أخبار عاجلة

الدكتور محمد عفيفي يكتب: فترة شبه ليبرالية فارقة فى تاريخ مصر

لا نستطيع أن نفصل فترة العشرينيات والزخم السياسي الذي ميزها عن ثورة 1919 التى مثلت حدثًا كبيرًا ليس فى مصر وحدها إنما على المستوى العربى والعالمى وما صاحبها من مطالبة بإلغاء الحماية البريطانية على مصر وبالتالي استقلالها، وهو ما اضطر بريطانيا لإصدار تصريح 28 فبراير 1928 الذى أعلنت فيه رفع الحماية عن مصر، فتم إعلان قيام المملكة المصرية عام 1922 ثم صدور دستور 1923 الذي تشكلت على أساسه الحياة النيابية الليبرالية أو شبه الليبرالية حتى عام 1952.
بالنسبة للأحزاب السياسية فقد تشكلت وفقًا لدستور 1923 لكن القصر فى الحقيقة لم يكن مع إقامة حياة ليبرالية لذلك اتجه لإيقاف العمل بدستور 1923 وعمل على إصدار دستور1930 الذى أطلق سلطاته وزاد من نفوذه، كما كان الاحتلال البريطانى معوقًا آخر لطموحات السعب المصرى نحو الحرية والاستقلال.
واتسمت الحياة السياسية فى ذلك العقد أيضًا بالتنافس بين الأحزاب السياسية ورغم أن ذاك يبدو أمرًا طبيعيًا لكنه فى تلك الحقبة بدا وكأنه تنافس مرضى وتجلى فى ظهور الاختلاف داخل الحزب الواحد مما نتج عنه انشقاقات فى كثير من الأحزاب وهو الأمر الذى سجلته المذكرات الخاصة لكبار السياسيين آنذاك.
لكن على أى الأحوال شهدت تلك الفترة تجربة شبه ليبرالية مهمة فى تاريخ مصر، فعلى سبيل المثال كان مجلس النواب فى فترة العشرينيات لا يتوانى فى مناقشة القضايا الاجتماعية والسياسية وعلينا أن نفرق بين المجالس البرلمانية أو المجالس النيابية سواء مجلس نواب أو مجلس شيوخ التى كانت الأغلبية فيهما لحزب الوفد حينما كان الحزب الأكثر شعبية وكان فى هذا الوقت يتم طرح القضايا الاجتماعية والسياسية بشكل كبير وبين المجالس البرلمانية الأخرى التى كانت تشكلها حكومات الأقلية حيث كانت الأخيرة أضعف بشكل كبير.
لكن بشكل عام انطبع فى الذاكرة الوطنية المشهد الذى يصور أواخر الفترة الليبرالية فيما قبل 1952، وفشل المجالس النيابية فى معالجة الأزمات الاجتماعية الى حد كبير، صحيح أن القضابا كانت تطرح لكن لاتصدر قوانين وعلى سبيل المثال فقد طرح مشروع الإصلاح الزراعى فى المجالس البرلمانية قبل ثورة يوليو لكن لم تستطع تلك المجالس أن تصدر قانونًا يلزم بتطبيقه.
أما عن النخبة السياسية فى ذلك العقد ومدى تأثيرها فنجد مثلًا أن عبد الناصر ولد عام 1918 وعاش فى تلك الفترة الليبرالية وأصبح له توجه سياسى وهو طالب فى المدرسة وحتى عندما أصبح ضابطًا بالجيش ظل له هذا التوجه نتيجة هامش الحرية الذى كان موجودًا فى تلك الفترة وتأثر بقراءاته وبخاصة لتوفيق الحكيم.
وكان كبار الصحفيين بعد ثورة يوليو مثل هيكل وأحمد بهاء الدين من بين الجيل الذى نشأ فى هذه الفترة، لذا لا يمكن لدارس التاريخ أن يفصل بين الفترتين من حيث تكوين النخب، لكن أستطيع التمييز بينهما من ناحية النظام السياسى نظام الحزب الواحد مع استمرار النخب فى التأثير، فمثلًا نجد أن من بين الشخصيات التى امتد تأثيرها دكتور طه حسين نجيب محفوظ لويس عوض.
وبالمقارنة بين الفترتين التاريخيتين نجد أنه بعد ثورة 1919كان الزخم أكثر نتيجة لتعددية الأحزاب وكانت الأحزاب ظاهرة وحاضرة فى المشهد السياسى وكانت الصحافة مؤثرة بشكل كبير وقادرة على تشكيل الوعى.. أى أن الفارق الجوهرى بين الزمنين هو حضور الأحزاب على الساحة السياسية وفى الشارع، إضافة لدور الإعلام الذى كان متمثلًا بشكل أساسى فى الصحافة.

*المقال منشور بجريدة القاهرة

جريدة القاهرة