أخبار عاجلة

خيبة أمل.. قصة قصيرة للكاتبة نيللي عبد العزيز

تختص الكاتبة والقاصة نيللي عبدالعزيز، الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب، بنشر قصتها “خيبة أمل”، من مجموعتها القصصية “شجرة التفاح”.

خيبة أمل
“اعتدت جلستي اليومية وحيدة بشرفة جدتي منذ الصغر، كل شيء حولي تفاصيله ثابتة من زمن، نفس واجهات المنازل الباهتة، نفس الطرقات الضيقة، نفس الباعة الجائلين الذين لا يكفون عن الصياح ترويجًا لبضاعتهم الزهيدة، ونفس الشجرة يمين الشارع التي أكاد أجزم بأنها تعرف ما يدور بذهني لشدة الألفة بيننا.
ماتت أمي وعمري ست سنوات، لم يمر وقت طويل حتى تزوج أبي بأخرى، سافرت معه وزوجته الجديدة لإحدى الدول الأوروبية فقد ألزمته ظروف عمله بالإقامة الدائمة هناك، وما هي إلا شهور ورجع بي أبي لمصر تاركًا إياي عند والدته، معللًا الأمر بأن صحتي تأثرت كثيرًا ببرد أوروبا، كما أنه يرى أني لا أرتاح مع زوجته الجديدة ولا أميل لها، ومن الأفضل لي أن أبقى مع جدتي التي أحبها حتى لا تتأثر نفسيتي بالسلب.
عن نفسي لا أتذكر أن صحتي ساءت هناك، كما أني لا أتذكر أيضًا أني اشتكيت يومًا من زوجته أو كانت بيننا أية معاملات من الأساس، لا أعرف إن كنت أحببتها وقتها أم كرهتها، كل ما علق بذهني جيدًا أنها كانت تتجاهلني طوال الوقت ولا توجه لي أي حديث.
جدتي الحنون امرأة بسيطة، كان جُل اهتمامها أن تطعمني جيدًا، أن أكون دومًا نظيفة، أن تطمئن أني أستذكر دروسي بجد، والأهم أن أنام مبكرًا وأستيقظ مبكرًا حتى في الإجازة الصيفية حين كان يأتي أبي لمصر، كان لا بد لي من مراعاة هذه القوانين حتى لا أُغضبها.
كنت أنتظر بشغف هذه الإجازة الصيفية التي يأتي فيها أبي ليقضي معنا عدة أسابيع ببيت جدتي لا لشيء إلا لأنه كان يأتي ومعه أخي الجديد “ياسين”.. هذا الأخ الصغير كان لطيفًا جدًا، تمنيت لو قضيت معه وقتًا أطول، ضحكاتي معه كانت بمثابة متعة مسروقة من زمن بخيل، أما عن زوجته فلا تأتي عندنا إلا نادرًا ولا يأخذني أبي إلى حيث هي أبدًا، عندما وعيت فهمت أنها تكرهني كراهة التحريم، بل أظن أنها تعتبرني جريمة أبي التي لا تغتفر.
طوال فترة المدرسة لم أسعَ لتكوين أية صداقات، بل كنت أصد أية فتاة تقترب مني، كنت أخاف أن تتعرف أية زميلة على ظروفي الأسرية عن قرب، بل كان يراودني شعور بالمهانة لمجرد تخيل فكرة علمهن بأن أبي لفظني بعد موت أمي وتركني وحيدة ببيت جدتي؛ لذا أثرت البعد، وحيدة ببيت الجدة.. وحيدة بالمدرسة.. لا سلوى لي سوى الرسم الذي أعشقه، كانت أمنيتي أن ألتحق بكلية الفنون الجميلة لأعزز موهبتي بالدراسة، وللأسف وقف المجموع حائلًا بيني وبين تحقيق حلمي، توسلت لأبي أن يأخذني معه لألتحق بأية جامعة بالبلد الذي يقيم به لأدرس الفنون مطمئنةً إياه أني على استعداد أن أعيش هناك بمفردي، فرفض متحججًا بأن الحياة بأوروبا لا تناسب فتاة بريئة مثلي، وأنه يخاف عليّ من المجتمع الأوروبي ذي الفكر المتحرر، فأومأت برأسي بما يفيد أني فهمت مقصده، وصلت الرسالة يا أبي، أنت تخاف عليّ من المجتمع هناك وأنا كبيرة مثلما خفت عليّ من البرد هناك وأنا صغيرة، كم أنك أب حنون!
كان القهر وقتها نهرًا يفيض من عيني بغزارة ولكنه لم يرَه أو لعله رآه ولم يبالِ.. كرهت الرسم وكرهت نفسي وشرعت أمزق كل لوحاتي السابقة لكن نفسي لم تطاوعني؛ فدفنتها في صندوق في أبعد مكان عن عيني ودفنت موهبتي معها وتوقفت عن الرسم نهائيًا.
بدأت دراستي بكلية نظرية لم أحلم بها يومًا، وبقيت على حالي ساهمة صامتة عازفة عن تكوين أية صداقات، أنتقل من سنة دراسية لأخرى بجهد بالغ وحماس مفقود، لا أنقطع عن جلستي اليومية بشرفة جدتي، لكن الجديد أني لم أعُد وحيدة، فذات يوم وجدتها تجلس على المقعد المقابل لي، تحدثني وتسمع مني، تواسيني وتشاركني همي، كما أني أسألها وتَصدُقُني، تكرر هذا الأمر يوميًا حتى ارتاحت له نفسي وأصبحت أنتظرها بمواعيد ثابتة وأقلق إذا تأخرت.
لاحظت جدتي الأمر وبدأت تسألني عنها وتلح بالسؤال فلا أجيبها، وفي أول زيارة لأبي لمصر يبدو أن جدتي حدثته عنها فوجدته بدوره يسألني، لم أجِبه بالطبع فهو آخر إنسان له الحق في أن يَطَّلع على أمر يخصني، حتى أخي ياسين لم أصارحه رغم حبي له لأنني أعرف هذه المرة أنه جاسوس أبي.
أصر أبي أن يأخذني معه لزيارة صديق، وافقت على مضض، منذ متى وأنا أشاركه نشاطاته؟! لكنني ذهبت معه حتى يكف عن الإلحاح، من أول لحظة بالزيارة فهمت الخدعة، إنه طبيب للأمراض النفسية، يعتقد أبي دومًا أني غبية، ولكن في الحقيقة الطبيب كان قادرًا على كسب ثقتي من أول جولة فبُحت له بالسر عن ماهية من تشاركني جلسة الشرفة، إنها “خيبة الأمل”.
ولما بدت على وجه الطبيب أمارات التعجب؛ فكررت عليه الجملة.. نعم إنها خيبة الأمل! خيبة أملي في أبي، خيبتي في تحقيق حلمي بأن أدرس فن الرسم، خيبتي في أن أحظى بصديقة، وأخيرًا خيبة أملي في أن أجد قلبًا واحدًا يحتويني ويشعر بي في هذا العالم بعد أمي.
وفي ثاني زيارة له والتي قمت بها من تلقاء نفسي بعيادته استفضت في الحكي وشرحت له كم أنا وحيدة لدرجة البؤس، وأن خيبة أملي فقط هي من تهون عليّ وتشاركني همي حين تتجسد لي يوميًا وتجلس أمامي بشرفة جدتي.
سمعني الطبيب للنهاية مؤكدًا لي أن زيارتها لي ليست هي الحل الأمثل لمشكلتي طالبًا مني أن أنتظم بزيارته واصفًا لي بعض الأدوية.
سافر أبي بعدها سريعًا غير مبالٍ لحالي ظنًا منه أنه فعل ما بوسعه تجاهي.. انتظمت في أخذ الأدوية وزيارة طبيبي، كنت أرتاح للكلام معه وفقط، أما على أرض الواقع فلم يجدِ الأمر نفعًا؛ فما زالت خيبة أملي تزورني بمواعيد ثابتة.
اتفق معي الطبيب ألا أجلس بالشرفة وأن أغير هذه العادة اليومية، فامتثلت لأمره بعض الأيام ولم تهاودني نفسي أيامًا أخرى.. الغريب أن حتى في الأيام التي لم أجلس بها بالشرفة زارتني خيبتي ولكن بحجرة النوم، عندما حدثته بالأمر قال إن الحل الوحيد هو أن أواجهها وأطلب منها بكل قوة أن تنقطع عن زيارتي حتى تشعر أنني أكرهها، ولكن لا بد أن يكون الكلام صادرًا من قلبي، بمعني أن أدرب نفسي على أن أتمنى اختفاءها فعلًا.
الحقيقة لم أجرؤ علي التنفيذ؛ فنفسي تواقة دومًا لزيارتها، أما من ناحيتها فهي كانت تأتي معاتبًة لائمًة لي دومًا على زيارتي للطبيب، هي وهو أعداء على أي حال وأنا بينهما واقعة في حيرٍة من أمري.
في إحدى زياراتي للطبيب طلب مني أن يرى لوحاتي السابقة فأخرجتها من قبرها وأنا أرتجف وحملتها له بقلب منفطر، فانبهر طبيبي برسمي، وحدثني بأن الرسم موهبة أمتلكها بالفعل، وليس كل بارعٍ في الرسم دارسًا له، وأن هناك كثير من الدورات الحرة التي من الممكن أن ألتحق بها لأنمي الهبة التي حباني الله بها، وحذرني من دفنها مرة أخرى لأن الله أهداني هدية ولا بد لي من أن أكون عبدة شكورة لهديته، وطلب مني الرجوع لورقي وفرشاتي.. بعدها حاولت مرارًا وفي كل مرة كانت يدي تتجمد ولا ترسم خطًا واحدًا فكففت عن المحاولة.
وبدأ عام دراسي جديد استقبلته بفتور كسابقيه، وفي إحدى المحاضرات التي أحضرها وأنا شبة منفصلة عن واقعي، استفزني المحاضر بطريقة العدائية في الكلام كما استفزني بمظهره غير المألوف.. اللحية المدببة، غطاء الرأس الأوروبي، وأخيرًا البايب الذي لا يفارقه، فلم أشعر بنفسي حين بدأت أناملي تصوره برشاقة على صفحات كشكولي.. عندما رجعت للمنزل ووقعت عيناي على هذا البورترية شعرت بسعادة كبيرة افتقدتها منذ أن اعتزلت الرسم، واعتبرت ذلك إنجازي الكبير.. إلا أن خيبة أملي قللت من قيمة الحدث عندما زارتني في المساء.
في اليوم التالي حملت البورترية ذاهبة لطبيبي، فكان شديد الفخر بي وأهداني علبة الشيكولاتة الموجودة على مكتبه، كان ألذ مذاق شيكولاتة تذوقتها بحياتي.
أصبح رسم المحاضرين هوايتي، أخيرًا وجدت سببًا محفزًا لحضور المحاضرات.
ذات يوم بعد أن انتهيت من آخر محاضرة وجدت اثنتين من الزميلات تقتربان مني بخطوات ثابتة، فأسرعت الخطى، يا ترى ماذا تريدان مني؟ الجميع يعلم أني لا أتكلم مع أحد، فوجدت إحداهما تسرع نحوي منادية: يا أمل يا أمل، انتظري، إننا زميلاتك بنفس الصف أنا هاجر وهي أميرة.
– فاستجمعت كل جيوشي لأستطيع أن أخرج صوتًا من حنجرتي: نعم، خير!
– قالت أميرة: نجلس خلفك بالمحاضرات ونراقبك من مدة.. إنكِ مبدعة، أين تعلمت الرسم؟
هممت أن أرد بقسوة وأقول لها إنه ليس من شأنكِ لأنهي الحديث وأغادر سريعًا، لولا أني تذكرت نصيحة طبيبي ألا أغلق الباب أمام أية فرصة أُكَون بها صداقات.
– فجاهدت نفسي قائلة: لم يعلمني أحد.
– ردت هاجر: ما شاء الله، إذن أنت موهوبة بالفطرة.
– أضافت أميرة: لِمَ لا تشاركين بمسابقة الرسم المعلن عنها بالكلية؟ بالمصادفة هي بفن البورترية وأنتِ موهوبة جدًا.
– مسابقة! لا لا، مستحيل!
– جذبتني أميرة من ذراعي بخفة وهي تضحك: لماذا؟ سوف أعطيكِ عرضًا مغريًا، سوف أسمح لك أن ترسميني للمسابقة وبالمجان.
نظرت لوجهها فإذا به جميل ومليء بالتفاصيل الملهمة التي تغريني بأن أرسمه، فوعدتها أن أفكر وانصرفت مسرعة.
في المساء زارتني خيبتي محذرة إياي من التعامل معهن لأنهما خطر على حد قولها، فحاولت تجاهلها كما قال طبيبي لكنني وجدت نفسي بدلًا من ذلك أعدها بتنفيذ أوامرها كاملة.
في الصباح وبمجرد وصولي للكلية وجدت هاجر وأميرة مندفعتين نحوي ومعهما شطائر منزلية رائحتها تشهي وتصران أن أشاركهما الطعام، في البداية شعرت أني غير قادرة علي البلع ولكن مع الوقت انجذبت للحديث معهما.. وأخذت أضحك على قفشات أميرة التي لا تنتهي، وبدأت شيئًا فشيئًا أتلذذ بمذاق الطعام، ومر بي الوقت دون أن أشعر به.
ليلتها زارتني خيبة الأمل كاشفة عن وجهها القبيح لأول مرة بعد أن كانت دومًا باسمة، فنفذت أوامر طبيبي باحترافية وتجاهلتها ولم أحاول استرضائها، وهرعت لصلاتي ثم خلدت بعدها للنوم مسرعة كمن يهرب من شبح يلاحقه.
بعد مدة وجدت أن من اللائق أن أُحضر لهما الطعام بعد أن شاركتهما طعامهما كثيرًا، يومها فرحتا بي جدًا وقالت لي أميرة أنه ألذ إفطار تذوقته، بينما سألتني هاجر إن كنت أنا من أعددته، فأجبتها بأنها جدتي، فدعت لها أميرة بالصحة وسألتني إن كانت جدتي تقيم ببيتنا، فازدردت ريقي وسكت لثوانٍ ثم وجدت نفسي أحكي لهما عن ظروفي.
الغريب بالأمر أني لم أشعر بأي غصة أو إهانة كما كنت أظن، والأغرب هو رد الفعل الذي كان أبسط مما كنت أتخيل، إذ صاحت أميرة بمرحها المعهود: رائع، إذن تجمعنا سيكون ببيت جدتك لترسميني، وهاجر تعد لنا الشاي والقهوة، فضربتها هاجر في كتفها وضحكنا جميعًا.
أصبح بيت جدتي مكانا لتجمع ثلاثتنا، مرة للرسم وأخري للمذاكرة ومرات عديدة للدردشة والمرح، أرى جدتي سعيدة بهن وتتفنن في صنع الحلوى إن علمت بقدومهن، كما أظن بأنها المرة الأولى التي يعرف بها البيت صوت البهجة والمرح.
أصبحت أذاكر باجتهاد تحسبًا لأسئلة هاجر المفاجئة، فهاجر طالبة متفوقة، كما أني أنهيت بورترية أميرة.. إنه جميل مثلها! أتمنى الفوز بالمسابقة لأُسعدها لأنها تؤمن بأن فوزي معناه أن وجهها هو وجه الخير.
اليوم رجعت من الكلية مهمومة فلم تأتِ هاجر ولا أميرة، كما أن هواتفهما دومًا مغلقة.. كنت أصعد درجات سلم بيتنا بتثاقل شديد، ولكن ما أن فتحت لي جدتي الباب انقلب همي لفرحٍ يصل لدرجة الجنون! البيت تحول لمهرجان! شرائط ملونة، بالونات وموسيقى، وتورتة صغيرة تتوسط المائدة ومن خلفها هاجر وأميرة بانتظاري.. إنه يوم مولدي الذي لم يحتفل به أحد منذ موت أمي، كان إحساس تعجز عن وصفه الكلمات، مر اليوم كالحلم.
في الليل عندما خلدت للنوم تذكرت شيئًا هامًا جعلني أزور الطبيب صباحًا على الفور.
– أهلًا يا أمل، أهلًا بالفنانة، لكن لماذا يبدو عليكِ القلق؟
– لقد تذكرت بالأمس شيئًا هامًا وددت أن أفصح لك عنه.
– ما هو؟
– خيبة الأمل لم تزُرني ببيتنا منذ أكثر من شهرين على ما أعتقد، لقد اختفت تمامًا، أليس ذلك شيء غريب؟ بل والأغرب أني طوال هذه المدة لم أُدرك غيابها إلا بالأمس، كما أني لم أفتقدها ولم أشعر بالحنين إليها.
– أعلم أنها اختفت فأنت لا تتحدثي عنها منذ مدة، وأعرف أنك لم تلاحظي غيابها كما أنك لم تلاحظي أنك أصبحتِ تقولين بيتنا بدلًا من بيت جدتي.
– وما معني ذلك في رأيك؟
– معناه أنك لم يعد لديكِ خيبة أمل من الأساس حتى تزورك وكل ما لديك الآن هو الأمل نفسه، أما عن البيت فقد شعرتِ بالانتماء له أخيرًا حين شعرتِ فيه بالسعادة.
– هل هذا بسبب العلاج بالجلسات والانتظام بأخذ الدواء؟
– لا، إنه علاج آخر ساقه الرحمن الرحيم إليك بفضله وكرمه متجسدًا في صورة هاجر وأميرة، إنه العلاج بالحب يا أمل”.

 

 

جريدة القاهرة