أخبار عاجلة

«المسرح».. من النقل إلى الاقتباس إلى التمصير  

كتب: محمد عبدالرحمن
كانت الشوارع تموج بالهتافات، تفوح منها رائحة الحلم، المصريون يهتفون، يغنون من أجل الاستقلال، وفى عصر يملؤه الرموز، تصنع النهضة ويبنى المجد، عظماء فى كل المجالات، كتاب وفنانون ومطربون حملوا لواء رفعة الإبداع، ثورة جديدة فنية وفكرية وإبداعية مصرية خالصة تبناها الآباء المؤسسون للنهضة المصرية، ومن المسرح بدأت حركة وطنية فنية رائعة كنواة لفن مصرى خالص.
كانت البداية على يد الرائد يعقوب صنوع، حيث نشأ المسرح المصرى بشكله الحديث، فكان أول من أنشأ مسرحًا عربيًا فى مصر عام 1870، حيث قدم على خشبته ما يقرب حوالى 30 عرضًا تتراوح بين المشهد الواحد والتراجيديا عن الروايات المترجمة عن الفرنسية، ليكون أول مسرح مصرى فى مقابل مسرح الطبقة الاستقراطية، حيث كانت الفرق الأوروبية تفد لتقدم عروضها للأجانب المقيمين فى مصر.
ولادة غير شرعية
فى بداية المسرح المصري، لم تكن النصوص ابنة بيئتها، حيث اعتمد الآباء المؤسسون على الترجمة بتحويل بعض الأعمال المسرحية إلى العربية مثل أعمال المسرحى الفرنسى «موليير»، ورغم أن النشاط المسرحى فى فترة لاحقة تحول إلى مرحلة الاقتباس من التاريخ العربى، مثل أوبريت «راستو وشيخ البلد والقواص»، لكنها ظلت «ولادة غير شرعية» للمسرح المصرى بحسب تعبير الأديب يوسف إدريس فى كتابه «الفرافير» وذلك كونه نشأ كحفيد ملفق للمسرح الفرنسى فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وتطور الأمر من الترجمة الحرفية إلى التعريب والاقتباس، وليس فقط ترجمة واقتباسًا للنصوص، حتى فى مدارس التمثيل اعتمدت على التقليد واتجهت للقوالب الفرنسية.
عصر الإصلاح
مع بداية القرن العشرين اتجه المسرح إلى التمصير رويدا، وبدأت الدعوات بضرورة تقديم نصوص من التراث المصرى والعربى باعتبار أن المسرح «شأن ذا شعبية كبيرة جدًا» فى كثير من الأحيان، ودعا المصلحون الحقيقيون فى الجزء الأول من القرن العشرين إلى تقديم مسرح مصرى خالص، ولكن ظلت المشكلة الكبرى أن هذا يحدث بوسائل وتكنيك مسرحى ليس نابعًا من تقاليدنا.
ثورة 1919
تتعدد ألوان المسرح بين الغنائى والكوميدى، لكن ظلت النصوص المترجمة مسيطرة على الساحة، حتى حانت لحظة ثورة 1919، فإذا بالمسرح يتحول إلى كتيبة وطنية تتحرك فى مواكبة الثورة على وقع ألحان سيد درويش، وراح المسرح يلعب دوره السياسى، واندمج محمد تيمور مع سيد درويش، فعرب الأوبريت الشهير «الزوجة الثانية عشرة» وكان فارسى المسرح فى تلك الفترة حينما حملا راية المسرح تأليفًا ولحنًا.
فى ظل الروح الوطنية التى بثتها الثورة، وفى أعقابها بدأ المسرح يخرج رويدا من عباءة القوالب الأجنبية، وسادت الرغبة فى تقديم مسرح مصرى بكتابة وروح مصرية خالصة، وهى الرغبة التى أملت على محمد ومحمود تيمور وبديع خيرى ونجيب الريحانى وتوفيق الحكيم كتابة روايات «الثورة المصرية الأولى»، روايات هدفها الانسلاخ بالموضوع وصبغه بصبغة مصرية خالصة.
عصر التغيير
الناقد الكبير فاروق عبد القادر، أكد فى كتابه «ازدهار وسقوط المسرح المصرى» ذكر محاولات كتابة مسرح وطنى، وكيف كان الرأى العام ينادى بوجود مسرح وطنى مصرى بعيدًا عن الأدب العالمى، فنشأ المسرح الوطنى عام 1921 وظهر المسرح الشعري، حيث انضم أمير الشعراء أحمد شوقى للتأليف المسرحى وكتب «مجنون ليلى» و«مصرع كليوباترا»، كما قدّم الأديب توفيق الحكيم العديد من المسرحيات مثل «أهل الكهف» و«إيزيس» و«نحو حياة أفضل».
ووفقا لدراسة نشرت فى فصلية «الثقافة الشعبية» البحرينية، تحت عنوان « تأثير التراث الشعبى فى المسرح العربى» للباحث أيمن حماد، فأن كتاب هذا العصر استفادوا فى معالجتهم بالتراث المصري، وعمل بعضهم مثل أمير الشعراء أحمد شوقى على اصطياد لحظات التحول فى تاريخ مصر القديمة مثل مسرحياته (مصرع كليوباترا، قمبيز)، وأضاف إليها الخيال الشعبى من الحواشى والذيول ما أسبغ عليها جوًا أسطوريًا عبقًا، كما صنع فى مسرحيتيه (عنترة ومجنون ليلى19)، وصار على النهج ذاته كتاب المسرح الذين أتوا بعد شوقى، كعزيز أباظة، وتوفيق الحكيم، وعلى أحمد باكثير.. وغيرهم.
هذا التحول الذى تبناه الكثير من كتاب على رأسهم أمير الشعراء أحمد شوقي، كان نواة لتأسيس وانطلاقة للمسرح المصرى المعاصر، وانطلاقة حقيقية وفعالة نحو مسرح من إبداع مصرى خالص.

*منشور بجريدة القاهرة

جريدة القاهرة