أخبار عاجلة

أحمد شوقي يكتب: بين الشماتة والإحباط: ماذا خسرت السينما بغياب مهرجان الجونة؟  

مهما بلغ قدر جموح عقلك وسعة خيالك، يصعب أن تتفهم إعلان مثقف سعادته بإلغاء حدث ثقافي، أو احتفال سينمائى بتأجيل مهرجان سينمائي، خاصة لو كان هذا التأجيل يرتبط برؤية ضبابية وخبرات سيئة تجعله بالنسبة لبعض المفسرين أقرب للإلغاء المُقنّع. نتحدث بالطبع عن القنبلة التى انفجرت بالإعلان عن تأجيل الدورة السادسة من مهرجان الجونة السينمائى إلى أجل غير مسمى.

وبينما يؤكد القائمون على المهرجان، فى اتصالات شخصية أجراها كاتب هذه السطور، أن التأجيل مجرد حدث عارض سيعود المهرجان بعده لطبيعته خلال العام المُقبل، يبدو شبح ما جرى فى مهرجان دبي، بكل ما امتلكه من قوة وتأثير على مدار عقد ونصف، بعدما أعلن منتصف عام 2017 عن قرار مماثل بالتأجيل، لم ير بعده النور مطلقًا، حتى وإن ظل وضعه المُعلن هو «مؤجل لا مُلغى»، واستمرت صفحته الرسمية حتى مطلع العام الحالى تنشر أخبارًا ومتابعات وكأن المهرجان لا يزال قائمًا!

آراء الطرفين لها وجاهتها، فصُناع الجونة لديهم مشروعهم الذى آمنوا به واجتهدوا لإتمام خمس نسخ ناجحة فى مجملها، والمتخوفون لديهم سابق الخبرات المُحبطة التى يزيدها فى حالتنا ضغط اقتصاد عالمى يعانى منه الجميع منذ اندلاع الحرب فى أوكرانيا، ترك بصمته الثقيلة فى كل مكان، وقطاع الثقافة والسينما ليس استثناءً.

إلا أن بين أولئك وهؤلاء يقف العقل عاجزًا عن تفسير موقف المبتهجين والمحتفلين، أو ربما يُفسره بما يُصنف صاحبه فى موقع غير لائق: محافظ استفزته ممارسة البعض لحريتهم الشخصية ولو لأيام من كل عام، غاضب لفظ المهرجان فيلمه أو شخصه فخلق الرفض عداوة شخصية أو غافلا لا يعرف ما قد يُحدثه غياب مهرجان مثل الجونة من أثر، وكلها تفسيرات لا تترك صاحبها فى موضع يسمح لرأيه بالاقتراب من الموضوعية أو الأهمية.

لنفترض حسن النية ونحاول أن نوضح لمن لا يعلم ماهية المهرجانات السينمائية فى عالمنا المعاصر، وما الذى كان مهرجان مثل الجونة يقدمه، وما الذى ستخسره صناعة السينما وثقافتها بغيابه عن المشهد؟، ولو كان غيابًا مؤقتًا.

 

سجادة حمراء وأفلام

من بعيد، وعبر شاشات الفضائيات ومنصات التواصل الاجتماعي، تبدو المهرجانات قائمة بالأساس على السجادة الحمراء، نجوم يظهرون فى أبهى – وأحيانًا أغرب – الأزياء لالتقاط صور جذابة، يتحدث بعضهم بحب حقيقى عن الأفلام، ويردد أغلبهم عبارات مكررة تشى بأن صاحبها لم يشاهد فيلمًا طيلة السنوات الأخيرة إلا مضطرًا. هذا الجانب من المهرجانات يتعرض دومًا للهجوم، تارة من المحافظين وتارة من المثقفين الغاضبين الذى يصممون على تذكيرنا بأن هذه ليست السينما.

بالفعل السجادة ونجومها ليسوا هم السينما، لكنهم جانب رئيس ومؤثر من صناعتها. الجانب الذى لولا وجوده وتألقه وجاذبيته الفطرية، لما كان من الممكن أن توجد العروض وتموّل الأفلام ويتمكن صناع السينما الحقيقيون من تقديم أصواتهم للعالم. تمامًا مثلما تلعب الأفلام التجارية الخفيفة دور المحرك الذى يضخ الأموال للصناعة مانحة قبلة الحياة للأفلام الصغيرة والتجارب المغايرة. دور لعبه بساط الجونة الأحمر ببراعة منقطة النظير، تشهد بها الكتابات المنتقدة قبل الداعمة.

إذا أخذنا خطوة أبعد من حفلات الافتتاح والختام وأضواء البساط الأحمر، سنجد المستوى الثانى الذى تأسست بفعله المهرجانات السينمائية منذ أن انطلق مهرجان فينيسيا عام 1932: معرض الأفلام. يجتمع على شاشات المهرجانات عدد كبير من الأفلام التى لا يجد أغلبها مساحة للعرض داخل آليات التوزيع التقليدية، وكلما تمكن المهرجان من امتلاك الأفضل والأكثر والأحدث من الأفلام، كلما ارتفعت قيمته بين منافسيه.

كل من حضر المهرجان أو تابع قائمة أفلامه يعرف أن «الجونة» نجح خلال عمره القصير أن يكون أحد أهم معارض الأفلام فى مصر. نجاح أدى لتزايد مستمر وملحوظ فى أعداد الجماهير خاصة من غير المدعوين: الشباب الذين صاروا يزورون المنتجع كل عام لمشاهدة أفلامه. يمكن أن نلمس هذا النجاح فى تحول نشاط سينمائى أقدم مثل «بانوراما الفيلم الأوروبي» خلال الأعوام الأخيرة إلى ظهير قاهرى للمهرجان، تُعرض فيه أفلام الجونة لجمهور العاصمة بعد أسابيع من المهرجان.

 

الصناعة تبكى داعمها

نترك العنصرين السابقين لقطع خطوة أعمق نحو عوالم صناعة السينما، وتحديدًا السينما المغايرة والمستقلة التى يعانى صناعها من أجل تمويل أفلامهم. وهنا تبرز الأهمية الأكبر للجونة، والتى ظل بعض الناس غير قادرين على إدراكها حتى بعد إتمام خمس دورات من المهرجان. فالجونة منذ تأسيسه وضع دعم صناعة السينما المصرية والعربية هدفًا رئيسًا، من خلال طيف من البرامج المتنوعة لدعم وتمويل مشروعات الأفلام وصناع السينما، على قمتها منصة الجونة «سينى جونة بلاتفورم»، برنامج المهرجان المخصص لمساندة مشروعات الأفلام فى مرحلتى التطوير وما بعد الإنتاج.

على مدار الدورات الخمس، تم توزيع جوائز قيمتها تزيد على المليون دولار، لدعم عشرات الأفلام التى خرج كثير منها للنور لتُعرض فى مهرجانات العالم الكبرى، ناهيك عن قدر يوازى أو يزيد، من الصفقات والاتفاقات التى أبرمت على هامش المهرجان من خلال التشبيك بين صناع المشروعات والجهات المهتمة من ممولين ومنتجين وموزعين وممثلى مهرجانات. إن لم تكن هذه قيمة مضافة ومؤثرة لصناعة السينما الجادة فماذا يمكن أن تكون؟

كل ما سبق أنشطة معلنة ظلت متاحة لمن يريد أن يعرف، بينما ظل البعض مصممًا على المعارضة والرفض التى تطورت إلى سخرية وشماتة بائسة. ولعل المحتفل بتوقف المهرجان بحاجة لأن يسأل نفسه عن المتضرر الأكبر: هل هم الأخوة ساويرس الذين سيفقدون أسبوعًا مسليًا من أسابيع عامهم؟ أم هم صناع السينما وجمهورها ونقادها الذين خسروا كل ما سبق؟

جريدة القاهرة