أخبار عاجلة

أول مايسترو سيدة فى مصر والوطن العربى إيمان جنيدى: تكريم «انتصار السيسى» أنقذنى من الإحباط

حوار – ابتسام أبو الدهب

«الفن رسالة وليس مجرد موهبة».. عندما نسمع أو نقرأ تلك الجملة ربما نشعر أنها ليست أكثر من «كليشيه» يتكرر دائما، لكن هناك نماذج حقيقية تؤكد صدق تلك المقولة.
المايسترو إيمان جنيدي، أول قائدة أوركسترا فى مصر والوطن العربى، والتى خاضت طريقا طويلا من التعب والكفاح وصولا للنجاح، بداية من نشأتها فى صعيد مصر وتحديدا بمحافظة بنى سويف، ومرورا برفض المجتمع ومن حولها لفكرة عملها فى الموسيقى كسيدة أولا وكقائدة لفريق من الرجال ثانيا. كل ذلك لم يمنعها عن مواصلة طريقها وكما تقول: «ضربت بكلامهم جميعا عرض الحائط».
فى مارس الماضى، كرمت السيدة انتصار السيسيى، قرينة الرئيس عبد الفتاح السيسى، إيمان جنيدى فى احتفالية يوم المرأة المصرية، وذلك تقديرا لمسيرتها الفنية وتميزها، وللمشوار الصعب الذى قطعته.
فى هذا الحوار، سنتعرف عن قرب على قائدة الأوركسترا والصعوبات التى واجهتها وكيف استطاعت تخطيها، وسنتحدث معها حول مشروعها الخاص بتبنى المواهب ودعمهم، وما الذى تحتاجه قرى الصعيد لتكون أكثر انفتاحا على الموسيقى والاحتفاء بالمواهب خاصة الفتيات منهن.
نشأتك فى عائلة تحب الموسيقى أثرت فى مشوارك الفنى بالإيجاب، ولكن وجودك فى الصعيد كان عائقا لكِ، فما هى الصعوبات التى واجهتك؟
كانت نشأتى فنية رغم أننى من عائلة لم تمتهن الفن، لكنهم أحبوا الموسيقى وقدروها، فكانوا يجتمعون بشكل أسبوعى فى جلسات سمر فنية تتنوع بين العزف على العود والغناء وإلقاء الشعر، وشهدت أنا ذلك الشغف وأحببت مثلهم هذا العالم وتأثرت به وقررت الدراسة فى كلية التربية الموسيقية، ومع الوقت أصبح طموحى يزداد حتى كونت فرقة خاص بي، وأصبحت أول سيدة تعمل كمايسترو فى مصر وعلى مستوى الوطن العربى.
الطريق لم يكن سهلا، فرغم أن بنى سويف لا تبعتد كثيرا عن الجيزة إلا أنها تظل «صعيد». ففى البداية، كنت أعمل موجه تربية موسيقية، وكان زملائى فى العمل ينتقدوننى لكونى سيدة ولكونى مايسترو وأمارس الموسيقى ويتساءلون باستنكار كيف أقود فريقا من الرجال، ويرون أن الموسيقى حرام من الأساس، ولكنى لم ألتفت إليهم وضربت بكلامهم عرض الحائط واعتبرت آرائهم تلك مجرد أفكار رجعية وازداد تصميمى على النجاح.
كيف تعاملتِ مع الأمر وتغلبت على تلك الصعوبات؟
كنت قائدة فرقة الموسيقى العربية ببنى سويف، وعندما قررت تكوين فرقتى الخاصة التى أطلقت عليها اسم «المايسترو»، عام 2011، واجهتنى عقبات تخص ضم فتيات للفرقة، فقد كانت صعوبة بالغة أن أضم خمس فتيات مثلا. كنت ألجأ للتعرف على عائلاتهن ومصاحبتهن حتى يثقوا بى ويوافقوا على تعليم فتياتهم. كنت أخاف عليهن كأولادى بالضبط وأقدر ما يمررن به، واصطحبهن من بيوتهن بنفسى للتدريب حتى تطمئن أسراتهن ويوافقون على استمرارهن. صعوبة أخرى واجهتها تخص ندرة الآلات الموسيقية مثل القانون والناى والتشيلو والكونترباص، حيث لا يوجد ببنى سويف كليات تربية موسيقية أو تربية نوعية موسيقى، فكان هناك نقص شديد وعجز فى الآلات والعازفين أنفسهم، وعندما كان يغيب عازف أو تتعطل آلة لا أستطيع إيجاد بديل، فحاولت بقدر المستطاع جلب العازفين من بيوتهم وأن أقلهم بسيارتى لمكان التدريب والبروفات لضمان حضورهم.
حاليا، انتِ مستقرة بالقاهرة، فهل بنى سويف كانت مجرد بداية فقط أم ستستمرين فى دعم المواهب هناك؟
ضممت المتميزين على مستوى المحافظة وانطلقت بهم وبدأت بعرض ثم توالت العروض بعد ذلك، لكن استكملت الفرقة من القاهرة نظرا للمشقة التى كنت أعانيها، واستقريت هنا وبدأت مسيرة أخرى موازية لعملى الفنى وهى الاهتمام بالمواهب ودعمهم واختيار الموهوبين منهم وإعطائهم الفرصة، حيث أقيم ورش للغناء وأدرب فى أكثر من مكان، منهم بيت المايسترو بالزمالك. يتواصل معى الكثيرون وأفتح بابى لهم دائما، فإذا كان الشخص موهوبا وصوته أو عزفه جيدا أبدأ فى تدريبه وإذا تميز أضمه للفرقة، وإذا كان عنده نقاط ضعف كثيرة يحتاج أن يتدرب عليها، أوجهه للتدرب على يد متخصص فى تلك النقاط، وأتابع معه وهو يتطور حتى نصل لنتيجة مُرضية، وذلك لأننى لا أحب إحباط أى شخص ولا أريد أن يعانى غيرى مثلما عانيت فأحاول تسهيل الطريق لهم بقدر المستطاع وإعطائهم ثقة.
أما بالنسبة لدعم المواهب فى المحافظات، فأحاول دائما، لأننا نحتاج للاهتمام بالموسيقى فى القرى والأرياف، وأحيانا أكثر من المدن لأن الأخيرة بها مدارس قد تقدم حصصا للموسيقى ويوجد بها مدرسو موسيقى، ولكن فى الأرياف الأمر مختلف فهناك لا يوجد مراكز تدريب ولا يوجد اهتمام بحصص الموسيقى والآلات لا تكون متوفرة، والمدرسين أو المدربين أنفسهم – كما ذكرت من قبل – قليلون، لذا يجب توجيه اهتمامنا لتغيير الأمر لأن الموسيقى تُخرج الناس من جمودها الفكرى.
كيف تلعب نوعية الموسيقى المقدمة دورا فى تلقى الناس لها تفاعلهم معها؟
فى المحافظات مثلا، أولياء الأمور هم من يقفون عائقا فى طريق أولادهم الموهوبين وخاصة إذا كانوا فتيات، عندها لا بد من تقديم نوعية موسيقى يستطيعون تذوقها لاكتساب ثقتهم وليتأكدوا أن ما نقدمه له قيمة، فعلى سبيل المثال عندما أدرب فى الريف أحاول تقديم أغانى وطنية ودينية كالابتهالات والموشحات، وأيضا الأغانى القديمة التى يرتبط بها الأهالى ونشأوا عليها مثل أغانى أم كلثوم ووردة ونجاة وغيرهم، فعندما يروا أولادهم يقدمون ذلك النوع الذى يفهموه ويحبوه فلن يمانعوا تدريب أولادهم بلا شك بل سيشجعوهم على التعلم أكثر.
يجب أن نكتسب تلك الثقة أولا حتى نستطيع تنمية المواهب بعد ذلك دون أى تدخلات أو رفض. ودائما أعتقد أننا نحتاج لاختراق القرى فى المحافظات واكتشاف المواهب فيها لأنها كثيرة للغاية ولا حصر لها.
أطلقت وزارة الثقافة فى الفترة الأخيرة عدة مهرجانات موسيقية فى المحافظات، هل سنرى المايسترو الفترة المقبلة تقود حفلات مع الوزارة؟
بداية، أشكر الدكتورة إيناس عبد الدايم، وزيرة الثقافة، على اهتمامها بالموسيقى والفن فى الأرياف لأن ذلك يساعد على توسيع المدراك وتقبل المفاهيم الأخرى بشكل عام، وبلا شك إذا أسندت إلى هذه المهمة لن أتاخر أبدا، لأن الأمر تحول معى إلى واجب ورسالة فنية يجب إيصالها على أكمل وجه، والأمر ازداد أكثر بعد تكريمى من السيدة انتصار السيسى.
حدثينا عن هذا التكريم..
جاءنى التكريم فى وقت كنت أشعر فيه بالإحباط وأفكر بالتوقف، ولكن عندما أبلغونى بالأمر شعرت بدافع وحافز للمواصلة وفكرت قليلا: «كيف أتوقف والدولة رأتنى واهتمت بتكريمى وقدرت مجهودى الذى بذلته بعد مشوارى الطويل الذى لم أجد فيه الدعم الكافى خاصة وأننى تفرغت للفن ووهبته كل وقتى ومجهودى». بعد التكريم، شعرت أننى أحدثت تأثيرا بالفعل والجميع يرانى ويشجعنى. ولأن مجهود الدولة وحده لا يكفى، يجب أن نساعدها ونعمل على تحقيق مساعيها، لذا فإن رسالتى فى دعم الفن والموسيقى لن أتوقف عنها أبدا، خاصة وأن حياتى كلها على المسرح، وأقول دائما «لو توقفت عن المسرح أموت».
ما الذى تحتاجينه لإيصال هذه الرسالة بشكل أكبر؟
حاليا أعرض حفلات بداخل الأوبرا المصرية وهو شرف كبير لى، وأحتاج الفترة القادمة إلى الدعم وأن يتم تبنى الفرقة للعرض فى مهرجانات خارجية، وأن أجعل العالم كله يرى «الست المصرية الصعيدية» وما تقدمه من إبداع.

*جريدة القاهرة

جريدة القاهرة