أخبار عاجلة

المسرح الجاد.. ثورة وطنية على «الخشبة».. اقتصاديو مصر يؤسسون شركة لإنقاذ المسرح من «الهزل» رأسمالها 8 آلاف جنيه  

كتب: محمد عبدالرحمن
قسم الفيلسوف اليونانى الأشهر، أرسطو، الخصائص المسرحية إلى مأساة وملهاة، وميز بينهما بأن «المأساة» فعل نبيل، و«الملهاة» فعل أزلى يثير الضحك، معتبرًا أن التراجيديا هى محاكاة لفعل جاد، تأخذ موضوعها من الواقع كالحب والصداقة والوفاء، وتؤثر فى وعى الفرد والمجتمع.
نشأة هزلية
المسرح المصرى الحديث منذ نشأته مرت عليه كل الأشكال والقوالب المسرحية، وتخلت فترة نشأته محاولات لتقديم أنواع تجذب إليها الجمهور وتعالج اهتماماته، ومر عليه فترة من المسرح الهزلى وانتشرت أعمالها فى مسارح عماد الدين، وأدت إلى أن يسود هذا التيار ويحتل رقعة واسعة، حتى طغى على المسرح الجاد والغنائى.
ويعزى الدكتور على سيد إسماعيل ذلك فى كتابه «مسرح على الكسار» إلى أن عنصر الكوميديا كان مطلوبًا فى ذلك الوقت، النصف الثانى من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، بل ويعتبر ورقة رابحة فى يد من يمتلكها.
مواجهة الهزلى
سيطر المسرح الهزلى سيطرة شبه كاملة، حتى جاء عام 1917، حيث تأسست شركة ترقية التمثيل العربى «جوق عبد الله عكاشة وإخوته وشركائهم» وذلك باتفاق كل من عبدالخالق باشا مدكور وطلعت حرب وزكى وعبد الله عكاشة وأسسوا الشركة المساهمة لتقوم بالإنفاق على فرقة عكاشة، ولتحميها من التيار الهزلى، فقامت الشركة بتأجير مسرح الأزبكية لمدة 50 عامًا بإيجار سنوى وقدره 12 جنيهًا بموجب عقد يسمح للفرقة بتجديد بناء المسرح وتم طرح أسهم الشركة للاكتتاب حتى وصل رأس المال إلى 8000 جنيه لتغطى تكلفة البناء الجديد.
الغنائى وبداية المسرح الجاد
مع مطلع القرن العشرين، بدأ المسرح الغنائى فى الانتشار بين المصريين، وقد اشتهر بتقديم هذا الفن الفنان جورج أبيض، والذى أخذ على عاتقه تأسيس المسرح الدرامي، ولكن غالبية مجهوداته اتجهت إلى المسرح الغنائى، حيث استطاع أن يلجأ فى مسرحياته إلى فنانين ومطربين مشهورين فى ذلك الوقت، منهم سلامة حجازى وسيد درويش، وما لبث أن انضم للفن المسرحى يوسف بك وهبى الذى استطاع أن يُحدث نقلة مهمة فى تاريخ المسرح الدرامى، من خلال أعماله الفنية التى لاقت نجاحًا كبيرًا، واعتبر بداية للمسرح الجاد، من جانب آخر استطاع نجيب الريحانى وعلى الكسار تقديم عروض كوميدية هادفة مصرية التأليف، مع بداية المناداة بوجود مسرح وطنى مصرى والذى أنشئ عام 1921.
دور ثورة 1919
ازدهر النشاط المسرحى خلال الفترة التى أعقبت ثورة سنة 1919، حيث تعددت الفرق المسرحية التى لمع فيها كبار الممثلين والمخرجين، الذين يعتبرون جيل الأساتذة لفن التمثيل فى مصر، فقد كانت هناك منذ أواخر الفترة السابقة، وأوائل هذه الفترة، فرقة منيرة المهدية، وفرقة عبد الرحمن رشدي، وفرقة أبناء عكاشة، وجمعية رقى الآداب والتمثيل، وجمعية أنصار التمثيل، وفرقة عزيز عيد، وفرقة الريحانى، وفرقة على الكسار.
الهدف من «الجدية»
فى كتابه «تطور الأدب الحديث فى مصر» يرى الكاتب أحمد هيكل أنه فى أعقاب الحرب الكبرى الأولى كان غلب على المسرح الجانب الهزلى، وأصبح الجانب الجاد فى المحل الثاني، ووصل الأمر إلى ما يشبه الأزمة للمسرح الجاد فى أوائل الفترة التى يُساق عنها الحديث، حتى أصبحت الحاجة ماسة إلى فرقة مسرحية جديدة تضطلع بالمسرح الجاد، وتبذل فى سبيله كثيرًا من الجهود، وقد كانت فرقة رمسيس المسرحية التى كوّنها يوسف وهبى سنة 1923، هى الفرقة التى اضطلعت بهذه المهمة، وقد آزرتها بعض الوقت فرقة فاطمة رشدى.
وتقول فاطمة رشدى عن المسرحية الأخيرة فى كتابها «كفاحى فى المسرح والسينما»: «كانت المنافسة الشريفة بين فرقتى وفرقة رمسيس ليوسف وهبى على أشدها، وقد بدأنا موسمنا فى 4 أكتوبر عام1928 واستؤنفت المنافسة بين الفرقتين أشد مما كانت فى المواسم السابقة، وكان المسرحان فيها غاصين بالمتفرجين، واستطاع عزيز عيد مخرج فرقتى أن يجعل من زميله الفنان استفان روستى الممثل الهزلى الضاحك ممثلا جادًا، حين أسند إليه تمثيل دور قيصر فى مسرحية رواية يوليوس قيصر لشكسبير».
فى النهاية خلق المسرح الجاد روح جديدة للعمل المسرحى على الصعيد الإخراجى والتأليف والأداء، وخلق جمهورا جديدا من عشاق المسرح المصرى.

*منشور بجريدة القاهرة

جريدة القاهرة