أخبار عاجلة

أسامة عبد الفتاح يكتب: تأجيل «الجونة 2022».. المعنى والخسائر  

لم تكن ردود الفعل العامة على خبر تأجيل دورة هذا العام من مهرجان الجونة السينمائي، لتُقام العام المقبل فى موعد يُحدد فيما بعد، غريبة أو مفاجأة فى مجتمع ما زال يعانى من آفة التطرف الديني، وما زال هواه وهابيًّا رغم كل المحاولات المعلنة لتحديث الخطاب الدينى ومكافحة الإرهاب، الفكرى منه قبل المسلح، ورغم أن معقل الوهابية نفسه بدأ يتخلص من قيودها.

فما إن أعلنت إدارة المهرجان عن خبر التأجيل فى 19 يونيو الحالي، حتى انطلقت صيحات الفرح والشماتة من مدعى التدين، وإحداهن ممثلة مغمورة معتزلة قالت: إنه أحسن خبر سمعته هذا العام لأن المهرجان ينشر الفجور، كما أعرب تاجر دين يزعم أنصاره أنه داعية عن سعادته لإغلاق باب الكفر والفاحشة، مضيفًا أن هذا المهرجان ليس فيه ما يفيد الناس.

لن أدخل فى جدل حول الحكم الدينى والأخلاقى على الأحداث والمواعيد الثقافية، لأنه لا جدوى من مناقشة المتطرفين والمتعصبين، لكننى سأتوقف عند نشر معلومات خاطئة قائمة على كلام مرسل لا يستند إلى أى دليل أو حتى قرينة.. فمن أين جاء «الداعية» بمعلومة أن المهرجان لا يفيد أحدًا؟ هل حضره؟ هل قابل من شاركوا فيه واستفادوا من أقسامه وبرامجه؟ هل راجع أوراقه ومستنداته؟ أم ينطق فقط عن الهوى؟

لم ينكر أو ينف أحد أن هناك جانبا سياحيا فى جميع المهرجانات السينمائية حول العالم – ومنها «الجونة» – قائما على الترويج للمدينة التى تستضيف المهرجان، وهذا يحدث فى كل مكان، من «كان» إلى الأقصر.. كما لم ينكر أو ينف أحد أن حضور الفنانات حفلى الافتتاح والختام يتطلب ارتداء فساتين سهرة كما يحدث فى جميع مهرجانات العالم وأيضًا فى جميع المهرجانات المصرية من الإسكندرية إلى أسوان، ولا أدرى لماذا التركيز على فساتين «الجونة» وحدها دون غيرها!

لكن ما يجهله تاجر الدين، السعيد بجهله، أن كل هذه المظاهر الاحتفالية لا تمثل أكثر من 10% من فعاليات وأنشطة مهرجان الجونة، وأى مهرجان سينمائي، والغلبة لعروض الأفلام والندوات والورش والمحاضرات، والمناقشات بين صناع الأفلام والجمهور، وبين السينمائيين وبعضهم البعض.. كما يجهل التاجر أن هناك من استفادوا فعلًا ومباشرة من إقامة خمس دورات لهذا المهرجان عبر منصته لدعم مشروعات أفلام السينمائيين الشبان حتى تخرج إلى النور.

والمعروف أن «منصة الجونة السينمائية» من أهم أجنحة مهرجان الجونة السينمائي، وتُعد خطوة حقيقية من أجل دعم صناعة السينما وشباب العاملين بها، ومثالا جيدا على عدم اكتفاء المهرجانات السينمائية بعرض الأفلام ومنحها جوائز، وامتداد دورها لدعم الصناعة المهمة التى تعاني، ليس فى مصر فقط ولكن فى العالم العربى كله.

وعملت الورشة على توفير فرص احترافية للمشاركين، وصناع الأفلام، من أجل توسيع شبكات التواصل فيما بينهم، والعمل على زيادة فرص إنتاج وتوزيع المشروعات السينمائية، وكذلك توفير ورش سينمائية، وندوات، ومحاضرات وموائد حوار مع خبراء فى صناعة السينما يساعدون صناع السينما الشباب فى الحصول على فرص للتعلم، إضافة إلى بناء شبكات تواصل تساعدهم على إنجاز مشروعاتهم التى تحتاج إلى دعم فنى ومادي.

فى دورة المهرجان الخامسة، العام الماضي، اختارت المنصة 12 مشروعًا فى مرحلة التطوير و6 أفلام فى مرحلة ما بعد الإنتاج، بناءً على المحتوى والرؤية الفنية وإمكانية التنفيذ المالية. وترشحت تلك المشروعات للفوز بجوائز قيمتها 300 ألف دولار أمريكى مقدمة من المهرجان ورعاته وشركائه.. أى أن 18 مشروع فيلم عربى يعمل فيها عشرات السينمائيين العرب استفادت بدعم يقترب من ثلث مليون دولار يا من تدعى أن أحدًا لا يستفيد من إقامة المهرجان، وهذا فى الدورة الأخيرة فقط، أى أن حجم الدعم فى الدورات الخمس مجتمعة يقدر بملايين الدولارات التى استفاد منها مئات السينمائيين العرب بين مخرجين ومنتجين وموزعين.

ولإرضاء الشوفينية المصرية، لابد من ذكر أن كثيرًا من المستفيدين من الدعم مصريون، فمنذ انطلاق المنصة، حصلت العديد من مشروعات الأفلام المصرية التى شاركت فيها على سمعة عالمية وفازت بالعديد من الجوائز فى المهرجانات السينمائية الدولية، ومن بينها «يوم الدين» لأبو بكر شوقي، و«سعاد» لآيتن أمين، و«كباتن الزعتري» لعلى العربي، بالإضافة لمشروع أحمد فوزى صالح «هاملت من عزبة الصفيح» الذى شارك فى ورشة الأتيليه التى أُقيمت خلال الدورة الـ75 من مهرجان كان السينمائي، ومشروع مراد مصطفى «عائشة لا تستطيع الطيران بعد الآن» الذى شارك فى ملتقى الإنتاج المشترك فى الدورة الـ20 لمهرجان أيام قبرص السينمائية الدولي، كما اختير لبرنامج البحر الأحمر بالتعاون مع مختبر تورينو لتطوير الأفلام.

ويعنى تأجيل المهرجان، ببساطة شديدة، وقوع خسائر محققة أهمها حرمان هؤلاء السينمائيين من هذا الدعم، وتفويت فرصة الخروج إلى النور على العديد من مشروعات الأفلام العربية.. كما يعنى – وهذه النقطة فى منتهى الأهمية – حرمان مئات المصريين من مصدر رزق شريف، وأعنى العاملين فى المهرجان والمتعاملين معه من مسئولين ومبرمجين وفنيين وموظفين وعمال وسائقين وأصحاب متاجر.. إلى آخره.

وتُضاف هذه الخسائر الاقتصادية إلى الخسائر الفنية المتمثلة فى حرمان الجمهور والسينمائيين، الذين لا يستطيعون السفر لحضور المهرجانات الدولية الكبرى، من مشاهدة أفلام تلك المهرجانات المهمة، والتى كان مهرجان الجونة ينجح كل دورة فى عرض كثير منها.

جريدة القاهرة