أخبار عاجلة

«قضايا وملامح فى الشعر الجنوبى».. رؤية نقدية لأبرز الأصوات الشعرية بالصعيد  

بقلم – بهاء الدين حسن
تحتاج الساحـة الأدبيــة إلى متابعـة، ورصد للمنجــز الإبداعى باستمــرار، فالساحة شاسعة والإنتـاج غزيز، وصروف الحياة وهمومها ومشاغلها تعرقل عملية المتابعة، فلم يعد هناك إلا القلــة القليلــة ممن يعنيهم الشــأن الأدبى، من يتواصلون ويواصلون مسيرة الكشف والتنقيب عن النمــاذج الإبداعيــة، وتحظى العاصمة بالقدر الأكبر من الاهتمام، فمن يعتنى بالمنجز الأدبى لأدبـاء الجنــوب؟!
ربما هذا ما جعل الشاعر والناقد فتحى أبوالمجد يولى اهتماما فى كتابه الأخير للجنوبيين.
فأبوالمجد المولـود فى دشنا بمحافظة قنــا، والحائز على جائزة المجلس الأعلى للثقافـة عام 1981، وجوائز أخرى عديدة، منها الجائزة الأولى فى الشعر من المجلس الأعلى للشباب والرياضة عـام 1983، أصدر عدة دواوين شعريــة، بين الفصحى والعاميـة وديوان فى فن الواو، منهـا ما هـو على نفقته الخاصـة، ومنهــا ما صدر عن الهيئــة العامـة للكتاب، وهيئة قصــور الثقـافــة، مثــل ديــوان «طيـّرنى» الصــادر فى 2011 عن الهيئــة العامـة لقصور الثقــافــة، وديــوان «وفى السمـاء متسع للطيـور» الصــادر فى 2018 عن الهيئـــة العامة للكتاب، والشاعر عضو اتحاد كتاب مصر!!
فى كتابــه «قضايا وملامح فى الشعر الجنوبى»، الذى يعد المولــود الثالث عشر فى مسيرة الشاعر والناقـد، والصـادر على نفقته الخاصــة، يكتب أبوالمجد عن أبنـاء الجنوب من المبدعين الذين وصلـوا بإبداعهم إلى القمـة، ووصل بهم إلى أعلى مستوى، دون أن يغادروا الجنـوب، أمثـال الشاعـر حسين القبـاحى وفتحى عبدالسميع وجمال العــدوى وأحمــد تمسـاح وأشــرف ناجى وعبدالحميـد أحمـد على وحمـدى حسين، وغيرهــم ممن ملأوا الساحة الأدبية بإبداعاتهم!!
ويرصـد الكتاب ملامح الشعر فى الجنــوب، فعن تجربــة تجليــات القصيـــدة ورومانسية الرؤى فى ديــوان «مواسـم ما بعـد العشـق» للشاعــر محمـد جاد المولى، يقول «يهب محمد جـاد المـولى نفسه للقصيــدة، ويركبها بالصـور والأخيلـة، ويشحنها بالمشاعر والأحاسيس، كمــا أنــه (جاد المولى) يطــرح مجمــل قضايـا الحياة وفق رؤيته الرومانسية لها»!!
ومن خلال ديــوان «الموتى يقفزون من النافذة»، يناقش فلسفة المــوت عند الشـاعر فتحى عبدالسميع كأيديولوجية يقينيــة، فالشاعـر كما يقول فتحى أبوالمجد لم يتناول قضية الموت من واقع جدلية الغيــاب أو الحضور، بل ذهب إلى معالجة ما وراء هذا الموت من حجب، أعلاها الخلود وأدناها التحرر من فوضى الحيـاة!!
وعن أكثر شعـراء الجنـوب اتصالا بسلـوك الحكى فى القصيدة، يكتب عن عالم الشاعر حمدى حسين، الذى يعتبر أن الحكاية هى المدخل الأساسى لعالمه الشعرى، وهى النبع الذى يستقى منـه الشاعـر مضامينه وألــوان قصـائـده، وذلك من خــلال ديوانـه “سكاكين وكفوف” الذى يستشعر القــارئ عندما يمضى فى استرسال قصائد الديـــوان، أن روحــا مهزومة تحلق فى الأركان، ويتعمد الشاعــر أن يحــاور ذاته عبر الآخرين مستندا إلى ذاته، ليتركنا، كما يقول أبوالمجد، عند منتصف المسافـة، ما بين شعـــوره الذاتى بالغضب ومظاهــر الانفجــار المؤجــل مع المخاطب!!
ويتوقف بنـا المؤلف عند الاستـدلال التاريخى فى ديــوان «إذا رسمتــه يفر» للشـاعر أحمـد جامـع، الذى يرى فيــه أن «جامع» يدخلنــا مباشــرة إلى عالمه الشعرى، لنلمس فى قصائده قضايــا الحاضر الممتـد، ما بين الذات وقســوة الواقع، ويبـدو أن الذات حاضرة عند العديد من الشعراء الذين تناولهم الكتــاب، فمن خلال ديوان «ليس شعرا ما أقول… وإنما» للشاعر النميرى متولى يكتب عن محاكمـة الذات، بداية من العنوان الذى ينفى فيه الشاعر عن نفسه صفة الشاعرية، ربمــا تواضعـا أو تراجعــا، مع أنه يطــرح قضية صدق الشعر، ورحلة صراعــه مع الأنــا والآخر والوطن، فى محاكمة علنية تبدو فيها الذات الشاعـرة!!
وعن أحــد أعمـدة شعــراء العاميــة فى الصعيـد، يكتب أبوالمجد عن الشـاعر، عشرى عبدالرحيم، الذى انحاز فى كتاباته منذ البداية للبسطاء، ففى ديوانه «صورة من ألبوم قديم» تحتل قضايا الإنسـان ومشاعره الإنسانية مجمل قصائد الديوان، الذى شارك فيه الشاعر أبناء مجتمعه خصوصية العلاقات فى هذا الواقع بمفرداته اليومية!!
هذه بعض نماذج مما تناولـه فتحى أبوالمجـد فى كتابـه المزدحـم بالعديد من مبدعى الجنــوب وعلى الرغـم من أن الكتاب يزخر بالعديد من الأسماء الجنوبية المتحققة، إلا أن الكاتب يشعر بالتقصير تجــاه من لم يسعفه الوقت فى الكتابة عنهم من ناحيـة، ومن ناحية أخرى أن بعض من تناولهم قـد وافتهم المنيـة بعدمـا شرع فى تنفيذ الكتاب، أمثال الشاعر جمال أبودقة وعلى يسن الروبى ومأمون الحجاجى وأحمد عبدالغنى!!

جريدة القاهرة