أخبار عاجلة

نبيل سليمان: «عصفور» حمل روحه على كفه.. وواجه المتطرفين فى أحلك اللحظات  

فى سيرته، كان يحلم والد جابر عصفور أن يكون ابنه مثل طه حسين، ولعلى لا أبالغ أن قولت هو طه حسين زماننا،حيث يعد أيقونة؛ ففى كتاب«المرايا المتجاورة» وهو عبارة عن دراسة فى نقد عميد الأدب العربي، بدا كم كان مهمومًا بالتنوير، ومن الألقاب الكبيرة التى حملها بجدارة كان «حارس التنوير» فكم كتاب له فى التنوير ومعوقاته مثل «الإرهاب، التطرف، التعصب». كما كانت له إصداراته فى العقل، يذكرنى بالمعرى فى كتابه «عنوان العقل» و«تحرير العقل»، وكان أيضًا يدافع عن العقلانية.
وحظيت الرواية كفن تنويرى باهتمام كبير من جابر عصفور، وذلك عبر الكثير من الذى كتبه عن النهضويين وعن التنويرين الأوائل فى القرن التاسع عشر مثل رفاعة الطهطاوى وفرانسيس مراش، خليل خورى، وغيرهم الكثير.. بهذا كله يبدو كم نحن بحاجة إلى أمثولة جابر عصفور فى هذا الزمن، رحل وترك لنا كثيرًا من الشموع التى تضيء الظلمات التى نحياها فى هذا الزمن الأسود.
هناك الكثيرون فى أيامنا يثنون على المثقف التنويري، ويصفونه مرة بالمثقف التكنوقراطي، أو المثقف النقدي، أو المثقف الإسلامي، إلى آخره.. وسواء صح هذا أم لم يصح فالأمر بالقيم التنويرية الإنسانية الرفيعة الكبرى كالحرية والمعرفة، وهذا كله بعض ما رهنه جابر عصفور شطرًا كبيرًا من عمره ومن طاقته ليكتب فيه مشغلًا أسئلة التنوير، فهو من تعمق فيها فى الحداثة الغربية، ولكن كان همه إيجاد فكر تنويرى عربى مع رعيل من الكتاب والمفكرين العرب التنويرين قبله ومعه، كما أسس لثقافة النقد التنويرى والرواية التنويرية، وأيضًا الفكر التنويري، حيث كانت البوصلة دائما تتجه إلى تحرير الفكر والتحرر الاجتماعى والوطنى فى مجابهة شجاعة ومتواصلة لدعاة الإرهاب والقتل والتطرف والتعصب، متذرعين زورًا وبهتانًا بالدين وبالإسلام.
لقد حمل جابر عصفور روحه على راحته، وواجه هؤلاء فى أحلك اللحظات، ولم يمكن الأمر فقط شجاعة مقاتل بل كان وعى المفكر و وعى المثقف، والدعاء الأكبر إلى تلامذته وأصدقائه ومحبيه فى أن يتبصروا فى تراثه والعلامة الكبرى لهذا التراث هى التنوير.
* روائي سوري

جريدة القاهرة