أخبار عاجلة

تمرد الريحانى يؤسس الكوميديا المصرية  

كتبت: أمنية طلعت

بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، نشأ تعطش لدى المزاج الشعبى المصرى نحو مشاهدة مسرح يشبهه ويعبر عنه وعن شخصيته وحياته، وربما كان نجيب الريحانى هو أول من انتبه إلى هذا التوجه وسعى له، وكان خلال هذه الفترة يعمل مع مجموعة من الكوميديانات الرواد مثل استيفان روستى وحسن فايق وأمين صدقى وعبد اللطيف جمجوم وبالطبع عزيز عيد الذى أسس معه «فرقة الكوميدى العربي»، والتى كانت تُقدم أعمالاً أوروبية مُعربة أثارت حفيظة الجمهور المصرى الذى تعامل مع بعض النصوص على أنها خارجة، مثل مسرحية «خللى بالك من إميلي» التى تحكى يوميات بائعة هوى.
اختلف عيد والريحانى حول ما يفضله الجمهور، فقد رأى الأول أنه من الصعب إبداع نص مصرى خالص، بينما رأى نجيب أن الوقت قد حان لخلق شخصية مصرية تعبر عن الشارع وتنحت الضحكة من هموم الناس، وهنا افترق الثنائى «عيد/ الريحاني»، وانطلق نجيب فى نحت مشواره الكوميدى الأصيل وإن عانى كثيرًا حتى تمكن من بلورة شخصية كشكش بيه التى اختلفت الآراء حول الأصل الذى استوحى منه الريحانى هذه الشخصية، لكن نجيب نفسه صرح بأنه رسم أبعادها من عُمد الريف الذين كان يلتقيهم فى البنك الزراعى الذى عمل به، حيث عُمدة عجوز شهوانى شغوف بالحياة والمرح ولكنه ساذج، يرتدى الجُبة والقَفطان ويأتى إلى القاهرة بجعبته المكدسة بالأموال، لتلتف حوله بائعات الهوى ويُضعن كل أمواله، ثم يتركنه مفلسًا، حيث يعود إلى بلدته يعض على بنانه من الندم.
عانى الريحانى كثيرًا حتى تمكن من إخراج هذه الشخصية إلى الجمهور، وكانت أولى مسرحياته هى «تعاليلى يا بطة» ومدتها 10 دقائق على مسرح الملهى الليلى «أبيه دى روز» لصاحبه اليونانى روزاتى، والتى حققت نجاحاً كبيراً، ما جعل نجيب يقدم مسرحيات أخرى مثل «بسته ريال» و «بكره فى المشمش» وغيرها، وأصبحت هناك حفلات نهارية للسيدات، كذلك استدعى نجيب أصدقاءه القدامى مثل أمين صدقى ليبتكر له شخصيات جديدة مثل «أم شولح» حماة كشكش، وسرعان ما استقل بفرقته على مسرح «الرينيسانس» ليحقق مكاسب مالية ضخمة، لتبدأ موجة جديدة فى عالم الكوميديا المصرية تستدعى آخرين لينضموا إلى هذا التيار الذى يعتمد على البيئة المصرية لتوليف الضحكة!
ظهر على إثر نجاح الريحانى مقلدون كثيرون، ابتدعوا شخصيات مشابهة لكشكش بيه، كان أهمهم على الكسار الذى ابتدع الشخصية النوبية «عثمان» التى تتمتع بالدهاء رغم طيبتها وسذاجتها، وانطلق الكسار على مسرح ملهى «الكازينو دى بارى» يقدم شخصيته بكثير من المحاكاة لكشكش الريحاني، حتى أنه قدم مسرحيات تقترب فى الأسماء من مسرحيات الريحانى مثل «البربرى فى باريس»، لكن وفقاً للمؤرخين الفنيين ونقاد هذه المرحلة، كان الريحانى أرحب خيالاً وأقدر على تقديم الفكاهة الأصلية مقارنه بالكسار، لكن هذا لا يمنع أن الكسار تمكن من منافسة الريحانى وسحب البساط من أسفل قدميه.
تميز الكسار على الريحانى بمزج التمثيل مع الغناء وهو ما حقق نجاحاً جماهيرياً كبيراً أجبر فرقاً مسرحية رصينة فى ذلك الوقت على التخلى عن التمثيل باللغة العربية الفصحى وأن تمزج بين التمثيل والغناء، وربما أسهم فى صعود نجم شخصية عثمان عبد الباسط انتقال أمين صدقى للعمل معه وتأليف مسرحيات حققت نجاحاً مبهراً حتى عام 1925 عندما اختلفا وانفصل أحدهما عن الآخر، حيث قدما أعمالهما على مسرح «الماجيستيك» بعماد الدين.
ورغم نجاح على الكسار الجماهيرى الساحق والذى هدد عرش نجيب الريحاني، إلا أن نجيب يبقى أبوالمسرح الكوميدى المصرى الذى نشأ فى عشرينيات القرن العشرين.

*منشور بجريدة القاهرة

جريدة القاهرة