا عن كل جهات إنتاج الثقافة والفنون فى مصر الخاصة والعامة، وعلى رأسها وزارة الثقافة، ذلك الكيان العملاق الذى يقدم آلاف الأنشطة والخدمات الثقافية والفنية سنويًا على طول وعرض مصر، ليتعرف القارئ على ما تقدمه هذه الجهات والقطاعات أولا بأول.

كما سنعمل على أن تكون الجريدة نافذة يتعرف من خلالها القارئ على القفزات العملاقة التى تُحققها مصر الحديثة فى كل المجالات، وخصوصًا فى مجال الثقافة والفنون الذى توليه الدولة اهتمامًا كبيرًا ضمن المفهوم الأشمل للجمهورية الجديدة.

والأهم نعدكم بتغيير شامل فى شكل ومضمون الجريدة فى الفترة القريبة المقبلة.

جريدة القاهرة