أخبار عاجلة

في مجموعة “باب الجنة”.. قراءة نقدية لشاهيناز الفقي

تختص الروائية والسيناريست شاهيناز الفقي، الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب، بنشر قراءتها النقدية في مجموعة “باب الجنة”، للكاتب والفنان التشكيلي أمين الصيرفي.

ترى الناقدة الفرنسية سوزان برنار أن قصيدة النثر هي قطعة نثر موجزة موحدة ومضغوطة، ويقول الشاعر اللبناني أنسي الحاج رائد من رواد قصيدة النثر أنها لابد لها من شروط ثلاثة الإيجاز والتوهج والمجانية. ويعرف البعض قصيدة النثر أنها لابد أن تحتوي على واحد أو أكثر من خصائص الشعر الغنائي ولكنها تختلف عن شعر التفعيلة بأنها لا تتقيد بوزن أو بحر شعري معين، وأهم ما يميز قصيدة النثر هي وحدة الموضوع بحيث أن تأثيرالقصيدة ينتج عنها كوحدة متكاملة وليس عن أبيات معينة، وتعتمد كذلك على البساطة اللغوية والبعد عن التكلف والمحسنات البديعية(الجناس،السجع، الطباق، التورية).
أما القصة القصيرة فمن أهم عناصرها في الشكل الكلاسيكي هي البداية والنهاية ولحظة التنوير والحبكة وغيرها من الخصائص التي لا تكتمل القصة القصيرة بدونها. أما وقد تطور شكل القصة القصيرة في الفترة الأخيرة وأصبح هناك أدب بعد الحداثة وأدب ما بعد الحداثة فأصبح للقصة القصيرة أشكال وقوالب متعددة وتداخلت فيها الأجناس الأدبية المختلفة.
“باب الجنة” للكاتب والفنان التشكيلي أمين الصيرفي تضم مجموعة من النصوص المتنوعة والمختلفة منها النص النثري والقصة القصيرة ومنها القصائد المقفاة وقصائد النثر بالإضافة لعدد من اللوحات التشكيلية وهذا أمر جدير بالاحترام والإعجاب حيث يشارك الفنان لوحاته مع القارئ في محاولة لبعث روح هذا اللون من الفن بين القارئ والمثقف المصري والعربي.
الإهداء في نصوص باب الجنة للكاتب أمين الصيرفي محفز ويُخلي فيه الكاتب مسئوليته عن المتلقي، فأنت كقارئ ستدخل عالم أمين الصيرفي، وهو عالم يمتزج فيه الحلم بالأسطورة بالحقيقة، فإذا قرات فانت تقرأ على مسئوليتك الشخصية، إذا لم تفهم أو تشعر أو تتذوق فالخلل في استقبالك للحروف والكلمات، الإهداء دعوة للتحليق خارج حدود الأفق الضيق وجفاف الفكر.
نص “باب الجنة” نعيش مع الكاتب ماراثون الحياة حتى باب الجنة، ملايين تعدو وتركض في السباق ولكن واحدا فقط هو الذي يصل لباب الجنة لتبدأ معه الحياة.
في نص “موسم الندى” يصنع الكاتب لوحة فنية بالكلمات، في مقابلة بديعة بين ما هو مذكر وما هو مؤنث وامتزاجهما بشكل يعيد للحياة بريقها.
كرائحة التفاح الممزوج بالتبغ، كارتعاشة الوتر ودق الطبول، كسريان الأفاعي في الرمال، هبوب النشوى وخمود المحال.
وفي قصيدة رؤى التي تتميز بوجود قافية ( وردية، ميتافيزيقية، نارية، جليدية) رغم أن من خصائص قصيدة النثر أن تتحرر من القافية والوزن ولكن هذا هو عالم أمين الصيرفي عالم حر لا تقيده قواعد أو حدود عالم من التعبير عن الذات والتجريب وخوض المغامرة مع النص.
نص “وردية”، هي قصة قصيرة مكتملة ولكن الكاتب قام بتقطيعها لتبدو للقارىء وكانها قصيدة، أمين الصيرفي يضع القصيدة في قالب القصة والقصة في شكل القصيدة وفي النهاية أنت تقرأ نصًا ممتعًا حالمًا وفلسفيًا ، يطرح نص وردية فكرة مهمة وهي حينما يصبح انتظار الحلم عقاب.
البطلة في القصة وردة تكاد تذبل، تتمنى أن يبلل الندى وجنتيها، لكن يطول الانتظار وتنتحر الشهب وتتحول الأحلام لكوابيس والانتظار لعقاب، قصة جميلة تصور حالة التمني والترقب وعبر عنها الكاتب بشكل رائع، وتشبيهات وصور رائعة
( يسير الماء من الجذور للفروع وحتى الأهداب فتبللها، حتى هطول الأمطار حبات من لؤلؤ التمني)
تناص مع قول الشاعر
(فأمطرت لؤلؤًا من نرجس وسقت
وردا وعضت على العُنابِ بالبَرَد)
المرأة في نصوص أمين الصيرفي هي الحبيبة وهي الوطن أيضًا وتحتمل النصوص تأويلات متعددة، فمثلا في قصيدة “أينوس” ابنة فينوس ونحن نعرف أن فينوس أو افروديت لها ابن هو كيوبيد، لكن خيال الشاعر تصور أن هذه المراة من فرط جمالها هي آينوس ابنة فينوس، وهي من فرط جمالها قتلت عشاقها وظلت وحيدة، ومع الوحدة وطول الانتظار تحولت لتمثال جميل ولكنه مر، أحيانا يكون الجمال نقمة على صاحبه، ولو تخيلنا أن آينوس الجميلة هي الوطن فربما نحتاج لنصف إله كما في القصة أو الأسطورة ليخرج الوطن من غفوته ويعيد له الحياة.
في نص “عودة” الكاتب يحمل الوطن في قلبه كلما غادر، تختلف الأجواء ويتغير الطقس، ويظل دفء الوطن يلازمه، والمفردات في هذه القصيدة دالة على حبه للوطن والتماسه الدفء من صورة لوطنه يحملها معه أينما ذهب.
(الثلج يتساقط منتحرا_ابتسامة وليدة على وشك السطوع)
تتضاءل الشمس تحت وطأة الغيوم_ تظل عيناها المتوهجة يقظة ساطعة)
النورس يتخبط في صوت الأمواج_ كمنارة تهتدي بها السفن لمرفأها )
(كتميمة من الأبنوس_ كزهرة ياسمين).
في أقسى الحالات وجميعها الوطن حاضرًا وداعمًا بقوة للبطل.
نص “اللعبة” وهو نص مراوغ ويحتمل تأويلات كثيرة، من قواعد اللعبة أن المجد يأتي من الانتصارات العظيمة، تستطيع أن تستخدم هذة القاعدة في كل أمور الحياة، في المعارك الفردية وحتى بين الدول، هناك معارك تافهة لا تستحق الموت من أجلها فتخير معركتك وفي النهاية
يلقى المنهزمون مصبرهم
وتذروهم الرياح
أما نحن
فنظل ساطعون
صامدون
واثقون
نص “العنصر الخامس”
من المعروف أن عناصر الحياة في الفلسفة الإغريقية هم أربعة عناصر(الماء والهواء والنار والأرض) ولكن للكاتب أمين الصيرفي يضع فلسفته الخاصة في هذا النص فهو يرى أن توافر عنصر خامس يجعل الحياة مكتملة ومحتملة.
(ما بين التراب والماء قصة عشق، ملبدة بالرغبة، تلفحها النار، فتتشكل قارورة عشق، تتوحد العناصر في أنفاس الهواء، ثم تتفكك لآلاف الأكوان)
هذا النص هو دعوة للحب لتعود الحياة، وهو العنصر الخامس الذي بدونه لا تكتمل حياة.
(في نهاية الرحلة نعود للأرض، لذرات التراب المنتظر شربة ماء، ولفحة هواء، وصهد والكثير من الحب لتعود الحياة).
نص “نهايات”، هي حالة صوفية، فالحياة تنتهي ولابد ألا يحمل الانسان هموم الغد والأمنيات البعيدة، استخدم فيها الكاتب المفردات الدالة على الحالة
“يتأرجحون على أحبال الأمنيات، كل الآلام تزول، الأبيض يغمر الكون”
“سخمت” هي إلهة للانتقام في الأسطورة الفرعونية، تحكي الأسطورة عن الإله رع الذي تعرض لاستهزاء بعض البشر فخلق سخمت لتنتقم له، لكن هذه الإلهة والتي تملكت منها شهوة الانتقام حتى كادت أن تقضي على كل البشر ولم يفلح رع في تهدئتها إلا بعد أن سقاها شرابا مسكرًا بلون الدم.
هل نحن نعيش عصر سخمت من جديد تسأؤل يطرح نفسه في هذه القصيدة.
سخمت
سيدة هذا العالم
دعي شرك يجتاج المدن
دعي بحور الدم
تغتال براءتنا
مادمنا نأكل أولادنا
على قارعة الطرقات الخاوية
من رديء إلى أردأ
من حفرة لهاوية
ويكمل الكاتب ليعبر عن فكرته التي برغم جنوحه فيها إلى الرمز لكنها واضحة.
أيتها الجميلة القبيحة
من كل زاوية
تمتصين الدماء حتى الثمالة
حتى صاروا موتى احياء
يترنحون في كل الأنحاء
يحتلون أفخم المقاعد
يصدرون أوهام الدود.
مجموعة باب الجنة للكاتب أمين الصيرفي، تحمل بين طياتها فكرا فلسفيًا عميقًا، ولوحات فنية بديعة، وجموح الكاتب وجنون الفنان ورصانة المفكر، وهي رحلة ممتعة من الإبداع والتصوير والشعر والأدب، يدعوك الكاتب من خلالها للوصول إلى باب جنتك أنت من خلال الفكر والشعور والمتعة، واشترط لذلك أن تكون ممن يجيد التحليق وأن تبحث عن نفسك بين السطور لعلك تجدها.

جريدة القاهرة