أخبار عاجلة

صلاح عنانى: لوحاتى تحية للحياة.. وألوانى ترفض الموت  

حوار – سماح عبد السلام

فى معرضه الأخير «ضحك ولعب وجد وحب»، يصمم الفنان التشكيلى الكبير صلاح عناني، على تمسكه المستمر بفكرة الدفاع عن الهوية المصرية، ورفضه المحاكاة والتغريب فى العمل الفنى.
عنانى يقدم لوحاته بعد ثلاث سنوات من آخر معرض له، بعناوين أغان قديمة وحديثة وتعبيرات مصرية دارجة، مثل: «صباحية مباركة»، «إلعب يالا»، «أى دمعة حزن لا».
«القاهرة» التقت الفنان صلاح عنانى، ليحدثنا عن المعنى فى لوحاته، واللون، والرسالة، وعن رؤيته للمشهد التشكيلى فى مصر حاليًا.

= معرضك الأخير «ضحك ولعب وجد وحب»..بعد قرابة ثلاث سنوات من المعرض السابق فلماذا تستغرق وقتًا طويلاً للعرض؟
أريد أن أقدم إضافة حقيقية فى التصوير والنحت، وأعطى فرصة للمتلقى لأظهر له بمفاجأة تدهشه، ومن هنا أسعى لصنع المعادلة الصعبة بتنوع الأساليب والتقنيات. أما معظم فنانى الحركة التشكيلية فلديهم لوحة واحدة ويكررونها وكأننا بإزاء شيف يقدم واجبة واحدة بنفس المقادير بصفه مستمرة.
صحيح، لدينا فنانون يسعون للتنويع ولكن بدون أسلوب ملحوظ يقومون بتطويره، وآخرون يقدمون فى المعرض الواحد عدة أساليب كل لوحة بأسلوب. وهناك فنانون مختلفون ولكنهم فى الوقت نفسه يقدمون أعمالًا شبه آخرين، سواء اقتبسوا من الخارج أو يقدمون أعمالًا حسب الموضة، أو آخر يسرق من فنان ويكرره بمواصفات ثابتة، فيدرك الفنان صاحب الإنتاج الأصيل ذلك ويقدم تنويعات ليحتار الذى اقتبس منه، أما أنا فغايتى تطوير الوعى البصرى للجمهور وهذا دور مهم للفنان. وأقدم فى الوقت ذاته الأعمال تارة بضحك أو جد أو حب.
=هل يعُزى عرض لوحات سابقة بمعرضك الأخير كنوع من لفت ذهن المتلقى لمنتجك السابق؟
أعرض للمتلقى المابين عندما أضع لوحة «أى دمعة حزن لا»، لعبد الحليم حافظ بالاتجاه التكعيبى، وأعرض له النقلة الأكبر من خلال لوحة «التانجو» أو «إلعب يالا»، وإذا عرضت لوحة «تفاحة آدم» أعرض معها «صالصا» ثم أقفز بلوحة «صباحية مباركة» من حيث اللون والتعبير والتكوين. أعمل على تخييل الواقع أقدم واقعًا سحريًا فى الوقت ذاته.
= إذن تدفع المتلقى للتساؤل عن مدلول العمل الفنى؟
بالإثارة الذهنية والمخيلة أقدم الواقعية السحرية. كيف أن الفنان من خلال إطار اللوحة يصنع علاقات بين عناصر لوحته وكأنها واقع، ولكن بها عناصر متخيلية، فأقوم بتوسيع حيز المكان فى ذهنى وأقلب الأوضاع للمتلقى لكى أدهشه. نحن نرى بالعين العادية وبالعقل الباطن، والفنان المتمكن يضع عناصره على مستوى العقل المباشر، ويترك ترسبات فى العقل الباطن، هنا يتخلق وجدان اللوحة فتُدهش المتلقى والفنان معًا.
= لماذا تعنونون اللوحات؟
أرى أن أغانى العندليب وعبد الوهاب وغيرها مصادر رؤية بالنسبة لى. أحيانًا أرسم اللوحات بأسماء أغان وكأنى فى حالة تنافس مع الملحن، لقد استمعت لأغنية «ضحك ولعب وجد وحب» خلال العمل أكثر من خمسين مرة لكى تمنحنى الديناميكية وروح المعرض الأخير. والعنونة فى لوحة «الصالصا» لعب على خفة الدم المصرية استحضر بعنوان اللوحة روح شعبية..إلخ.. وأعتبر العنوان طريقتى وخصوصيتى.
=حدثنا عن تماثيل المعرض ولماذا عرضت نسختين من تمثال أم كلثوم؟
قدمت خمسة تماثيل برونز مباشر كنت أسبك فى البداية «بلدى»، والآن أمارس السبك فاكيوم مفرغ من الداخل. هناك متلق يحب تمثال أم كلثوم بالشكل الذهبى والتمثال الثانى دهبى على أحمر، ولكنهما غير متطابقين.
= منحوتاتك تبدو كشخصيات تخرج من اللوحات.. فهل من تفسير لذلك؟
هذه الشخصيات المنحوتة تضم الروح بالعالم الذى أعبر به. ولكنها لم تعُالج معالجة اللوحة بل بوسيط النحت وهذا أمر صعب. النحت لغة خاصة وحدس وروح الأشخاص التى قدمتها هى الموضوع. ولكن كيف يتم معالجة الخامة؟ تجربتى ما بين التصوير والنحت كانت مفيدة بالقدرة على تقديم عمل نحتى معادل لعالم التصوير.
= هل من فئة اجتماعية معينة تسترعى انتباهك عندما ترسم؟
أتناول كل الشرائح ولكنى اعتمد بشكل كبير على المهمشين، أرى أن حياتهم ليس بها تكرارية كشأن الطبقات الأعلى. منهم من يحيون ويعملون فى الشارع. ولى تاريخ بجلوسى عشر ساعات على المقهى بالغورية والحسين لمراقبة هذه النوعية من البشر، أتحدث معهم وأصادق البعض منهم وحتى الخطافين والهجاميين منهم.
وهنا أسرد قصة، ذات يوم اقترب منى هجام وعندما ضبطته قال لى: اعتقدت أنك خواجة، وطلبت منه أن يشرح لى كيف يخطف ويسرق، وفى نهاية الأمر طلب منى البحث له عن فرصة عمل، وبالفعل أرسلته للعمل فى ورشة لدى أحد أصدقائى، وعندما التقيته بعد فترة، أخبرنى بأنه ترك العمل، وقال لى مقولة آمنت بها: «أنا شوارعجى أحب الشارع»، وأنا مثله فى حبى وعشقى للشارع.
صحيح أمكث فى البيت ولدى ساعات العمل المقدسة للرسم والبحث والدراسة والقراءة ولكن للشارع نصيب كبير من حياتى. ومن ثم هو المستهدف فى لوحاتى. مصر تحب الحياة الدائمة. إذا نظرتى لورش الصنايعية مساء ستجدينها مغلقة وبها راديو يقوم بتشغيل القرآن الكريم وينير المحل، وكأنه يرفض إغلاق المكان.
= كيف ترى المشهد التشكيلى المصرى؟
لدينا ما يشبه دولة تشكيلية نتيجة عدد الخريجين سنويًا، ولكن الإنتاج الفنى لا شيء. كبيت الشعر القائل: «أنى لأفتح عينى على كثير ولكن لا أرى أحدا»، فنحن لدينا معارض وأنشطة لا ننكرها ولكن على المستوى الفكرى والفنى لا نجد شيئاً.
= من أين جئت بهذا التقييم الذى ربما يراه البعض قاسيًا، فى ظل عدم زيارتك للمعارض أومشاركاتك بالفعاليات الخاصة والرسمية؟
أتابع وأرى ما ينُشر من أعمال فنية عبر وسائل التواصل الاجتماعى. أى فنان يقيم معرضًا يضع لوحة بوستر أو إعلان من خلال أفضل لوحة له بالمعرض، فما نسبة التنويع التى يقدمها هذا الفنان بمعرضه عن اللوحة التى اصطفاها للبوستر؟ لدى خبرة وخيال وأقوم بالتدريس للطلاب بمعنى أننى أعرف أيًا منهم قدم عملاً جيدًا أو متوسطًا ومن اكتفى بسكب الألوان فقط.
= أذن ترى أن التشكيلى المصرى عاجز عن اختراع جمل فنية تخصه؟
نعم بالضبط يعترى بعضهم نوعًا من التعالى والعُقد أحيانًا. أخذوا القشرة الخارجية للغرب دون أن يعرفوا مصادرهم. هل سنحيا كثيرًا بعقد الخواجة؟

جريدة القاهرة