أخبار عاجلة

محمد طارق يكتب: كوستا برافا.. أو كيف تصل النفايات إلى قلب الجبال؟

بعد فيلمها القصير «غواصة» «2016» الذى تعرض لقضية النفايات فى لبنان، تعود منية عقل بفيلمها الطويل «كوستا برافا» الذى يتعرض لذات الأزمة، لكن مع تعمق فى النظر إلى المجتمع اللبنانى من خلال قصة أسرة بدري. الأسرة التى فرت من التلوث الخانق فى بيروت إلى بيت جبلى معزول، خالقة لنفسها ملاذ بيئى آمن، نوع من يوتوبيا يضمن للأسرة هروبًا من كل مشاكل المجتمع التى تنتمى إليه. عاشوا لسنوات فى بيئة طبيعية، وخلقوا نظامًا مختلفًا لحياتهم خارج أسراب المجتمع، تبدو فكرة ثورية للغاية! لكن، مع توغل أزمة القمامة فى بيروت، تقرر السلطات بناء مكب نفايات بجوار المنزل، الأمر الذى يفسد صفو معيشة الأسرة ويدفعها لمواجهة الواقع القميء مجددًا.

تتكون الأسرة من أب وأم وابنتين إحداهن مراهقة والأخرى طفلة، إضافة إلى الجدة، وأخت للأب تعيش بالخارج. بينما يتضمن موقع مكب النفايات مدير موقع شاب، الذى يحاول مغازلة الابنة المراهقة، وعمال. يمتلك الفيلم مستويين للقراءة، فعلى السطح حكاية عن أسرة تحاول عيش حياة هادئة بسيطة بعيدًا عن بلد مثقل بالأزمات، لكن المستوى الأعمق للقراءة هو أن ظهور المكب بجانب المنزل هو محفز درامى لكشف حقائق الأمور، فبقدر ما يبدو الأمر ثوريًا، إلا أن قرار الأب بالانتقال من المدينة إلى الجبل، هو قرار سلطوى عازل لأفراد أسرته عن حياتهم، وخاصة الابنتين، اللتين لم تريا ما يكفى للحكم على حياة المدينة.

من خلال الاحتكاك بين أفراد الأسرة وشخصيات الموقع، تتكشف مزيد من الرغبات والأسرار، المختبئة خلف واجهة الأسرة السعيدة، نكتشف تاريخ الأم التى امتلكت مسيرة إبداعية أجهضت بسبب قرار الانتقال، ورغبات الابنة المراهقة فى الحب، وحتى الجدة التى تبدو سعيدة بتجاذب أطراف الحوار مع عمال الموقع. على الجانب الآخر، هناك الأب الخائف حد الذعر من العودة إلى بيروت، والابنة الصغرى العنيدة، والأخت اللامبالية بلبنان ككل. تشريح مفصل للمجتمع من خلال دراما تبدأ بأزمة نفايات.

يذكرنا الفيلم بعض الشيء، بـ«ناب الكلب» لليونانى يورجوس لانثيموس، حتى وإن بدا فيلم الأخير أكثر تجريدًا، لكن كلا الفيلمين يتعرضان لحال الأسرة المعزولة بسبب الخوف من شيء ما بالخارج، ورغم النوايا الطيبة تظهر ديناميكيات سلطة المجتمع مجددًا داخل تلك الأسرة، رغم محاولات الفرار، وكأنها دورة سيزيفية، تحاول النجاة من شيء ما، تهرب إلى مكان آخر، فقط لتكتشف أن ذلك الشيء بداخلك.

كوستا برافا فيلم له خصوصيته من ناحية تعرضه لقضية تخص لبنان، لكنه على الناحية الأخرى يبدو مفهومًا للعالم بأسره، من ناحية تعرضه لحال تلك الأسرة، التى تعرض ديناميكيات المجتمع ذاته، وتفككه. فيلم يبقى فى مخيلتك ويثير بداخلك الأسئلة أكثر مما يقدم الإجابات، ناهيك عن مدى جودة صناعته التقنية، كل ذلك يجعل الفيلم قطعة فريدة فى مسيرة مخرجته والسينما العربية الحديثة بأسرها.

* المقال منشور بجريدة القاهرة

جريدة القاهرة