أخبار عاجلة

طالع قصة “أوتار مشدودة” من مجموعة ناهد بدوي عن هيئة الكتاب

صدر حديثا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب برئاسة الدكتور هيثم الحاج على، المجموعة القصصية بعنوان “أوتار مشدودة”، للكاتبة ناهد بدوي عن سلسلة كتابات جديدة.

من أجواء المجموعة نقرأ من قصة “كيس العدس” :

عدتُ مبكرا على غير عادتي بعد أن صرفني صاحب العمل؛ لأقضي ليلة العيد في بيتي؛ وكأن هناك من يؤنسني فيه..! حاولت إفهامـه أنـى أفضل البقاء في الورشة لكنه أبى.

كان الشارع مزدحما على ضيقه، ساطعا جـذا أكثـر مـن حاجته، فشارعي الذي تكفي لإضاءته شمعة كانت إضاءات محل المعلم (نور) للفراشة أسفل بيتي تبيت خارجـه منتشـرة، وتقـف عـلى الشرفات والشبابيـك كعصـافيـر مضيئة على طول الشارع وعرضه؛ حتى إنها أضاءت العمارة التي أسكنها من أولهـا حتى آخرها، فأخذت أتذكر شباب العقار: تُـرى عـرش مـن هـذا..؟ لم يهدنـي عـقـلـي للاستدلال لكثرتهم

ولم ينتبه لجلوسي أغرانـي تسـامـر رجـال الشارع بالجلوس بجوارهم على المقهى، أحد لانشغالهم في مناقشة أحداث فيلم قـد شـاهـدوه، الخليج الأولى عندما كان في العراق.. كان العمر شریت كوب الشاي؛ فهذات أعصابي قليلا، وإذا بصبي يدخل المقهى أعرف أنه حفيد أم حسن جارتي في الدور الأول، السيدة التي لا تعرف ما إن كانت أرملة هي أم مطلقة؛ فزوجها قد انقطعت أخباره منذ حرب ي يفرق أكباشا متساوية من الحبوب أغلبها من العدس الأصفر، ووضع احدها، نظمت أنها عادة أم حسن في تهنئة جيرانها بالعيد، فلبني النعاس، وعندما أفق على صوت صبي المقهى يؤرقني لأنصرف؛ لأنه سيغلق المكان بحد تعلیمات صاحبه.

سرت بخطى بطيئة إلى العمارة التي أسكنها، والتي هي بقايا المباني القديمة التي قاربت على الاندثار، والتي جعلتني اكتشف أن صاحب مثل: “للحيطان أذان” كان يسكن إحداها؛ لأن أهالي تلك البيوت لا يؤمنون بالخصوصية، فأن تسكن في شقة منها كأنك قد أجرت حجرة في بيت كبير له حمام واحد، على الجميع أن يطلع على حياتك وعورتـك إن استطاعوا شئت أو أبيت.. الكنني في موقف لا يسمح لي بذلك، معهم قـرابـة العام غريبا، وصـددت كل محاولات التـغـرب والاتصال بينهم على طيبتهم. نعشتُ

دخلت إلى البيت ذي الطوابق الست والسلالم الرخامية الملساء بفعل الاستعمال، فوجدت مدخله مغرفا على آخره بالملح، ففطنت لأن النـور الذي يملأ الشارع قد يكون احتفالا بسبوع أحد أحفاد أم حسن، وهذا يفسر الملح والعدس والنور.

قررت أن أطرق بابها للمرة الأولى مهنئًا لكنها لم تفتح، ل ، لعلها تالية ولكنني لاحظت أنها تعلق كيس العدس على بابها أعلى شراعية الباب
أوتار مشدودة

الزجاجية، وخيوط دخان البخور تتسلل من بين الشقوق، التي صنعتها السنوات في خشب الباب، صعدت إلى الدور الثاني، فوجدت الكيس نفسه معلقا أعلى الباب، والبخـور يملأ المكـان حـتـى كـدت أختـق، وصارت الرؤية حيال ذلك ضبابية، حتى وصلت للـدور الخامس، حيث الحاج شعبان الذي يسكن وابنته الحسناء أسفل شقتي، وسمعت صوته من خلف الباب مجـادلا إياهـا يأمرهـا أن تطفئ البخـور الـذي أصابه بالاختناق، وتنزع كيس العدس الذي لا يمنع الضـر؛ فلو أن عفريت القتيل عاد لينتقم فأولى به أن ينتقم من قاتله وليس منهم، هنـا ارتعدت مفاصلي، وقل عمري عشرين سنة أو أكثر، وكررث: قتيل.. قتيل..؟ ولم أشعر بنفسي إلا وأنا أمام الباب أنتفض وأجاهد؛ لإدخـال مفتاحي في كوته، وأخيرا انفتح فهرعت إلى التلفاز أفتحه؛ لأختار بداءة قناة الذكر فيه، ودخلت إلى الحمام مستعيذا لأغتسل وكلي فضـول عـن هذا القتيل، وفجأة تنبهت لأن ما كان يحكيه الرجال على المقهى لم يكـن فيلا تشاركوا رؤيته..! هناك من ذبح على باب العمارة ليلة العيد، وقبـل أن أخرج من الحمام انطفأ النور فجأة؛ فجف الدم في عروقي، وشعرت بالبرودة تتسلل إلى أطـرافي؛ حتى تخـذرت واستحوذ عـلى شـعـور بالتنميل؛ وكأنني وقعت فريسة لسلالة كاملة من النمل الأحمر يسري في جسدي؛ فالظلام وأنا لا نتفق في أحسن الظروف، فـا بـالكـم يـوجـود جريمة قتل في الشارع..؟!

خرجت أتحسّس طريقي بحثا عنها أرتديه، والظلام يفرض سطوته بلا منازع، وينمي الخيالات في رأسي كالخميرة ولا صـوت يعلـو عـل قرع دقات قلبي؛ فقد انقطعت الكهرباء، وانطفأ الذكر، ونام الجميع ماعداي

جريدة القاهرة