أخبار عاجلة

مجدى الطيب يكتب: «2 طلعت حرب» مصر القمر والشمس والتراب.. والدخان!

•أول فيلم روائى يُقدم تحية لشقق ميدان الثورة ووطنية ملاكها ومستشفى الميدان.

•مزج بين الوثائقى والروائى وقدم شهادة تنبض بالصدق حول أربع حقب من تاريخ مصر.

«2 طلعت حرب» فيلم مصرى فاز مخرجه مجدى أحمد على بجائزة أحسن مخرج فى مهرجان «خريبكة» للسينما الإفريقية، فى دورته الأخيرة، مع شهادة تقدير لنجمه الراحل سمير صبري، كما فاز من قبل بجائزة أفضل أداء تمثيلى «الراحل سمير صبري» وجائزة مؤسسة شباب الفنانين المستقلين، لأفضل فيلم فى الدورة الحادية عشرة لمهرجان الأقصر الإفريقي.

ونظرًا لأن الفيلم لم يُعرض تجاريًا، بل عُرض حصريًا عبر إحدى منصات الأفلام، رأيت أن ألقى عليه الضوء فى هذه السطور.

تدور أحداث الفيلم، الذى كان يحمل اسم «33 قصر النيل»، فى أربع حكايات، فى مكان واحد «عمارة 2 طلعت حرب»، كانت شاهدة على مصر فى أربعة عهود سياسية من تاريخها، بأحداثها الاجتماعية والاقتصادية، بداية من الستينيات وصولًا إلى وقتنا الحاضر؛ حيث توافد على البناية نماذج من البشر، والأحداث، تُلخص كل عهد؛ ففى الستينيات نرى طبيب الأمراض النفسانية «حلمى فودة»، الذى يحضر إلى مصر، عام 1968، ليُعالج شخصية تتعرض لضغوط هائلة، وينصحه بمغادرة الوطن، لكن نصيحته لا تروق لولى الأمر فى البلاد، ويتعرض الطبيب نفسه لضغوط، تصل إلى حد التنصت عليه، لإجباره على كتابة تقرير بأن الرجل انتحر !

هكذا يرى المخرج «الناصري»، ومؤلفة الفيلم هنزادة فكرى، عهد «عبد الناصر»، الذى قدمه بالأبيض والأسود، وإن برع فى حشد التفاصيل الصغيرة، وتوق فى محاكاته التاريخية الدقيقة؛ كالجدران التى كانت تتصدر مداخل البنايات لصد شظايا القصف، وأغانى وإعلانات وأفلام تلك الحقبة «العتبة جزاز»، ومانشيتات الصحف «ظهور العذراء فى الزيتون»، الخواجة بيجو وأبو لمعة، ومظاهرات الطلبة «ممن طالبوا بإعادة محاكمة قادة طيران النكسة»، وحفلات أم كلثوم، وانتحار عبد الحكيم عامر، واعتراف شاه إيران بإسرائيل، لينتقل إلى حقبة «السادات»، ومحمد نوح يُغنى «مدد»، و«علم وإيمان» مصطفى محمود، وحلقات الشعراوي، التى يُحرم فيها الرقص والغناء، بينما يُعلن «السادات» ندمه على قرار الإفراج عن الإخوان المسلمين، وبرنامج «على الناصية »، وسمير صبرى «الحيران مع البنات»، والتنظيمات التى كان يقبض عليها «السادات»، بحجة أنها «شيوعية»، وظهور «مبارك» فى الصورة، وانفتاح «ويمبى وكنتاكي»، وبزوغ نجم فرقة المصريين، وشهرة شارع « الشواربي»، كنموذج صارخ لسياساته الاقتصادية الاستهلاكية، ويظهر أفيش «عفريت مراتي» تحديدًا، وظاهرة «عدوية»، ورحلات القناطر، بينما لبنان يدين الكتائب، ووالد الشاب اللبنانى «نديم» «وسيم الدقاق» يسعى لإبعاده عن لبنان، خشية انضمامه إلى صفوف المقاومة الفلسطينية، فيأتى إلى مصر لزيارة صديقه «أحمد مجدي»، ويقع فى حب فتاة مصرية «سهر الصايغ»، لكن زيارة «السادات» للقدس، وهبوط طائرته فى مطار تل أبيب، تقلب حياة الشاب رأسًا على عقب فيُقرر العودة إلى لبنان، وهناك يستشهد فى حصار بيروت. ولا ينسى الفيلم أن يوصم عهد السادات بأنه «عصر انفتاح السداح المداح»، ليصل إلى عهد «مُبارك»؛ حيث يفترش المتسولون الأرض، وينام أطفال الشوارع على الأرصفة، بينما رأس النظام يفتتح «القرية الذكية»، ويتباهى بدخول «المحمول»، وإطلاق القمر الصناعي، والولوج فى آفاق المستقبل، تاركًا مقاليد الحكم لحفنة من رجال الأعمال، ممن اصطلح على تسميتهم «جيل المستقبل»، يمثلون الدائرة الضيقة، والمُقربة، للوريث جمال مبارك، ومع انتخابات مجلس الشعب، التى يكتسح الحزب الوطنى الحاكم مقاعده، وتعلو الأصوات التى تطعن فى شرعيته، وميلاد فكرة «البرلمان الموازي»، التى يواجهها «مُبارك» باستهزاء ممجوج، ودكتاتورية بغيضة: «خليهم يتسلوا»، وما جرى فى «تمثيلية» الانتخابات الرئاسية، التى ترشح فيها نُعمان جمعة، رئيس حزب الوفد، ضد «مُبارك»، تنتهى الحقبة، التى كان أبرز شخوصها «حسن شحاتة» و«الحضري» و«المنتخب القومي».. ومذبحة «كنيسة القديسين»، لتبدأ حقبة «تمكين» الإسلام السياسي، والحكم الديني، من مفاصل الدولة، عقب السطو على ثورة يناير، وتنحى مبارك.

جماليات السينما

فى إيجاز سينمائى بليغ «مُصحح الألوان كامل البولاقي»، وتكثيف بصرى مُرهف «مديرا التصوير محسن أحمد وعاطف المهدي»، نجح المخرج مجدى أحمد على فى صنع فيلم حافظ فيه على مُحاكاة أزمان عدة؛ بديكوراتها واكسسواراتها «أحمد عباس صابر» وملابسها «مروة وحيد»، وطُرز معمارها وموديلات سياراتها، كما نجح، وهو الأهم فى تلخيص المشهد السياسى بدقة؛ بحيث يُصبح بمقدور المتابع أن يضع عنوانًا لكل حقبة سياسية؛ فالحكاية الأولى تحمل اسم «القمر» «القاهرة 1968»، والعنوان يحمل إسقاطًا على أغنية عبد الحليم حافظ، والثانية «الشمس» «القاهرة 1977»، والثالثة «التراب» «القاهرة 1982»، والرابعة «الدُخان» «القاهرة 2004»، التى ظهر فيها مالك العمارة «سمير صبري»، الذى ثمّن المخرج من خلاله جوهر، ومعدن، الإنسان المصري، الذى يرفض أن يبيع، أو يُفرط، أو يُهاجر، بينما يتردد فى الخلفية نشيد «اسلمى يا مصر». وطوال أحداث الفيلم يمزج المخرج بين الوثائقى والروائي؛ ويدعم رؤيته بكم من الوثائق المرئية والصوتية؛ سواء الخُطب الرئاسية أو الإعلانات واللافتات والشعارات، وأحسن صُنعًا عندما أبقى على شخصيتى ابن البواب «شهاب العشري»، ووالده «شريف الدسوقي»، كشاهدى عيان على ما جرى من أحداث ومتغيرات وتقلبات عاصفة عاشها الوطن. وفِى سابقة لم تحدث سوى فى الأفلام التسجيلية التى وثقت لثورة يناير، قدم الفيلم تحية لشقق ميدان الثورة، ووطنية ملاكها، الذين لم يذكرهم أحد من قبل، وكذلك مستشفى الميدان، و«النت» المقطوع «بفعل فاعل»، فضلًا عن الأغانى الثورية، التى كانت تتردد فى الشقة، والمظاهرات التى تطالب بسقوط دولة الإخوان، مستعينة بشعارات عبد الناصر: «عبد الناصر قالها زمان الإخوان مالهمش أمان».. وشهداء الثورة، الذين دفعوا ثمن ثورة نبيلة سرقها من كانوا يؤمنون أن «الخروج على الحاكم حرام» !

«2 طلعت حرب» فيلم مصرى صميم، أبدعه مخرج مهموم، ومُحب لوطنه، ولهذا لم أستغرب أن تحبه لجنة تحكيم «خريبكة»، والأقصر من قبل؛ فهو يقدم وثيقة، وشهادة للتاريخ، ويتحدث بلسان الناس، وإن ارتفع صوته الغاضب أحيانًا، لكنه خاطب المشاعر والعقول. ويكفي، للدلالة على إنسانيته، كمخرج أنه أهدى الفيلم إلى طارق التلمسانى.

جريدة القاهرة