أخبار عاجلة

بهجة.. ننشر قصة سوسن الشريف من مجموعتها “وما أبريء نفسي” عن روافد

أهدت الكاتبة الدكتورة سوسن الشريف لجمهور الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب “المعرض” واحدة من مجموعتها القصصية الجديدة الصادرة عن دار روافد للنشر والتوزيع تحت عنوان “وما أبريء نفسي”.
القصة بعنوان “بهجة” وتتم قراءتها خلال ندوة “تواصل” بالمجلس الأعلى للثقافة، والتي تنظمها وتعقدها الدكتورة عزة بدر الكاتبة والصحفية بمجلة صباح الخير، يوم الأربعاء المقبل.
وجاء في سطورها:
“وترى الناس من هذا الفضاء .. مخلوقات بعيدة جدًا.
بينما تمارس عادتها المحببة في نشر الغسيل، انتهى الوقت سريعًا، اندهشت وهي ترى أن لا زال لديها فائضٌ من المشابك، التي كانت تنفذ قبل أن تنتهي من الأكوام المكدسة حولها، نظرت إلى الحبال وجدتها شبه فارغة، تتناثر عليها بضع قطع من الملابس.
شردت في ذلك الفراغ الذي يتسع من حولها ويبتلعها …
قررت إضفاء تغيير على حياتها، بدأت بأثاث غرفتها، غيرت لون الجدران، اكتفت بسريرٍ واحد بعدما احتوت الغرفة ثلاثة أسرة تشاركتها مع أخواتها لسنوات، تزوجن جميعًا، ورحل الأب وقبله الأم، وظلت هي تستأنس بحب من حولها عن بُعد.
لم تستطع أن تغير في الغرفة أكثر من تلك الأشياء البسيطة، نظرت بضيق إلى خزانة الملابس الضخمة تغطي ثلاثة أركان من الجدار، وجهت لومًا إلى والدها قائلة “إزاي ما يعملش حسابي بالطريقة دي”، ردت على سؤالها بسؤالٍ آخر “هو كان يعرف منين إني هافضل لوحدي؟!”.
نظرت ما تحويه الخزانة الممتلئة عن أخرها بملاءات وفوط وأكواب، لا تدري ماذا تفعل بها!! لامت والدتها التي دأبت على تجهيز العروس وأخواتها منذ كن في الإعدادية، قادها اللوم إلى نفس النتيجة، لو علمت الأم أن ابنتها لن تتزوج لأصابتها الحسرة، وتوفت بها قبل أن يأكل المرض جسدها.
نظرت إلى هذه الأشياء بلا مبالاة، فكرت تستخدمها أو تهديها لأحد، وجدت كثيرًا من الشبه بينها وبين أشيائها، فكلاهما طبع الزمن بصمته عليه، رغم احتفاظه بقيمته. وقفت شاردة على باب الغرفة ذات السرير الواحد، وقد أصبحت أكثر اتساعًا، وقد تمددت وحدتها بنفس حجم الفراغ الذي خلفته الأمتعة. حاولت إيهام نفسها بالسعادة لهذه المساحات الفارغة، شعرت أنها تغرق بداخلها، يتضاءل حجمها، تبتعد، وتبتعد، يبتلعها الفراغ، وترى الناس من هذا الفضاء مخلوقات بعيدة جدًا.
تستمع إلى صوت الهواء يدق عليها الأبواب معلنًا عن ليلة أخرى بلا نوم، تحلم حلمًا مزعجًا، يحاول عقلها إيقاظها، وجذبها إلى الواقع حيث ستجد أختها بجوارها، تستجيب وتفتح عيناها لتجد المكان فارغًا، تزداد مساحة الخوف، ولا تدري أي الخوفين أكبر .. الحلم أم الواقع!!
يا لكثافة هذه السحابة من الحزن، ستفعل كما ينصحونها دائمًا “دللي نفسك، اعزمي نفسك على أكلة حلوة”. دخلت المطبخ وقررت أن تبهج نفسها، لم تتوان والدتها عن تعليمها هي وأخواتها فن الطهي، وكيف تضع قطرات من المحبة، وتطهو جزءًا من قلبها وهي تبتسم، تتحدث إلى الأواني والخضروات، ثم تعطر الجو بعد أن تنتهي، لتمتزج رائحة الطعام برائحة الزهور، ويغمر الدفء أركان المنزل. دون أن تشعر سقطت دمعة في الحلوى المفضلة لوالدها، فاليوم طهت أكثر الأطعمة التي كان يحبها، ويفرح عندما تفاجئه بها، أخفت الدمع لكي لا يتألما، ويشعرا أنها سعيدة وتأكل، وتلون حياتها، وتتحدث إليهما.
وضعت أطباق الطعام، انقطعت الكهرباء كالعادة، أشعلت شمعة، حاولت ابتلاع بضع لقيمات، بصحبة كراسي فارغة، ومنضدة كبيرة، وصمت…
لتشعر بالبهجة كما أخبروها …”.

جريدة القاهرة