أخبار عاجلة

ننشر “قصة حياتي” للكاتبة نيللي عبد العزيز

ينشر الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب، قصة قصيرة للكاتبة نيللي عبدالعزيز، التي اختصت بها الموقع، وهي أحدث ما كتبت، بعنوان ” قصة حياتي”:

خرجت من المطبعة قويًا فتيًا، تفوح مني رائحة الحبر الطازجة، صفحاتي شابة نضرة، نُقشت بداخلها حروف من نور، لي غلاف يزهو بألوانه المشرقة متوجٌ باسم مبدعي الشهير.
ركبت السيارة، إنها المرة الأولى التي أجوب بها شوارع المدينة، ما كل هذا الصخب! ولماذا لا يتوقف قائد السيارة عن سب المارة طوال الطريق؟ حاولت إحكام إغلاق ذاكرتي جيدًا حتى لا تخزن بها هذه الألفاظ البذيئة، وأخيرًا وصلت للمكتبة.
أمسك بي الرجل الخمسيني ذو النظارة السميكة واضعًا إياي على الرف بين إخوتي في عدم اهتمام واضح.
مرت الأيام بطيئة، بدأت أشعر بالملل وانعدام القيمة، فقيمتي الحقيقية تكمن في أن يقرأني أحدهم.
وفجأة، وجدتها تقف أمامي مباشرة، تسلط علي النظر باهتمام ظاهر، كمن وجدت ضالتها بعد طول غياب، ما أجملها وهي تكاد تلتهمني بعينيها النجلاوين! أكاد أجزم بأن ضي هذه العيون الجميلة مستعار من نور القمر.
إن كان لي بالدنيا أمنية واحدة فهي بلا شك أن تلمسني بأناملها الرقيقة وتبحر بعينيها عبر كلماتي.
وكان لي ما أردت، التقطتني بشغف، فذبت بفعل حرارة اللقاء، واستكنت تمامًا بين أحضانها وهي تحملني بالطريق سائرة لبيتها، وأخذت أنصت لدقات قلبها، ما أروعها من سيمفونية عذبة!
قضيت معها أيامًا في النعيم، تنهل هي من أفكاري، وأنعم أنا بدفء أنفاسها، إلى أن انتهت مني، وأسكنتني جوار مرقدها، فحمدت الله على نعمة القرب منها.
بعد مدة أخذتني من جديد، فملأت البهجة ورقاتي، إنها تغلفني بورق ملون، إنها تهديني لشاب ثلاثيني وسيم! من هذا؟
فهمت من حوارهما أنه حبيبها، فعصفت الغيرة بصفحاتي، كنت أظن نفسي حبيبها الوحيد.
حملني معه لمنزله، وما إن دلف من الباب حتى ألقى بي على المنضدة بإهمال، وبقيت هكذا لمدة طويلة حتى اعتلاني التراب، أسمعه يتحدث معها تليفونيًا، كثيرًا ما يتشاجران، لا أفهم ما الذي جمع بينهما! جميلة مثقفة وتافه مهمل، كما أنه على وسامته له نظرات مخيفة وعقل فارغ، أصبحت أعرفه جيدًا لطول عشرتنا.
بعد إحدى مشاجراته معها ألقى بي في درج مظلم وأغلقه بعنف اهتزت له حروفي رعبًا وغضبًا، لا شيء يؤنس طول وحدتي في هذا الظلام غير ذكرى عيون جميلة طُبعت نظراتها بين السطور.
و في صباح يوم ممطر عاصف، فتح الدرج، فتنفست الصعداء ظنًا مني أنه الخلاص، لكنه جذبني بقوٍة مشحونًة بالغضب وأخذ يحدث نفسه بصوته المزعج بأنه لا يريد شيئا يذكره بها،
فرقصت سطوري فرحًا، لقد افترقا أخيرًا، سيعيدني لمالكتي.
كنت بريئًا حد السذاجة، إنه يلقي بي من شرفته العالية، يا إلهي سوف تقطَع أوصالي الرياح، وتتفرق أوراقي في الطرقات، وتذوب أحباري بفعل ماء المطر، لقد ضاع حلمي بالرجوع لحبيبتي إلى الأبد، حينها هممت باسترجاع ألفاظ سائق السيارة لألقيها على وجهه الغاضب فلم أجدها، لكن أثناء رحلة سقوطي من الشرفة إلى الأرض خطرت لي حيلة فاستجمعت كل ما أوتيت من قوة أفكار لأعاند الجاذبية الأرضية، وللعجب حدثت المعجزة وأخذت أصعد وأصعد وأرتقي حتى وصلت القمر، وكانت المفاجأة، لقد كنت محقًا حين أجزمت بأن ضي عيونها مستعار من نور القمر فعيون حبيبتي بالفعل حاضرُة تتلألأ علي وجه القمر، فالتصقت بهما واتخذت منهما مسكنًا إلى الأبد.

جريدة القاهرة