أخبار عاجلة

وزيرة الثقافة عن جابر عصفور: إنجازاته على الساحة العربية عظيمة وخالدة

تحت رعاية الدكتورة إيناس عبد الدايم وزيرة الثقافة المصرية، افتتح المجلس الأعلى للثقافة بأمانة الدكتور هشام عزمى صباح اليوم الملتقى الدولى “جابر عصفور.. الإنجاز والتنوير”، وذلك فى تمام الحادية عشرة والنصف صباحًا بقاعة المجلس الأعلى للثقافة.
بدأت الدكتورة إيناس عبد الدايم كلمتها بأن عام 2021 أبى أن يمر دون أن يفجعنا بخبر شديد الحزن، وهو رحيل المفكر العظيم الدكتور جابر عصفور، لينهي بهذا الخبر رحلة طويلة لحياة مفكر من طراز فريد كانت حياته كثيرة الجوانب والتصنيف، فهو الأكاديمي، والمفكر البارز الذي أثرى المكتبة العربية بكثير من كتب النقد، وهو أيضًا المترجم الفذ.
وعن القيادة قالت إننا لا نستطيع أن ننسى إسهاماته في العمل القيادي بوزارة الثقافة كأمين للمجلس الأعلى للثقافة، ومدير للمركز القومي للترجمة، ووزير للثقافة، وقد استطاع في كل فتراته تلك أن يعطي دروسًا في فنون الإدارة.
مشيرة إلى إجماع المثقفين على أن رحيل جابر عصفور سيترك فراغًا لن يشغله غيره، لذا لم يكن من المستغرب أن تأتي كل تلك الكوكبة من رفاقه وتلاميذه اليوم، والذين استشعروا فداحة الخسارة.
مؤكدة أن ملتقى اليوم ما هو إلا اعتراف وتقدير من وزارة الثقافة لمكانة وقيمة هذا الرجل، واعتراف بدوره في مصر والعالم العربي، وستبقى إنجازاته وبصماته في الساحة الثقافية خالدة على مر العصور تشهد لمسيرة عمل مشرف وعظيم.
وتحدث الدكتور هشام عزمي الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة قائلًا:
نجتمع اليوم لنحتفي بالأستاذ الدكتور جابر عصفور … تلك الشخصية المتفردة التي احتلت مكانةً خاصةً في الثقافةِ المصريةِ والعربيةِ… والتي امتد تأثيرُها ليتجاوزَ حدود مصر إلي العالم العربي الكبير من محيطهِ إلي خليجهِ.. ولم يكن هذا التفرد يقينًا محض صُدفةٍ٬ بل كان نتاجًا لمشوارٍ طويل من العمل الدؤوب والجهد المخلص والفكر الجاد المستنير٬ حتى تبوأ مكانته كواحدٍ من أبرز وأهم المثقفين والمفكرين العرب خلال العقود الخمسة الأخيرة. ويقينًا٬ لقد ترك رحيل الدكتور جابر عُصفور فراغًا استشعره كل منتسبي المشهد الثقافي المصري والعربي٬ وبخاصة زملاءه وتلاميذه ومحبيه٬ بل كل من عرفه واقترب منه وأفاد من مشروعه الفكري والثقافي.

ويشهد هذا الملتقى حضورِ كوكبةٍ من المثقفين والمفكرين الذين جاؤوا من كل حَدبٍ وصوب… من مصر ومن والبحرين وتونس والجزائر والسعودية والسودان ومن سوريا والعراق وفلسطين والكويت ولبنان وليبيا والمغرب واليمن ومن. جاؤوا جميعُهم تكريمًا لهذا الرمز الثقافي الكبير وتقديرًا لدورهِ ومكانته.
مؤكدًا أن مآثر الراحل كثيرة إنجازاته٬ فهل نتحدثُ عن جابر عُصفور التنويري البارز الذي آل على نفسه استكمال جهود التنويرين الأوائل محمد عبده وطه حسين وقاسم أمين وغيرهَم. في فترة حرجة مر بها الوطن٬ فكتب الكثير عن قضية التنوير راصدًا لمحنتةِ٬ ومدافعًا عنه٬ ثم خطَ بهوامشه على دفترهِ… ليُكرس جزءا كبيرا مشروعه الثقافي مؤكدًا على هُويةِ مصر الثقافية وعلى أهميةِ التواصل بين الثقافات والحضارات .. وعلى حتمية قَبول الآخر؟٬ أم نتحدث عن الأستاذ الأكاديمي صاحب الرصيد الزاخر بالدراسات الأدبية والنقدية؟ ٬ أم نتحدثُ عن الناقدِ الكبير صاحب التأثير البارز في مدرسةِ النقدِ الجديد٬ أم نرصدأعمال هذا المترجم القدير صاحب الترجمات العميقة الرصينة؟ …وهذا فيضٌ من غيث.

ولقد كان منطقيًّا أن تلقي هذه الإنجازات عظيم التقدير وأن تحظى بالعديد من التكريمات من أهم المؤسسات الثقافية داخل مصر وخارجها تثمينًا للدكتور جابر عصفور ومُنجزه الفكري، فمن جائزةِ أفضل كتابٍ في الدراسات النقدية من وزارة الثقافة المصرية٬ إلى جائزة أفضل كتابٍ في الدراسات الأدبية من مؤسسة الكويت للتقدم العلمي٬ إلى أخرى لأفضل كتابٍ في الدراسات الإنسانية من معرضِ القاهرة الدولي للكتاب٬ إلى جائزة سلطان بن على العويس الثقافية لأفضلِ كتابٍ في مجال الدراسات الأدبية والنقد. لتتوج تلك المسيرةُ الحافلة بحصولهِ على أرفعِ جائزة تمنحها الدولةُ المصرية لمثقفيها ومبدعيها٬ جائزة النيل في الآداب٬ منذ ثلاث سنوات خلت وفي هذه القاعةِ نفسِها.

وكان التكريم الأخير الذي لم يتم تسليط الضوء عليه، هو ذلك التكريم الذي منحه إياه منتدى الجوائز العربية كأحد رواد الجوائز العربية في قبل أسابيع من رحيله، والذي شرُفت فيه بتسلم الجائزة نيابةً عن سيادته من صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل رئيس المنتدى في حضور كوكبةٍ من المثقفين والمفكرين العرب بالرياض في أكتوبر الماضي.

مشيرًا أن الدكتور عصفور قضى جزءًا كبيرًا من حياتهِ المهنية داخل جدران هذا الكيان العريق٬ المجلس الأعلى للثقافة٬ أمينًا عامًا له لنحو سبعة عشرة عامًا، وحيث إنني أشرُف اليومَ بتحملِ المسؤوليةَ ذاتَها٬ فأمانةُ الكلمة تقَتضي أن أُسجلَ أن الرجلَ قد وضعَ بصمةً متميزةً على المجلس خلال تلك الفترة الطويلة٬ إداريًّا ومهنيًّا، فقد عِملَ على ترسيخ دعائمِ المجلس الأعلى للثقافة وأركانهِ ليؤكد مكانتهَ كأهم كيانٍ مؤسسي ثقافي في مُحيطة العربي والإقليمي. كما أضحت مؤتمراتهُ الدوليةُ في الروايةِ والشعرٍ التي تنعقدُ دوريًّا من الأحداث الثقافية الكبرى٬ وغدت قبلةً للمثقفين والمبدعين العرب. في جِلساتها وندواتها يجتمعون٬ يتحاورون ويتناقشون في كل مناحي الشأن الثقافي بُغية دعمه وتطويره. ولقد كان للدكتور جابر عصفور إسهاماته البارزة في عدد من المؤتمرات والمُلتقيات التي استحدثها وما تزال تقترن باسمهِ حتى وقتنا هذا.

وكان جابر عصفور صاحبُ مشروع الترجمةِ الأكبرِ من نوعه في العالم العربي٬ ربما منذ عصر الخليفة المأمون العصر العباسي٬ … المشروع القومي للترجمة٬ الذي شهد ترجمة آلاف العناوين في شتى المجالات العلمية والفنية والإبداعية والتي شكلت إضافة ثرية للمكتبة العربية٬ هذا المشروع العملاق الذي عُد اللبنةَ الأولى للمركز القومي للترجمة الذي كان هو صاحبُ فكرتهِ ومؤسسهِ ثم أصبح مديرًا له. كما استحدث الدكتور جابر عصفور عددًا من الجوائز الأدبية الكبيرة٬ لعل من أهمها جائزة نجيب محفوظ للروايةٍ التي أضحت واحدة من أهم وأبرز الجوائز في مجالها. وهي مُمثلة المجلس الأعلى للثقافة في منتدى الجوائز العربية مع جائزة النيل للمبدعين العرب.

واختتم كلمته قائلاً: ربما يكون الجسدُ قد رحل٬ لكن اسم جابر عُصفور سيظل باقيًا في قلوبِ كل من عاصره أو زامله .. أو نهل من علمه أو أفاد من مشروعه الثقافي وفكره ومنهجه .. وهم كُثر… وما قدم هو أيضًا كثير.

وألقت الدكتورة هالة فؤاد (أرملة الراحل الكبير) كلمة الأسرة قائلة فيها:
دعوني أتجاوز كل الأشكال الرسمية لأنني أود أن تكون تلك الجلسة جلسة أسرية تنطوي على الدفء الإنساني، فجميع من في هذه القاعة أصدقاء الراحل العظيم ورفاقه وتلاميذه.
في العادة من المفترض أن أقدم الشكر للقائمين على هذا المؤتمر، ولكن هذه المرة الموقف مختلف، فكيف أشكر البيت على تكريم صاحبه؟
فعصفور هو من منح هذا المكان القيمة، وجعله قبلة للمثقفين العرب، وعمل على استعادة مصر من خلاله مكانتها بين شقيقاتها من الدول، وإني في هذا المقام أشكر القائمين على هذا الجهد الذي قاموا به سواء الصديقة الدكتورة إيناس عبد الدايم وزيرة الثقافة، أو الصديق الدكتور هشام عزمي، أمين عام المجلس، فجميع القائمين على هذا المؤتمر إما رفاق أو تلاميذ جابر عصفور، والذي علمهم إتقان الجهد والمثابرة.
أما مؤسسة العويس فأرى أن من المنطقي والطبيعي أن تكون تلك المؤسسة من أوائل المشاركين في تكريم جابر عصفور، فهذه المؤسسة تنطوي قيميًّا على الاحتفال بالقيمة، وتحتفي بمن نالوا جوائزها، ومنهم جابر عصفور.
كان لا بد من إعلان سعادتي وسعادة الأسرة، وبخاصة أحمد جابر عصفور الذي هو خير خلف لخير سلف عظيم.
وأشارت فؤاد إلى الكتابات التي تمت بعد رحيل عصفور، وما أكثرها، وسوف يتم جمعها قريبًا في مطبوعات، وأخص بالذكر أربع مطبوعات أولاها عن دار المدى جمعها فخري كريم، وكتاب “حارس التنوير”، جمعها علي السعدي من العراق، وكتاب الدكتور طارق نعمان “خطاب عصفور النقدى.. قراءات تأسيسية” وقد التقط هذا المشروع نقاطًا جوهرية في مشروع جابر عصفور الثقافي، وعلاقة الناقد الأدبي بالفلسفة وبالمنجز الفلسفي.
والمطبوعة الثالثة مجلة فصول التي يرأس تحريرها الدكتور حسين حمودة، وهذا العدد بعنوان “الرحيل والإقامة”، وهو عدد شديد الجدية ويحتاج حلقة نقاشية خاصة.
كان عصفور علامة مائزة في زمانه، بل ترك مدرسة ضخمة من التلاميذ في مصر والعالم العربي كله، فالرجل مقروء بكثافة من الشبان والأجيال التي عاصرته، وله تلاميذ في تخصصات متعددة وبينية.
ولا يغيب عنا الدور الذي لعبه جابر عصفور في إنشاء المركز القومي للترجمة الذي أنجز حتى الآن ما يقرب من 3000 عنوان، وكان شعار عصفور في حياته: أنا أكتب إذن أنا موجود.
لم يكن جابر زوجا وحبيبا فقط، بل كان رفقة العمر الجميل وهو الأستاذ الذي أدين له بالفضل، ووفاء بديني لهذا الرجل الاستثنائي بكل ما في الكلمة من معان أعلن اليوم عليكم الاستراتيجية الثقافية التي أعدها الراحل العظيم مع فريق عمل عظيم، ولا أستطيع قراءتها كاملة لأنها تنيف على 50 صفحة، وسوف تطبع قريبًا، ولكنني أتوقف عند أهم بنودها؛ وأهم نقطة هي كيف تم بناء تلك الاستراتيجية، وقد وضعها عصفور مع فريق كبير عام 2015، ومنهم: الراحل السيد يسين، وطارق النعمان، وعماد أبو غازي، وجمال غطاس، وأحمد عاطف، وسعيد المصري، وأنور مغيث، والراحل سيد حجاب، وسمير مرقص، وكثيرين.
وتم هذا وفقًا لحوارات جادة مع المثقفين وجمعيات المجتمع المدني، وأهم فكرة في الاستراتيجية ليست صناعتها، وإنما المنظومة الثقافية، فعمل كهذا يحتاج إلى التعاون، وقد تم إبرام بروتوكولات مع 16 وزارة، لتأسيس مجموعة وزارية ثقافية، مثلما حدث في التنمية الاقتصادية، وأقيمت الاستراتيجية على “SWOT Analysis”، لتحليل الوضع الراهن.
واختتمت فؤاد حديثها بأبيات كان يرددها الراحل من ديوان صلاح عبد الصبور “أحلام الفارس القديم”:
صافيةً أراكِ يا حبيبتي كأنما كبرتِ خارجَ الزمنْ
وحينما التقينا يا حبيبتي أيقنتُ أننا
مُفترقانْ
وأنني سوف أظلُّ واقفاً بلا مكانْ
لو لم يُعدني حبُّكِ الرقيقُ للطهارةْ
فنعرفُ الحبَّ كغصنيْ شجرةْ
كنجمتين جارتينْ
كموجتين توأمينْ
مثل جناحَيْ نورسٍ رقيقْ
عندئذٍ لا نفترقْ
يضمُّنا معاً طريقْ
يضمّنا معاً طريقْ.
وألقى الدكتور جمال الشاذلي، نائب رئيس جامعة القاهرة لشؤون التعليم والطلاب، كلمة جامعة القاهرة، نائبًا عن رئيس الجامعة الدكتور محمد عثمان الخشت، قائلًا:
إن الدكتور جابر عصفور إذا كان قد رحل بجسده، فإن فكره سيظل باقيًا، ومسيرته العطرة الغنية تكشف عن ثراء منقطع النظير، فجامعة القاهرة تفخر بأن الراحل العظيم أحد أبنائها الأوفياء، فعندما شرعنا في عمل “وثيقة التنوير” بجامعة القاهرة كان عصفور أحد رموزها، فلا يمكن التحدث عن التنوير دون ذكر جابر عصفور.
ثم قرأ بعض بنود تلك الوثيقة، ومنها: عد التعصب لتيار ضد آخر، وتأكيد هوية مصر المستنيرة القائمة على قيم التعايش وتقبل الآخر، وكذلك تحديد مفهوم التنوير، وتكوين خطاب ثقافي ديني جديد، إضافةً إلى تأسيس تيار عقلاني مقاوم للتطرف، والانفتاح على التيارات العالمية، وكذلك بناء نسق علمي مفتوح ومتحرر، في مقابل أنساق جامدة تعوق الإبداع، وبناء بيئة علمية تحفز روح الاكتشاف والإبداع لتختفي معها الطرق القديمة الموصومة بالحفظ والتلقين.
وألقت فاطمة الصايغ، عضو مجلس أمناء مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، كلمة المؤسسة، قائلة:
لقد سبق للمؤسسة أن تعاونت مع المركز القومي للترجمة في ندوة بعنوان “الترجمة وتحديات العصر” في العام ٢٠١٠، وكان لها صداها الإيجابي لما خرجت به من أفكار وتوصيات هي موضع تطبيق هذه الأيام، وهو ما يؤكد قيمة الندوات المشتركة التي تنظم بالتعاون مع مؤسسات مماثلة، حيث تعم الفاىدة وتنتشر المعرفة بشكل اوسع وأسرع، ولطالما كان لمؤسسة العويس هذا النوع من الأنشطة خارج دولة الإمارات العربية إيمانا منا بقوة وقيمة الفعل الثقافي الذي يتجاوز الجغرافيا، لأن الثقافةلا تقف عند الحواجز والحدود.
في هذا الملتقى الدولي عن “جابر عصفور.. الإنجاز والتنوير”، الذي ينظم بالتعاون مع المجلس الأعلى للثقافة هنا في القاهرة تأكيد آخرلقيمة العمل الثقافي المشترك النابع من رغبة أكيدة، وبخاصة أن الاحتفاء يطال شخصية ثقافية واسعة الطيف عربيا، حيث كان الراحل جابر عصفور ضميرًا ثقافيًّا، وتنويريًّا عربيًّا، وقد أثر حضوره في كثير من مفاصل العمل الثقافي داخل مصر وخارجها، وكان له حضور فكري متميز في المحافل الثقافية، وكذلك الأكاديمية، ما جعل منه قيمة مضافة استحقت التقدير والعرفان.
وفي الختام أعلنت الدكتورة هالة فؤاد عن نية الأسرة في أن يصير منزل الراحل جابر عصفور في مدينة 6 أكتوبر مكتبة ثقافية لطلاب الدراسات العليا، وكذلك لإقامة الندوات والأمسيات الثقافية.

جريدة القاهرة