أخبار عاجلة

تلميذات «شادى النشوقاتى» فى الجامعة الأمريكية.. محاولات جريئة للتعبير عن «سيولة الأفكار»  

كتبت: فاطمة علي

«التحديق السائل»، عنوان لمعرض فنى مقام حاليًا فى قاعات ثلاث بالجامعة الأمريكية بميدان التحرير، بمشاركة أحد عشر فنانًا شابًا فى مجال العمل المركب والفيديو آرت.
المعرض نتاج برنامج الفنون البصرية بإشراف الفنان البعد حداثى شادى النشوقاتى. والذى يقول عن عنوان المعرض: إنه يفترض مجالًا للتفكير فى استراتيجيات الرؤية الفسيولوجية للعين، من خلال تفسيرات خصائص السوائل وتحولاتها الفيزيائية لتفسير التطور الهرمى للإدراك الذى يبدأ من مفهوم الرؤية العضوية حتى وصوله للرؤية التخيلية.
العنوان أثار لدىّ تساؤلات قبل رؤية المعرض: «هل يُمكن الانتقال بـ«التحديق السائل» بسيولة فى الرؤية ليصاحبه سيولة فى التفكير الواعى بما يؤدى لإنتاج عمل فنى؟ وهل يتناظر هذا الواعى وسيولته بإبداع آخر لاواعى فى سيولته فى مجال آخر هو مجال الكتابه المعروف أدبيًا بـ«تيار الوعى» متجاوزًا الزمان والمكان كما فى روايات «مارسيل بروست» و«وليم فوكنر» و«جيمس جويس» و«فرجينيا وولف»؟
بعض أعمال المعرض بدا نقاء الفكرة يُسيطر على الشكل. وأخرى وُظفت فيها الميديا لامتزاج الخيال بالحلم. وبدا قدر اهتمام الفنانين الشباب بالمفاهيم والتقنيات معاً.
مشروع الفنان «باولا إسكندر» بعنوان «يظهر كل ذلك فى التثاؤب» عمل مركب ووسائط مختلفة لعرض مفهومه حول «التثاؤب». عمله يتدلى من سقف صالة العرض متصلاً بالأرض فى أجزاء ضخمة بلاستيكية على هيئة رئتين تنتفخين تنفساً بصوت خشن، وكتلة تمثل العضويات من الفرو الصناعى، وسلاسل معدنية توحى بالسحب والرفع ودفع الطاقة محاطة بستة من المرايا منحرفة الزوايا عكست المشهد، وصوّرتنا كمشاهدين لنكون جزءًا من العمل المتغير بظهورنا واختفائنا وإلى أسفل مرايا مشروخة.
العمل اعتمد على لغة بصرية مجزأة وخامات متباينة التأثير بانبعاث طاقتها الذاتية، وكأن هناك «نافورة الطاقة» المتحققة فيزيقيًا تضخ طاقة فى العمل بالكامل، وقد نجح باولا بجعل إيقاع أصوات التنفس الرتيب الخشن وبوجود المرايا لخلق التناقض، فهل تظهر الحقيقة أم الوهم؟ التأمل الذاتى أم السطحية؟ أعتقد أنه مرتبط بفيزيقية الجسم المادى وبيولوجيته داخلنا، والذى يتماثل وتثاؤب الطبيعة حولنا بأعاصيرها وبراكينها.
الرائع فى تنسيق الأعمال أن ضمت قاعة واحدة حنينين للذكرى. إحدهما كاذب والآخر حقيقى، حنين «شهد الوردانى» للذكريات حقيقى يقابله إنكار«نور توفيق» للحنين للذكرى. فـبينما «نور» لديها انكارالحنين نرى «شهد» لديها إفراط فى الحنين.
مشروع الفنانة «شهد الوردانى» بعنوان «متحف المستندات أو الروابط». مكون من تركيب لصناديق أرشيفية زجاجية. الذى بمجرد رؤيتى لها تذكرت فوراً عمل الفنانة «سوزان هيلر» التى قدمت عملًا مجسمًا أيضاً لصناديق أرشيفية ضمت بقايا أوراق وأشياء من الذاكرة لـ«سيجموند فرويد» وأسمته «من متحف فرويد» 1991-1997
يتكون عرض «شهد» المتميز من صناديق ثلاثة كمستودع وحاضنة للصورة والمجسم والكتابة المرفقة. والصندوق الأوسط مهشم زجاجه ومتناثرة محتوياته. ولفرط الذاكرة أو السيرة البصرية الذاتية عرضت الكثير من الآثارالصغيرة الأيقونية والصور والتعويذات الخاصة. ليصبح العرض الذاتى عرضًا موضوعيًا أمام الجمهور. وذكرنى تهشم أحد الصناديق «بمتلازمة القلب المكسور» نفسيًا وفيزيقيًا، فربما من كثرة رؤيتنا لأشيائنا المحملة بالذكريات ينفطر قلبنا ويتكسر شظايا.
أما مشروع «نور توفيق» فعنوانه «الحنين كاذب» ورؤية الأشياء كانت أفضل مما بدت هو حنين كاذب». أعتقد أن الفنانة أرادت تأكيد أنه لا توجد روابط دائمة فى حياتنا وأى شيء نتناوله لفترة يتم ربطه بشكل فضفاض ليسهل فكه مرة أخرى، لذلك بدا تركيبها بخامة الصلب قابلًا للفك والإزاحة كما بدا أيضًا فى لوحاتها بالعرض. وقد جمع عملها التناقض والازدواجية. ازدواجية معقدة بين هشاشة الذكرى وصلابة الخامه المنفذ به عملها. وأمام عملها تداعى إلى ذهنى رهاب فقد الذاكرة، وربما هو خوف الحنين الذى يكشف عن هشاشتنا كالظلال الهشة للصلب منعكسة فوق الجدران، وأيضاً بدا لى مفهوم عملها غاضبًا كغضب المسجون الذى يشن حرباً على ذكرياته رغم احتياجه لها.
عمل «سارة العراقى» بعنوان«المحاكاة الدقيقة» عمل مركب وعرض فيديو. قدمت التصوير على جانبى ست لوحات منحنية وتبدو على الجدار شاشة تظهر قياسات رقمية للأحلام. كرؤية مزدوجة لتعبيرية الأحلام مقابل تحليلها الرقمى.
«سارة» فنانة متمكنة تملك فرشاة تعمل بخيال ودفع لاشعورى رائع. لوحاتها ذات وجهين «مقعر»و«محدب»ترسم على كلا الوجهين كمقابل لازدواجية الحلم والمشاعر ويعمل العقل أثناءه. لأرى عملها قائمًا بين ازدواجية وجهى اللوحة وبين الشاشة الحسابية. فهل قصدت التفسير. أم اختلط الحلم بالواقع؟ ليُستدعى تعريف مصطلح «أونيروفرينيا»وهى حالة يصبح فيها الشخص مرتبكًا للتمييز بين الواقع والحلم كما لو كان يعيش فى حالة حلم أو حالة وعى تشبه الحلم وتذكرت حلم الفراشة للفيلسوف الصينى «جوانج زو»وقد حلم بأنه فراشة واحتار بعد استيقاظه إن كان «فراشة» أم«رجل» وأيهما الواقع وأيهما الحلم. أعتقد الارتباك المادى فى رسومات الحلم فوق سطح «محدب» يوحى بالانزلاق حتى فرشاتها والألوان متوترة فى بحثها عن ثبات لهذا المنزلق السائل. بينما نظيره العكسى للسطح «المقعر» يحتوى الشكل كاملاً. ليتناظرا بذلك الانفصام بين المقعر والمحدب معًا.
وقدمت الفنانة «جومانا فالا» عملها التصويرى «سكينينج». وبدت لى كأنها تعمل على مفهوم «التفكيكية» أوالإخفاء بالتشظى لأجزاء شبه منفصلة لبورتريهات لوحاتها ليتكاملا والخلفية، وكأنهما كيانان واعيان منفصلان عملا معًا على تنشيط أسطح لوحاتها الخمس الأقرب للجدارية بين التصادم والفوضى وبين حدة وضعف التناقض وبين ألوانها الأحادية. اللوحات مترابطة لمصورة هايلة متمكنة قصدت ألا تكون للوحاتها أطر حتى تنساب رؤية المشاهد من لوحة لأخرى كأنها تعزف لحنًا ممتدًا مكانيًا.
وقدمت الفنانة «فريدة وليد» عمل «رائحة الزمن الضائع»، وهو عمل تركيبى متعدد الوسائط يستكشف مفهوم الزمن الضائع وتلاشى ذكرياتنا. بدت صالة عرضها ضاغطة بمجسماتها الستة المعلقة على الجدارن بإضاءات خلفية تنفذ من الثقوب المشدودة وكأنها ثقوب الفضاء السوداء قابضة على الجدار، وربما رمزيًا لا فرار للزمن منها. هذه الثقوب بدت فى نطاق مفهوم العمل لا زمنية كأن بداخلها فراغًا ينعدم فيه الزمن والذاكرة. بينما على الفيديو المقابل الحركة بطيئة حذرة داخل المشهد كشبكة خيوط محكمة تعمل على فكرة التلاشى التدريجى.
وقدمت الفنانة «ليلى عيسى» مشروعها حول كتاب الطفل لتعكس مجازياً عقلانية الأم مما ترويه للطفل من حكايات. رسومات مشروعها مرسوم بالقلم الرصاص يصاحبه ثلاث شاشات عرض فيديو، أرى فى عملها ارتباط البصر بالذهن مع الدلالة لأشياء يراها الطفل لأول مرة بمسمياتها البصرية وليس بمسميات الكبار بما يبهرنا أن نرى وصفية بصرية لمنطوق ذهنى، وربما تقوم الفنانة بعملية تفكيكية ذهنية لتعثر على لغة بصرية تخصها.
وقدمت الفنانة «نور رزق» مشروعها لصور فوتوغرافية لبورتريه نسائى مع تدخل بدمج عناصر خارجية للتنقيب عن جماليات الذات فى مقابل الهوية لإرضاء المعيار الاجتماعى. بدا عملها كقشرة لجمال نسبى مصطنع لتسويق الذات وفق معايير غير مستقرة بين التكامل الفيزيقى والإرضاء النفسى.
والفنانة «نور ملش» قدمت «التجربة التأملية» للضوء بعرض فيديو قدمت خلاله دوائر متداخلة لخفوت ضوء ملون غير ملحوظ ليحل محله ضوء للون آخر. وهى تجربة بصرية فيزيقية كعملية توالد ذاتى متوهج لضوء يزيح ضوء آخر أو يتوالد عنه كتحولات طاقة مرئية. ربما مظاهر هذه الطاقة فى العالم المادى يعتبرها «اليوجى» اهتزازات مختلفة للضوء الكونى الواحد، من جانب آخر تتلاقى ومقولة عالم النفس يونج:«لا يستنير الإنسان بتخيل أشكال الضوء بل بجعل الظلام واعيًا».
وقدمت الفنانة أميره عرض «أنيميشن» حول الخوف ومحاولة الهروب من المكان للنجاة. كما قدمت الفنانة «نيرمين شنب» عملًا فى التصوير محدود الحجم لخلق تجربة متحوّلة الاتصالات والتداخل. فبدت الأعمال كمقاطع رؤية تشكل مجال تنوع التجربة وتعدد مشاهدها.

جريدة القاهرة