أخبار عاجلة

ياسر جمعة يكتب: لمسةٌ من كفٍّ صغيرةٍ  

رفعت كفها وهى تضيّق حدقَتى عينَيها الساهدتَين، وما إن توقف التاكسى أمامها غيرت رأيها، وقالت للسائق، الذى مال بوجهه المكفهر نحو النافذة القريبة منها، مرتبكةً وبملامح معتذرةٍ:
– شكرًا…
فلم يمهلها لتكمل ما تريد قوله، سبها بصوتٍ حانقٍ وانطلق بالسيارة، فجفلت، متراجعةً، وهى تفكر أن تعود مرةً أخرى إلى منزلها لتنام، رغم خوفها من الأحلام المزعجة التى تصاحبها منذ مدةٍ، غير أنها ألقت بنفسها فى سيارة الميكروباص التى توقفت على مقربةٍ، دون أن تعرف إلى أين ستذهب، وجلست فى المقعد الأخير.
كان النظر إلى الطريق، عبر النافذة المطلة منها بشعرها البنى الذى يلاعبه هواء الصباح، يأخذها إلى طفولتها البعيدة مرةً، وإلى صباها مرةً، وإلى شبابها القريب مرةً، كلما توقفت السيارة ليستقلها أو ينزل منها أحدٌ، مما جعلها تشعر بدوارٍ، فأغمضت عينيها وهى تتساءل:
– لماذا لا أرانى هنا، فى عمرى الحالي، أبدًا؟!
وعلى الفور، فتح سؤالها هذا بابًا فى خيالها، عبرته، لتجد امرأةً تشبهها تمامًا، أو ربما هى ذاتها، ولكنها عجوزٌ، بشعرٍ أبيض وغضونٍ تكاد أن تخفى ملامحها، كانت تمسك قطعةً من الفحم تملأ كفها المتسخة وترسم بها وجوهًا على جدار فى طريقٍ جانبيةٍ، وجوهٌ كثيرةٌ متجاورةٌ وخائفةٌ، وكان يسيل من عيونها كلها الدموع.. دموعٌ حقيقيةٌ، لامعةٌ وشفافةٌ، رأتها وهى تجففها بكم ثوبها ذى الزهور الصغيرة بعد أن تكون قد أربكت الخطوط، فتعيد رسمها بإصرارٍ وهمةٍ، وما إن يمر أحدٌ وينظر نحوها، تخبّئ وجوهها بجسدها الهضيم وذراعيها، مفزوعةً، كأن نظرات العابرين ستشوه ملامحهم، أو ستسرق بعضها وتهرب بها، وتبقى هكذا حتى يبتعد العابر ويتوارى، فتستأنف الرسم وتجفيف الدموع التى لا تتوقف رغم ذلك، مما دفعها للاقتراب منها كى تعاونها – وقد نسيت تمامًا أنها فى خيالها فقط – أو تحاول إقناعها بالعدول عن ذلك، وما إن جاورتها، ونظرتا فى عينَيْ بعضهما، نظرةً اقشعر لها جسدها، أحست بيدٍ تلمس خدها، ففتحت عينيها المحمرتين.
كانت يد طفلٍ فى الخامسة من العمر تقريبًا، وكان يحاول أن يمسك شعرها المتطاير، فيما تضمه أمه، الجالسة لصقها، واضعةً وجهها الشاحب فى خده البض، وتقول له:
– نعيد تانى؟
فيهز رأسه خفيفًا وتبهت، أو تنطفئ، نظراته، فتقول ليردد بعدها:
– أنا جاى.
– أنا جاى.
– اليوم.
– اليوم.
– أشكركم.
– أشكرك.
– أشكركم.
– أشكركم.
– لأنكم.
– لأنكم.
– خليتونى.
– خلت.. إيه؟
– خليتونى.
– خليتونى.
– أقدر.
– أقدر.
– أسمع.
هنا طوى الصغير ذراعه، الممدودة نحوها، ولمس بسبابته السماعة الطبية الموضوعة فى أذنه، فكررت أمه بصوتٍ شعرت أنه حقلٌ كبيرٌ:
– أسمع.
– أسمع.
– صوت.
– صوت.
– بابا وماما.
– ماما.
– بابا.
– بابا.
– وماما.
– وماما.
– ويسمعوا.
– ويسمعوا.
– صوتى.
– أنا تعبت.
قالها الصغير بصوتٍ نعسانٍ، رفعت الأم رأسها، مال وجهه حتى استقر مغمض العينين ما بين خدها والكتف، فأحكمت لف ذراعيها حول جسده المسترخى ونظرت إلى الأمام.
بينما ظلت هى، بعد أن أغلقت النافذة ولملمت شعرها، تنظر إليها، وإلى صغيرها فى حضنها، ويخفق قلبها بالامتنان، الذى غمرها تمامًا فقررت ألا تنزل قبلهما، حتى لو كان مكان نزولهما بعيدًا، كى تلوح للصغير وترى ابتسامته، التى كانت تراها، فعلاً، بين لحظةٍ وأخرى، بخيالها، فيسترخى جسدها الذى كان متوترًا.. يسترخي، وتلفها العذوبة والحنان، ودون أن تلحظ، تميل رأسها، وقد نامت، لتستقر على كتف المرأة، ملتصقةً برأس الصغير.

جريدة القاهرة