أخبار عاجلة

حمدى رزق يكتب: عن استعادة لوحة عبد الهادى الجزار  

مبادرة عائلة المقاول «هشام عبد الملك» بإعادة لوحة «من وحى فنارات البحر الأحمر» للفنان التشكيلى المصرى العالمى «عبد الهادى الجزار» (يعود تاريخها إلى العام ١٩٦٤) والتى كانت اختفت فى ظروف غامضة فى العام (١٩٧١)، جديرة بالتقدير ودرع الوزارة الذى أهدته وزيرة الثقافة الدكتورة الفنانة إيناس عبدالدايم، فى حفل بسيط وأنيق يليق بجلال الحدث الثقافى الكبير.
مبادرة العائلة الطيبة خليق بالتوقف والتبين، توقفا أمام الحس الوطنى للعائلة التى استجابت من فورها لنداء الحارس الأمين على الكنوز الوطنية التشكيلية الدكتور «خالد سرور» رئيس قطاع الفنون التشكيلية، وبادرت بإعادة اللوحة النادرة، وهذا محل تقدير.
والرسالة بعلم الوصول، إلى روح الوالد «المقاول» الذى أنقذ اللوحة من الضياع والتدمير بعد أن خرجت بين أنقاض بيت مهجور، فأعجبته اللوحة فاحتفظ بها كمنظر ملون خلاب، ولم تغره محاولات الاصطياد، من قبل قراصنة الفن التشكيلى، فرفض بيعها مرارا، وكأنه يدخرها إلى «متحف الفن الحديث» حيث تحتل مكانها تحت الأضواء.
نموذج ومثال، نتمنى أن يكون حاضرا أمام ناظرى حائزى اللوحات الفنية المشكوك فى مصدرها، أو وصلت إليهم عبر طرق غير شرعية، حرصا على ثروتنا الفنية، وإهداء لوطن يستحق الحفاظ على مقدراته الثقافية.
وتبيانا لسبل حديثة متطورة للحفاظ على مقتنياتنا الفنية والثقافية توثيقا وتسجيلا وحفاظا على هذه الثروة من التبديد على أيد بيروقراطية لا تفقه قيمة ما تحت أيديها من ثروات فنية لا تقدر بثمن.
ليس متخيلا استمرار «نظام العهدة» الموروث من أيام القلم الكوبيا والمحبرة، وكشف العهدة، والتسليم والتسلم بعد اللوحات والقطع الفنية كأنها لوحات كرتون، وسركى الخروج والدخول.
الدنيا تغيرت، والتكنولوجيا حوكمت طرق الحفاظ على مثل هذه الثروات منعا للتبديد أو التشويه والتزوير والسرقات المنظمة على آيادى كارتلات السرقات الفنية العابرة للحدود.
التسجيل الفنى صنو التسجيل الاثرى وبنفس الطرق تقريبا، وكما فى وزارة الآثار، مركز تسجيل الآثار المصرية وعمره ٦٦ عاما، مستوجب مثل هذا المركز فى وزارة الثقافة، قوامه خبراء وطنيين متفرغين لتسجيل الثروة الفنية من اللوحات والتماثيل والمشغولات الفنية ذات القيمة والمسجلة مصريا وعالميا.
وليس هناك مانع من الاستعانة بالخبرات الاجنبية فى المتاحف الفنية العالمية حتى يكتمل قوام المدرسة الوطنية، واستكمال مقوماتها اتساقا مع المستحدثات التكنولوجية تسجيلا وتوثيقا وترميما.
وقبل هذا مستوجب إحصاء و حصر الثروة الوطنية من الأعمال الفنية، فكثير منها جرى اهداؤه للعرض فى وزارات وهيئات ومؤسسات وطنية، دون متابعة حقيقية لحالتها الراهنة معروضة فى طرقات وغرف هذه المؤسسات كمناظر جمالية دون رعاية فنية ضرورية.
للأسف بعضها مهدد بالتلف أو طالها التلف من طريقة العرض، وتعريضها للملوثات، أو التعاطى معها حفظا بطرق عشوائية لا تراعى العوامل الجوية أو التهوية المناسبة والإضاءة المقننة، وغيرها مما يخشى منه على سلامة هذه الأعمال الفنية النادرة.
والحل متحف فنى تشكيلى حديث، بروح ومستحدثات العصر، ولربما مكانه المستقبلى «مدينة الفنون والثقافة» بالعاصمة الإدارية الجديدة، ليكون المتحف واحدا من عناصرها الفنية، ويضم ثروة الوطن من الأعمال الفنية العظيمة.
فضلا عن إطلاق حزمة من المحفزات والحوافز لفتح المجال للاهداءات من المجموعات الفنية الشخصية، حتى ولو تعرض كإهداء (بأسماء ملاكها) كما هو الحال فى إهداء المكتبات الخاصة فى أقسام مخصصة فى المكتبات العامة، لتحفيز الملاك على رفد المتاحف الوطنية ببعض مقتنياتهم الفنية.
وهنا يلزم التوقف مليا أمام توكيد الوزيرة إيناس «أن أحد محاور استراتيجية عمل الوزارة هى الحفاظ على ما تملكه مصر من مفردات الهوية المصرية، وكذلك العمل على استرداد كنوز مصر المفقودة فى الداخل والخارج، وأثنت على رغبة حائز اللوحة فى تسليمها إلى وزارة الثقافة».
يقينا مغتبط ومثلى كثير بعودة لوحة «من وحى فنارات البحر الأحمر» إلى عهدة وزارة الثقافة، والشىء بالشىء يذكر، يصير السؤال، وماذا عن لوحة «ودن من طين وأخرى من عجين» التى ظهرت بعد اختفاء ٣٠ عاما فى دار «كريستيز للمزادات» فى عام ٢٠١٨، وبيعت فى مزاد يحمل عنوان «الشرق الأوسط.. الفن الحديث والمعاصر»، بمبلغ قيمته ٥٨٤.٧٥٠ ألف جنيه استرلينى، اللوحة الغائبة «ودن من طين وأخرى من عجين»، رسمها الجزار فى عام ١٩٥١ واختفت اللوحة لمدة تزيد على ٣٠ عامًـا، وعادت من جديد لتباع مرة أخرى، ومن المحتمل أن المشترى سيحتفظ بها مدى الحياة ولن نشاهدها مرة ثانية، وتعد لوحة «ودن من طين وأخرى من عجين» من أهم لوحات الفنية التى قدمها الفنان «عبد الهادى الجزار»، فهى تصف الاستسلام الذى يمكن أن يصل إليه الإنسان.
ويحدونى الأمل فى رؤية الأعمال الكاملة للجزار ومثله من رواد الفن التشكيلى، فى متحف الأعمال الفنية فى العاصمة الإدارية، متحف يضم روائع الفن التشكيلى المصرى الذى تبوأ مكانة طيبة عالميا.

جريدة القاهرة