أخبار عاجلة

سنان أنطون: هناك روايات «بائسة» حصلت على جوائز.. وقيمة الأدب لا تحددها «التكريمات»

حوار – محمد عبد الرحمن

«الأحياء يموتون أو يسافرون والموتى دائمًا يجيئون، كنت أظن بأن الحياة والموت عالمان منفصلان بينهما حدود واضحة، لكننى الآن أعرف بأنهما متلاحمان، ينحتان بعضهما البعض، الواحد يسقى الآخر كأسه. أبى كان يعرف هذا، وشجرة الرمان تعرف هذا جيدًا. أنا مثل شجرة الرمان. لكن كل أغصانى قطعت وكسرت ودفنت مع جثث الموتى. أما قلبى فقد صار رمانة يابسة تنبض بالموت وتسقط منى كل لحظة فى هاوية بلا قرار. لكن لا أحد يعرف. لا أحد. وحدها شجرة الرمان.. تعرف» هكذا اختتم الروائى العراقى الكبير سنان أنطون روايته «وحدها شجرة الرمان» معبرًا عن مأساة وواقع عاشه وطنه العراق، وعن متناقضات الحياة التى يعيشها الناس هناك فى كل ليلة.
عندما قرأت «وحدها شجرة الرمان» لم أكن أتوقع أننى يومًا ما سأقابل صاحبها، بالأحرى إجراء حوار منفرد معه، لكن مع إعلان مكتبة «تنمية» استضافته ضمن احتفالات 10 سنوات على تأسيسها، بدت الفكرة ملحة، لم لا أقابل صاحب هذا السرد الممتع، وحين طلبت إجراء المقابلة، كان الأمر سلسًا. إدارة المكتبة نسقت موعد ومكان المقابلة، وفى الوقت المحدد كان الرجل فى الانتظار.
فى «ريسبشن» أحد فنادق الزمالك، حيث يقيم الرجل أيامه فى زيارته للقاهرة، استقبلنى صاحب «يا مريم» بحفاوة بالغة، وبدا منذ اللحظة الأولى شخصًا ودودًا لا تزعجه الأسئلة وإن اختلف معها. جلسنا وبدا الرجل بشوشًا بسيطًا فى لقائه، كلماته تقطر طيبة ونعومه، تماما كعوالم رواياته، دخلنا فى أجواء الحوار سريعًا، أجوبته كانت عفوية، ردوده تنتهى دومًا بابتسامة وضحكة تنم عن تلقائية وصدق صاحبها، تمامًا مثلما كانت رواياته صادقة فى التعبير عن مشاعر ومواقف إنسانية عميقة، وأحداث دامية، ربما هى جزء من التاريخ الآن، لكنها جزء من الذاكرة والهوية العراقية.. ساعة كاملة تحدث خلالها سنان أنطون عن وطنه الأم وحياته فى الوطن البديل، عن عوالمه الخاصة وكيف نسج منها أحداث رواياته والصورة القاسية التى تظهر فى كل أعماله، تطرقنا إلى التاريخ وفلسفته عن الحياة والموت فى رواياته، وتكلم عن مشاريعه القادمة، وكان لنا معه هذا الحوار:
•تركت العراق مبكرًا، وأقمت بأمريكا وتشبعت بثقافتها ولا تزال أعمالك تدور حول العراق.. هل يجد سنان أنطون صعوبة التحرر وسطوة للعراق وتأثيره على شخصيته أم أنه لم يشعر بالانتماء إلى الوطن البديل الذى رحل إليه؟
عشت 23 سنة فى العراق، سنوات تكوينى النفسي، وهى سنوات لم أكتب عنها، وبشكل عام أنا غير مهتم برواية المهاجرين مثل الكتاب الذين يهاجرون فيكتبون عن الواقع الجديد الذين يعيشون فيه، أنا ربما محظوظ لأننى أعيش الآن فى نيويورك لكننى أيضًا لا أعتبر نفسى أمريكيًا، بل مهاجرًا مهمومًا بما يحدث للعراق.. الواقع أيضًا أننى لم أذهب إلى بلد محايد بل ذهبت للأسف إلى البلد الذى فرض حصارًا وحربًا على العراق وساند الديكتاتورية، فحتى بوجودى هناك لا يجعلنى محايدًا تجاهه.
فى النهاية أرى أن الإبداع خيار، تكتب فيه انحيازاتك واهتماماتك، وأنا أكتب عما يستهوينى وعما عشته وأثر فى تكويني، والعراق بلد غنى ومر بأحداث تاريخية مهولة، لذلك لا أرى أن الأمر غريب، ومن الممكن أن أكتب عن مكان واحد عشرين رواية، وبالمناسبة الحرب العالمية الثانية مثلا قامت منذ حوالى 75 سنة وحتى الآن هناك من يكتبون عنها ولم يتحرروا من سطوتها.
•عوالم سنان أنطون الإبداعية.. كلها تدور فى فضاءات العراق السياسية والثقافية والاجتماعية.. هل ترى أن هذا التنوع فى طرح العراق فى أشكال فنية مختلفة من منطق من أن العراق يحتاج أن يُقدّم بصورة مغايرة لما قُدم فى مرحلة الاستعمار وتابعيتها؟
من ناحية الفيلم «نعم»، فبعد الغزو الأمريكى للعراق، كنا مجموعة من العرب المقيمين بأمريكا، ووجدنا أن طريقة تصوير تاريخ العراق وعلاقة الولايات المتحدة بالمنطقة، خاصة بعد الغزو، سخيفة جدا، وسطحية ومختذلة، ولم تكن فى جميع وسائل الإعلام الأمريكية أصوات عراقية، سوى صوتين وكانا مؤيدين للغزو، لذلك فكرنا فى تقديم فيلم يوضح فقر الإعلام السائد، ذهبنا للناس فى الشارع ليقولوا رأيهم فى الغزو بكل وضوح، حاولنا مقاومة الصورة المختزلة عن العراق، وأن أمريكا ليست جمعية خيرية تنشر الديمقراطية، لأن الواقع أنها ساعدت نظام صدام، وفرضت عقوبات اقتصادية على العراق، كما أنه ليس بالضرورة أن يكون كل معارضى صدام قابلوا الأمريكيين بالورود.
أما رواياتى فليست ردًا على شيء، هى نابعة من رؤيتى وحبى للأدب، ربما يتم قراءتها على أنها رد على الصورة السائدة، لكننى أكتب ما يستهويني، أكتب عن المحنة، ولا يعنينى الغرب هنا بل العراق والعراقيين، لكننى على نحو آخر أفعل ذلك فى مقالاتى بالإنجليزية منذ عام 2002، حيث أناقش قضايا وأرد فيها على الكتاب الغربيين.
•فى أعمالك تجسد معاناة العراق فيما يخص التاريخ.. وفى روايتك «وحدها شجرة الرمان» جسدت صورة تجاور الحياة والموت.. هذه الصورة القاسية التى لا تخلو من وحشية هل يحاول سنان أنطون من خلالها تقديم قراءة راهنة لسياق تاريخى كان متكررًا فى تاريخ العراق؟
الثابت الوحيد فى التاريخ هو التغير، وهناك أساليب وأدوات دائمًا ما تتكرر تاريخيًا، وكل كاتب له رؤية فى التاريخ، مثلًا فى رواية «يا مريم» البعض جنح إلى فكرة أن الهوية لا تتغير وأخذوا اللحظة الآنية وأسقطوها على الماضى البعيد، وتخيلوها مظلومية مستمرة، ربما جزء من رواية «يا مريم» تعمد ذلك، لكن فى التاريخ الأدوار تتبادل بين «الضحية والقاتل»، وفى أعمالى أصور أن الهوايات متحولة، فمثلًا الطائفية موجودة منذ سنين لكنها لم تكن أداة سياسية بالأساس.
الحقيقة أن سياق التاريخ معقد وخطير للغاية، هناك كتابات أدبية ومعرفية تصور للمتلقى أن ما نعيشه هو تكرار للماضي، لكن ذلك اختزال وتبسيط للواقع ويقفز فوق التحولات، صحيح أن التاريخ هاجس فى أعمالى لكنه حالة معقدة ويمكن النظر إليه من جوانب متعددة، فهو ليس خطًا صاعدًا لا تتغير فيه الأدوار.
•فى «وحدها شجرة الرمان» يظهر فى أحد المشاهد جماعة طائفية وهى تقتل رجلًا بنفس التقنية التى تستخدمها داعش فى القتل.. هل كان ذلك على سبيل التنبؤ أن هذا الوضع السياسى المربك سوف يخلق لا محالة جماعات بالغة العنف أم أنه قراءة للواقع من ممارسات مشابهة فى التاريخ؟
الأمر ليس تنبؤًا، لكنه حدث بالفعل فى العراق، جراء الفوضى التى خلقها الاحتلال والحدود المفتوحة، خلال تلك الفترة ظهرت جماعات كانت تختطف الأجانب وتذبحهم وتصور عملية القتل، الأمر كان مجرد التقاط لحالة ستصبح شائعة بعد ذلك. كما أنه ولماذا حتى الآن يتم إسقاط العنف بطريقة «ثقافوية»؟.. بالطبع «داعش» استخدمت طرقًا وحشية، لكنك بالعودة للتاريخ تجد أن الذبح وقطع الرؤوس بهذه الطريقة الوحشية، طريقة استخدمها كل البشر منذ القدم. هذا ليس تهربًا من بشاعة الواقع، لكن هناك إشكالية فى طريقة استخدام البشر للعنف، بجانب أننا أصبحنا نعيش عصر المشهدية، وأصبح الموت ليس مجرد شيء عابر، بل واقعًا مكررًا.
•فى روايتك «وحدها شجرة الرمان» زاوجت بين الموت والحياة من خلال شخصية «جواد» الذى يهوى الفن ويعتبره رمزًا للحياة لكن الظروف تجبره على العمل فى «تغسيل الموتى».. هل يمكن تفسير ذلك على أن السياق الاجتماعى دائمًا ما يورطنا بالعمل فيما لا نحب أم أن هذه النقطة تحديدًا تعبير عن قدر العراق الذى يدفع ثمن إرث قديم؟
الإنسان مهما كان موهوبًا، سيكبحه السياق التاريخى والاجتماعى لبلده ويمنعه من تحقيق أحلامه، بالطبع هو وضع قاسِ خاصة بالعراق، لكنه حال عالمى أيضًا، الكثير لديهم أحلام لا يستطيعون تحقيقها. وفى رواياتى «وحدها شجرة الرمان» يظهر «جواد» كملايين البشر، إنسان موهوب، لديه الرغبة، يرى أن العمل الذى يقوم به والده «تغسيل الموتى» عابر ولا إبداع فيه، لكن الظروف الاجتماعية تحبسه، وهذه كارثة الشباب فى منطقتنا وفى العالم ككل، لكن «جواد» فى النهاية تتغير فكرته عن الأمر، ويستوعب أن الفن موجود حتى فى أبسط الأعمال، وأن هناك إخلاصًا فى العمل الذى يقوم به والده.
•فى «وحدها شجرة الرمان» يبدو «جواد» متحررًا إلى حد ما من الاعتقاد فى وجهه الأصولى ومتجاوزًا لمساحة منفتحة على العالم بعيدًا عن الطقوس التى يتورط فى ممارستها عبر مهنته.. هل يمثل البطل هنا الكثير من أبناء الخريطة العربية الذين يمارسون اعتقادًا لم يختاروه وفرضه عليهم المجتمع؟
هى محنة الكثير من الشباب والشابات فى المجتمع العربي، بل والكثير من المجتمعات أيضًا مثلما الحال فى الهند، الموضوع معقد ومشكلة فى الكثير من دول العالم، ومحنة «جواد» فى الرواية شائعة فى الكثير من المجتمعات، هو يرفض الطائفية، ويريد أن يكون إنسانًا يختار معتقده بحرية. بالطبع الوضع ليس كما تُصوره وسائل الإعلام بأن الجميع طائفي، لكن فى المجتمعات الطائفية، عندما يكون هناك شخص غير طائفى سيشعر بالغربة، والدليل أن المظاهرات الشبابية التى خرجت فى العراق عام 2019، كان شعارها نبذ الطائفية، بعدما اكتشفوا أن الخطاب الطائفى مجرد أداة سياسية.
•الحرب والفراق والموت كعناصر فنية و«بغداد» كمكان دائمًا ما تظهر فى أعمالك الإبداعية.. هل ذلك تجسيد لواقع تعيشه المدينة منذ سقوطها على يد المغول؟
الأمر ليس كذلك، بالطبع تاريخ بغداد حافل بالأحداث الكبرى، لكن هناك إشكالية أنه بالعودة للماضى نلغى الحاضر، العراق فى العصر الحديث مثلًا شهد خلال الحقبة الملكية عدة انقلابات، لكنه أيضًا عاش خلال الخمسينيات والستينيات نهضة ثقافية حقيقية، وكان هناك بلد برغم كل الصعوبات ينظر إلى المستقبل.
المهم أن ننظر إلى ما حدث فى التاريخ ككل وليس التاريخ القديم فقط، فالفراق والحرب أشياء مادية حقيقية، العراق شهد حكم صدام حسين وهناك حرب إيران، وحرب الكويت، والذى لا يعرف الكثير عنها أنها سبب دمار البنية التحتية للعراق ومدينة بغداد، حتى أن وزير الخارجية الأمريكى آنذاك قال: «سنعيدكم إلى العصر ما قبل الصناعي»، وبعدها حدث حصار اقتصادى وغزو آخر وتفككت الدولة، هذا كله ليس له علاقة بالمغول، ربما يشبه البعض الاحتلال الأمريكى بالغزو المغولي، لكن هذا الدمار له علاقة بالواقع المعاصر، والصراعات فى المنطقة حول الطاقة والنفط، والحسابات الجيوسياسية.. التاريخ الحديث مهم وليس من الضرورى أن نغرق فى الماضوية، والنظر إلى تاريخنا على أنه كوارث وحروب متكررة، لأن ذلك يغطى على نضال الإنسان الذى يحاول أن يخرج من عنق الزجاجة.
•كتبت عن الكثير من المواقع داخل بغداد وخارجها بعض هذه المواقع اختفى بسبب عوامل الزمن والتغييرات المناخية مثل جفاف بحيرة «ساوة» وأجزاء من نهر الفرات.. ما شعورك بعد اختفاء هذه البحيرة وهل تعتبر ما كتبت توثيقًا لها فى رواياتك؟
بالطبع أشعر بالحزن، لكننى عندما كتبت عنها لم أكن أتوقع أنها سوف تختفي. الإبداع أحيانًا يدون أشياءً من الممكن أن تضيع، وهذا ليس توثيقًا، فالإنسان منذ بداياته كان ينقش على الحجر، وفى ظل التغييرات الكبيرة التى يشهدها العالم من المهم أن نسجل، فالكاتب شاهد على عصره. وفى الواقع أنا يعتصرنى الألم لأن العراق بلد غنى وخصب وكان من الممكن أن يكون وضعه مختلفًا لولا الدمار التى حل به، بالتأكيد الاحتباس الحرارى ليس المسئول عن اختفاء «ساوة» لكن الفساد والتخريب كان سببًا فى ترسيخ الأزمات. وأذكر أننى كتبت من قبل أن العراق «بلد البدايات والنهايات»، والكثير من العلماء يرون كذلك أن العالم سوف يشهد الكثير مما حدث للعراق مثل انخفاض مناسيب المياه وزيادة التلوث، والمحزن أن معظم البشر مستمرون وكأنها أزمة عابرة.
•فى «وحدها شجرة الرمان» كان النص القرآنى ظاهرًا بشكل لافت فى السرد الروائى وفى روايتك «يا مريم» كان هناك تناص مع الكتاب المقدس.. هل ذلك تجسيد للتعدد المذهبى الذى تعيشه العراق أم محاولة لتجسيد معاناة الناس من واقع إيمانهم الشخصي؟
هذا هو الواقع، لأن حتى غير المتدينين يستخدمون عبارات تبدو دينية مثل «الحمدلله» و«إن شاء الله»، وهذه هى الطريقة التى يتحدث بها الناس فى الحياة اليومية، أنا مغرم بكل التفاصيل اليومية للبشر، وأحب أن أسمع كيف يتحدث الناس وأراقبهم، كما أن القرآن فى الأساس جزء من التاريخ الثقافى للمنطقة، والتنوع بالطبع موجود وحقيقى وأنا من الجيل الذى عاشه، ومن الضرورى أيضًا أن أتذكر أن الوضع الحالى من الطائفية ليس قدرًا محتومًا، وأنه ليس بالإمكان إلا ما كان، لكن هناك طرق أخرى للتعايش، وهناك ألم وأيضًا بغض، لكن هناك أيضًا شخصيات منفتحة تحب التعايش، وهؤلاء لا بد أن نذكرهم.
•تشكل الكوابيس ملمحًا سرديًا فى «وحدها شجرة الرمان» وعلى نحو أقل فى أعمالك الأخرى.. هل يأتى ذلك من منظور «ديستوبي» يقرأ المنطقة باعتبارها فضاءً اجتماعيًا لا يخلو من سوداوية فى تاريخها القديم والمعاصر أم أنه رؤية لواقع يدور وكأنه حلم غير مرتب؟
يقول الروائى جيمس جويس: «إن التاريخ كابوس أحاول الاستيقاظ منه»، والحقيقة أننا نقضى ثلث عمرنا تقريبًا ونحن نيام، ودائمًا ما نحلم ونرى كوابيس، هى جزء مهم من تكوين الإنسان، ففى النوم لا توجد رقابة، كل هواجس الإنسان تخرج فى الأحلام، وكذلك رغباته، وما أحبه فى الكوابيس أنها تجعلنى أكتب بشاعرية أكثر، وتغنى أمامى صورة الإنسان، ومخاوفه الذى لا يستطيع التعبير عنها، وفى الوجدان الشعبى يرى الإنسان الأوضاع السيئة والمآسى وكأنها كابوس، والفرح يعتبره حلمًا، وبالتأكيد هى مساحة ثرية جدا وجديرة بالاستثمار. وبالفعل كل أعمالى يوجد بها كوابيس، لكنها أكثر ربما فى «وحدها شجرة الرمان» لأنها تدور فى أجواء حرب أهلية، ومناخ إنسان يتعامل مع الموت بشكل يومي، ومن الطبيعى أن يكون عنده كوابيس.
•فى الكثير من شخوص رواياتك جوانب فلسفية وإنسانية على نحو عميق لفهم النفس البشرية وتناقضاتها.. هل تستعين بدراسات علم النفس عند الشروع فى الكتابة؟
أنا بالفعل مهتم بكتابات علم النفس وقرأت عنها كثيرًا، لكننى حذر جدًا فى الكتابة، وبالتأكيد فإن ما يطلع عليه الكاتب من فن وفلسفة وفكر ومعرفة يظهر فى كتاباته، والأدب منذ أقدم الأزمان واحد من الحقول التى تعطيك فكرة عميقة عن النفس البشرية، وعلماء النفس مثل «فرويد» كان يستعين بالأدب فى تحليلاته، لأنها تعطيه أمثلة عن العقد النفسية التى يريد الكتابة عنها. والفلسفة بالأساس سؤال، وأمور مثل الموت والحرب والدمار والخراب، تجعلك تتساءل لماذا تحدث بهذه القسوة.
فى أعمالى أبدًا لا أخطط لشيء، وأحب أن تأتى الأمور بتلقائية، ولا أفضل الأعمال التى يسقط فيها صاحبها فى فكرة المنبرية أو القصدية، ربما هى موجودة فى الكثير من الروايات العربية والعالمية لكنها ليست أسلوبي. وبشكل عام كل رواياتى كان لا بد أن يكون هناك بحث وتقمص واطلاع وتعمق فى التفاصيل الشخصية، والحقيقة أننى أتلذذ حين اتقمص جسد شخص آخر، لدرجة أن الكثير من الناس يعتقدون أننى عملت فى مهنة «تغسيل الموتى» وهو التحدى أن تكتب عن عالم متخيل يبدو حقيقيًا، والإبداع هو أن تتقمص حيوات أخرى، وإلا ستكون الكتابات مجرد سير ذاتية.
•ترشحت روايتك يا «مريم» لجائزة البوكر وحصلت على تكريمات عدة.. هل ترى أن الجوائز مجد شخصى واعتراف بإبداع الكاتب الحقيقى أم أن المبدع لا بد أن ينشغل فقط بالكتابة؟
الجوائز بشكل عام ليست تقييمًا لجودة المنتج الأدبي، لأن كل الجوائز كما نعرف تتبع مؤسسات وهيئات ثقافية لها تصور معين، هذا لا يعنى أن هناك أعمالًا عظيمة حصلت جوائز وتستحقها، لكن هناك أيضًا روايات «بائسة» حصلت على تكريمات لا تستحقها لأنها لم تنجح فى اختبار الزمن، فى النهاية كل ذلك «تشويش وشوشرة».
بالطبع أنا أدرك أن وضع الكتاب فى الوطن العربى سيء جدًا، وبالتأكيد الجوائز تعطيه دعمًا ماديًا وحضورًا، لكن مسألة التركيز المبالغ على الجوائز وكأنها المحدد الوحيد للجودة الأدبية هى إشكالية كبيرة، والفيصل هنا بعد عشر سنوات على الجائزة هل الرواية ستُقرأ أم لا، فهناك روايات حصلت على جوائز كبرى لا أحد يقرأها الآن.
•لك تجربة كبيرة فى ترجمة العديد من التجارب الشعرية الكبرى مثل محمود درويش وسعدى يوسف.. هل كان الوازع وراء هذه الترجمات هو نقل الثقافة العربية أم حماسك الشخصى لأصحابها؟
هو شغف وحب فى المقام الأول، وبالطبع محاولة لتدعيم أو إغناء المشهد الأدبى المترجم، وركزت الضوء أكثر على الأسماء التى أحبها بشكل شخصي، مثل محمود درويش لما يمثله فى الثقافة العربية، وسعدى يوسف خاصة بعد الغزو ولأنه لم يترجم بالشكل الذى يستحقه، كذلك ترجمت بعض أعمال ساركون بولص، وأيضًا رواية فلسطينية بعنوان «صفر الاختفاء» للروائية ابتسام عازم، ومستمر فى الترجمة من العربية لأننى اعتبرها فعلًا ثقافيًا مهمًا للغاية وفعلًا إبداعيًا أيضًا.
•بعد رحلة طويلة فى سياقات خارج العراق لم تشتبك معها إبداعًا برغم اشتباكك معها أكاديميًا واجتماعيًا.. هل ما زلت تشعر أنك فعليًا لا تنتمى لهذا الوطن البديل وما زالت هناك جذور عميقة تجذبك إلى العراق لم تتحرر منها ذهنيا وثقافيا ومعرفيا؟
بالمناسبة أنا كنت أشعر فى العراق بالاغتراب أيضا، وتلك هى المفارقة لأننى دائمًا كنت أرغب فى مغادرة العراق، ابتعادًا عن السلطة السياسية والأبوية، والآن أعيش غريبا أيضا فى أمريكا، وبالمناسبة فالرواية الجديدة التى أكتبها حاليًا تتحدث عن شخص يترك بلده، ويحاول أن يقطع صلته بالوطن الأم ويبدأ حياة جديدة ينهى فيها علاقته بالماضي.
أنا والدتى أمريكية، وتربيت 23 عامًا فى العراق، وأحب اللغة العربية، وهناك مقولة لإدوارد سعيد تقول «الهوية خيار» ربما فى البداية لم أفهم معنى الكلمة، لكن بعد ذلك تيقنت أنك مع الوقت تختار، هذا بخلاف أننى عندما جئت إلى أمريكا كانت الولايات المتحدة متورطة فى سياسة وتاريخ العراقيين، أنا اخترت من أكون، لكن كما قلت فى بداية الحوار، أنا محظوظ ربما لأننى أعيش فى مدينة نيويورك التى تسمح للناس أن يكونوا من أى مكان ويحتفظوا بهويتهم الأصلية.

جريدة القاهرة