أخبار عاجلة

غيم أبيض.. ننشر قصة الكاتبة علا عبد المنعم

ينشر الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب قصة “غيم أبيض “، للكاتبة والقاصة علا عبد المنعم.

“غيم أبيض “

“نظرت مستفسرة لتلك المتشحة بالأبيض وقد ناولتها بعض اقراص الأدوية وكوب صغير من الماء، امتعضت من سخونة الماء وطلبت منها ماءً باردا، ظلت الأقراص بيدها بعد أن طلبت الممرضة من مساعدتها الإتيان بماء بارد قبل أن تغادر الغرفة لاستكمال عملها، وضعت الاقراص في جيبها قبل أن تتبادل مع الأباجورة نظرات متعجبة ملؤها التساؤل، مدت اصبعها بتوجس في محاولة منها للتعامل معها لكنها جفلت منتفضة عندما امتلأت الغرفة بالضوء، تركتها على حالها ومضت باتجاه السرير وجلست على حافته وقد بدأت في ارتداء الزي المخصص للصلاة لكنها تذكرت أنها لم تتوضأ بعد، رفعت رجلها لتغسلها على الحوض قبل أن تتذكر أنها لم تمسح على شعرها بل أنها أيضا لم تغسل وجهها أو يديها، تقلصت ملامحها وتكدرت لكنها أكملت وضوءها وافترشت السجادة للبدء في الصلاة، رفعت يديها بالتكبير ثم لاذت بالصمت بعد محاولات متعددة لقراءة الفاتحة لم تستطع أن تمسك فيها سوى بتلابيب “ولا الضالين آمين”، بدأت في سورة الإخلاص بنبرة متحمسة وصوت عالٍ لم يلبث أن تلاشى مع تطاير الكلمات والحروف من ذاكرتها، وعندما لم تجد ما تفعله لتكمل به طقسها المقدس اتخذت قرارا بالسجود انهمرت معه دموعها ودعت ربها بكل ما اوتيت من حروف متناثرة وكلمات مبعثرة، قبل أن تأتيها طرقات سريعة متتالية على باب غرفتها لملمت على إثرها سجادتها ورداء الصلاة ومسحت دموعها على عجل، بابتسامة وديعة قابلت ذلك الطفل الواقف بالباب، زادها نداءه لها يا تيتة تعجبا فوق التعجب قبل أن يدلف مسرعا للغرفة وسط ضحكات ذويه الذين تجهلهم جميعا وربما لم تتذكر منهم سوى الخادمة فتبادلت معها ابتسامات متباعدة طوال جلسة لم تطل سوى لنصف الساعة بكي بعدها الصغير رافضا الانصراف طالبا منهم أن يتركوه بصحبتها ويذهبوا لحال سبيلهم ولما تصاعد غضب الأم من عناده لم يكن هناك بُدّ من التفاوض معه، جثت على ركبتها التي طالما تألمت منهما وقبلته على وجنتيه وتبادلت معه بعض الكلمات الهامسة، وقتها فقط ابتسم ومسح دموعه بظهر كفه وما لبث ان مسح أنفه المنهمر في كُمِ قميصه وأومأ مصدقا على اتفاقهما، تبادلت معه إشارات الوداع من الشرفة بينما يتأهب لركوب السيارة مع والديه تصحبهم الخادمة، رفعت راسها لأعلى فداعبت عيونها أشعة الشمس المنبعثة من بين الغيوم البيضاء المتكاثرة في السماء، وضعت يدها في جيبها التماسا للدفء فاصطدمت ببعض الأقراص الملونة ولما رفضت ذاكرتها اسعافها بالغرض منهم وضعتهم في وسط الطمي المحتضن للزرع واتجهت مسرعة لإحضار كوب الماء الساخن من على المنضدة لتسقيه به”.

جريدة القاهرة