أخبار عاجلة

الدكتور عاصم الدسوقى يكتب: حريات شكلية واستقلال صورى

فترة العشرينيات هى نتاج لثورة 1919 وللحراك الوطنى السابق عليها الذى استهله الزعيم مصطفى كامل بمطالبته بجلاء الإنجليز عن مصر ثم تأسيسه الحزب الوطنى عام 1907 وهو الدور الذى واصله من بعده محمد فريد وفى تلك الفترة تأسست عدة أحزاب منها حزب الأمة وحزب الاصلاح على المبادئ الدستورية.
كان قوام النشاط السياسى المطالبة بجلاء الإنجليز ثم انفجر الوضع السياسى عام 1919 فيما عرف بثورة 19 وأصلها أن الإنجليز تعهدوا فى نهايات الحرب العالمية الأولى حين عقد مؤتمر الصلح بباريس وتوقيع معاهدة فرساى التى قضت بالنظر فى تسوية آثار الحرب تلبية لتصريح الرئيس الأمريكى ويلسون فى يناير 1918 بعقد اجتماع بين الحلفاء لمنح حق تقرير المصير (للشعوب المغلوبة على أمرها).
فى تلك الفترة فكر الأمير عمر طوسون فى تشكيل وفد ليعرض المسألة المصرية فى مؤتمر الصلح غير أن محمد سعيد باشا رئيس الوزراء الأسبق نبهه لحساسية موقفه كأحد أفراد العائلة المالكة من فرع آخر غير الذى ينتمى إليه الملك ونصحه بأن يلتقى بسعد زغلول بصفته وكيل اللجنة التشريعية التى تشكلت عام 1913 بموافقة الإنجليز إرضاء للمطالب الملحة المطالبة بالحكم السيادى المصرى.
وبالفعل تم ترتيب لقاء بين طوسون وسعد زغلول وحين علم السلطان أحمد فؤاد باتصالات عمر طوسون الذى يعلم موقفه من الحكم استدعاه وطلب منه أن يبقى فى الإسكندرية ولا يأتى إلى القاهرة مطلقا كى يمنعه من لقاء سعد زغلول.
هكذا وقعت المسألة فى يد سعد زغلول الذى واصل اتصالاته وطلب من الإنجليز السفر لعرض المسألة المصرية ولم يرحب الإنجليز ووجهوا له تحذيرا من عقد الاجتماعات العامة ولما لم يمتثل ألقى القبض عليه وتم نفيه إلى مالطا وبعد عودته من منفاه واندلاع الحراك الشعبى تشكل الوفد أولا كتيار وطنى ثم كحزب سياسى.
هذه الخلفية السياسية والتاريخية كان لها أكبر الأثر على فترة العشرينيات حيث تم إعلان مصر مملكة مصرية ذات سيادة مع وضع أربعة تحفظات يتم التفاوض بشأنها قبل أن يصبح الاستقلال قائما.
كثير من القراء والمتخصصين لا ينتبهون إلى أن هذا الاستقلال كان صوريا إذ ظلت كل القضايا المهمة والمسائل المعقدة معلقة على شماعة التفاوض بدءا من التعويضات المطلوب من مصر دفعها مقابل خسائر الإنجليز فى فترة الثورة مرورا بوضع السودان وانفصاله عن مصر وصولا للامتيازات الأجنبية.
وبعد إعلان دستور 1923 وإجراء الانتخابات البرلمانية واختيار سعد زغلول رئيسا للوزراء بدأت سلسلة من المفاوضات مع الإنجليز بخصوص الجلاء عن مصر كانت دائما تنتهى إلى لا شىء ولم يتحقق الجلاء إلا فى عام 1954 بعد قيام ثورة 1952 فالفارق بين حالتى التفاوض أن السياسى قبل 1952 كان لا يستند إلى قوة لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه بينما بعدها كان الجيش بقوته ضامنا لتنفيذ بنود اتفاقية الجلاء وردع محاولات المراوغة أو التراجع.
والحقيقة أن الحرية التى يبالغ البعض فى وصفها خلال عشرينيات القرن الماضى كانت شكلية فقد كانت الأمة المصرية مقيدة بإرادة الملك تارة والإنجليز تارة أخرى بدءا من الدستور الذى اختار الملك بنفسه 12 شخصية لوضع مبادئه ثم عرضت على 30 عضوا ليس من بينهم سعد زغلول لذا أطلق عليها «لجنة الأشقياء» وحينما اعترض الملك على المادة المقترحة التى تفيد بأن الملك يملك ولا يحكم، تمت إعادة صياغتها لتصبح «الملك يملك ويحكم بواسطة وزرائه.
حرية الصحافة كانت كذلك مقيدة حيث كان معتادا أن تصدر الصحف فى ذلك الوقت وبها مساحات بيضاء دليل على سطوة الرقابة على المطبوعات آنذاك أى أن الحرية المتاحة فى عشرينيات القرن العشرين لم تكن بالقدر الذى يتصوره البعض.

*المقال منشور بجريدة القاهرة

جريدة القاهرة