أخبار عاجلة

نبيل حداد: جابر عصفور رحلة عطاء يتعاظم أثرها مع الأيام  

مارس جابر عصفور دور الأستاذ الجامعى فى الشكل الأمثل عطاء علميًا وتأثيرًا شخصيًا إيجابيًا، وارتقى بالدور من درجة الأستاذ الباحث إلى درجة العالم المنظر، ومن دور القارئ المتابع لما تشهده الساحة الأدبية من إصدارات إلى دور الناقد الفذ الذى لا يشق له غبار. موقعه محجوز على الدوام فى أى مجلس أو محفل علمى أو نشاط ثقافي. بل إن مجالَسة جابر عصفور فى أى مناسبة حتى لو كانت فى مقهى كانت يُنظر إليها من جانب كثيرين على أنها فرصة وشرف.
وبدءًا من الثمانينيات أصبحت للرجل شخصيته الثقافية المتكاملة التى لا تكتفى بالعطاء أكثر أو بالإضافة النوعية الجديدة، بوصفه ينتمى إلى جيل فتى سعى بنجاح إلى إرساء ثقافة عربية تقدمية جديدة تمجد جلال التراث وتمجد كذلك المنجز التقدمى ذى المضمون الإنسانى بصرف النظر عن مصدره أو عن هوية أصحابه. ومن الضرورى هنا التذكير بثلاثة مراكب وعرة ركب مخاطرها هذا الربان الرائد، فى رحلة عطائه المظفرة المعطاءة، كان لها أثر كبير سيظل يتعاظم مع الأيام. أما المركب الأول فقد كان دوره الأكاديمى غير التقليدى نحو أجيال من طلبته ومريديه فكان المعلم وكان القدوة. وأما الثانى فعطاؤه بالكلمة ولا سيما فى ميدان الصحافة والإعلام، حينما جعل من مقالاته وأحاديثه جهازًا ثوريًا ينافح به عن ثقافة النور والتنوير ولا يخشى فى مسعاه صوتًا من هنا أو تهديدًا من هناك، وكان على الدوام جاهزًا لدفع الثمن، هكذا كان الأمر فى صداماته مع المؤسسات التى بيدها أمور الناس فى الدين والدنيا، بدءًا من السبعينيات وحتى الرمق الأخير.
نجح جابر إلى حد كبير جدًا فى استعادة شعلة الإصلاح التى أوقدتها جهود الإمام محمد عبده وأساتذته من الإصلاحيين، ثم لم تلبث هذه الشعلة أن اختطفتها أيدى من عرفوا بالإحيائيين، وما أوسع المساحة بين الفريقين، فقد كاد الإحياء أن يقتصر عند دعاته على الجانب الظلامى الذى قاد المجتمعات العربية إلى ما نعيشه اليوم، نعم فقد كان جابر عصفور فى طليعة من حمل شعلة التنوير وكان رأس الحرية فى التصدى للثقافة الظلامية، لا فى جهوده القلمية أو الأكاديمية فحسب بل بمنجزاته التنظيمية التى تمثلت بمؤسسات فكرية وأدبية كان من حسن حظ ثقافتنا العربية المعاصرة أن أنيطت بجابر عصفور مسئولية مركزية فى إدارتها والإشراف على برامجها فأشاعت ثقافة النور من حولها.

* كاتب وناقد أردنى

جريدة القاهرة