أخبار عاجلة

موسيقى فترة العشرينيات.. فوضى أفضت إلى ثورة

كتب: محمد عطية
يمكن وصف ما حدث فى فترة العشرينيات من القرن الماضى على مستوى الموسيقى والغناء بأنها بدأت بفوضى عارمة ثم شهدت رحيل العديد من الأسماء المهمة فى تاريخ الأغنية وانتهت على وقع ثورة موسيقية أطاحت بالشكل الكلاسيكى القديم للغناء.
تلك الثورة استمرت حتى أواخر الثلاثينيات وترتب عليها اختفاء بعض الألوان والقوالب الموسيقية التى كانت راسخة فى الغناء المصرى، مثل فن الدور وقالب الموشح، مثلت فترة العشرينيات الحد الفاصل بين عهدين لتتشكل بعدها الملامح التى سيسير عليها الغناء لعهود تالية.
بدأت تلك الفترة بموجة من الطقاطيق الماجنة التى تتمحور أفكارها حول الجنس والمخدرات والقمار، منها على سبيل المثال «بعد العشا» من غناء «منيرة المهدية» و«تعال يا شاطر نروح القناطر» غناء نعيمة المصرية «ارخى الستارة اللى فى ريحنا» غناء عبد اللطيف البنا، تلك الطقاطيق شارك فى صناعتها عتاولة الشعراء مثل يونس القاضى وبديع خيرى ولحنها كبار ملحنى الفترة سيد درويش زكريا أحمد وداود حسنى ومحمد القصبجى.
وجدت تلك الطقاطيق البيئة الخصبة للنمو وأسهم فى ذلك انتشار أجهزة الجرامافون داخل بيوت الطبقة المتوسطة وتهافت شركات الأسطوانات على طبع أكبر كم منها، وبدأ المجتمع يبحث عن فترة استراحة بعد الأحداث العصيبة التى مرت على البلاد من تورط فى الحرب العالمية الأولى (1914- 1918) ثم اشتعال ثورة 19 والتى لعبت فيها الطقاطيق والأغانى السياسية دورًا أصيلًا فى إلهاب حماس ومشاعر الشعب الأمر الذى جعل المحتل يقوم بمصادرة كشك الموسيقى فى حديقة الأزبكية وبدأ حملات تضييق على المسارح والمحلات مما أدى إلى تحول الطقطوقة من مناقشة قضايا المجتمع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية إلى مغازلة غرائزه.
بدأت تلك الطقاطيق فى الانحسار فى أواخر العشرينيات بعد إنشاء هيئة الرقابة على المصنفات وصدور قرار بعرض الأعمال الفنية عليها أولًا للبت فى صلاحيتها للغناء من عدمه، والغريب أن أول رقيب كان الشيخ يونس القاضى أشهر من كتب تلك الطقاطيق والذى أصدر قرارًا بمنعها من التداول بما فيها الطقاطيق التى كتبها.


بالتوازى كان المسرح الغنائى يعيش أوج فترات مجده على يد خالد الذكر سيد درويش صاحب أولى صيحات التجديد الموسيقى فى القرن العشرين وخلدت أعماله فى الكثير من المسرحيات التى أدتها فرق مسرحية كثيرة أهمها فرقة نجيب الريحانى وعلى الكسار ومنيرة المهدية وفرقة أبناء عكاشة، وتعد أوبريتات سيد درويش تطويرًا عظيمًا للمسرح الغنائى الذى أسسه خليل القبانى وإسكندر فرح حتى بدأت تخفت أضواء المسرح الغنائى بعد الأزمة الاقتصادية العالمية التى أثرت على مصر وأعقبتها ظهور السينما الغنائية وإنشاء الإذاعة المصرية أوائل الثلاثينيات.
محطات فارقة.
مثل رحيل خالد الذكر سيد درويش أولى المحطات الفارقة فى تلك الفترة، بدأ الصراع على إرثه الفني، أخذ الشيخ زكريا أحمد مقعده فى المسرح الغنائى وبذل مجهودًا ضخمًا فى تطوير قالب الطقطوقة والدور حتى وصل إلى ذروة التطور أواخر الثلاثينيات ومن رحم الطقطوقة خرج قالب الأغنية التى نسمعها حتى الآن.
بدأ عبدالوهاب السير على خطى سيد درويش فى تعبيرية ألحانه وطريقة أدائه، وحافظ الشيخ «أبو العلا محمد» و«داود حسنى» على ألحانهم المحافظة فى القصائد والموشحات، واستقرت أم كلثوم لأول مرة فى القاهرة لتبدأ مغامراتها الفنية مع أبو العلا محمد وأحمد صبرى النجريدي، لكن تظل أول ملامح تجديد فى شكل الغناء المصرى على يد الموسيقار «محمد القصبجى» الذى بدأ محاولاته فى تطوير قالب المونولوج المستوحى من الأوبرا الإيطالية.
قاد القصبجى ثورة جديدة على شكل الغناء العربى من ناحية بنية الألحان وتطوير المقدمات واللوازم الموسيقية وتعدد الأصوات والاهتمام بعلم الهارمونى والتوزيع الموسيقي، ووجد فى صوت «أم كلثوم» المقدرة على تنفيذ أفكاره الثورية.
برحيل الشيخ أبو العلا محمد انفرد القصبجى بصوت أم كلثوم وكوّن لها أول فرقة ستصاحبها فى الحفلات والتسجيلات، وبدأ معها رحلة التجديد حتى وصل إلى ذروته فى مونولوج «إن كنت أسامح وأنسى الأسية 1928» الذى يعتبر نقطة التحول الأولى فى تاريخ الغناء العربى، حيث نسف أساليب الغناء القديمة وأعطى أولوية لجمل اللحن للتعبير عن مضمون الكلمات دون الارتكان إلى التطريب المزخرف المبالغ فيه، ومنح الملحن أولوية على صوت المطرب، هذا المونولوج باع أكثر من ربع مليون أسطوانة وكان الباعث الأول لكل الملحنين لتطوير موسيقاهم وبرغم النجاح الضخم إلا أنه لم يسلم من الانتقاد، حيث وصفه البعض بالفرنجة والخروج على تقاليد الغناء العربى.
على خطى القصبجى بدأ عبد الوهاب مغامراته هو الآخر فى فن المونولوج، حيث غنى ولحن «أهون عليك» و«اللى يحب الجمال» «الليل يطول» وتوّجها بالمونولوج الأشهر له فى تلك الفترة «فى الليل لما خلى» المختلف على سنة إنتاجه ما بين 1928 و 1929 وأنه نال شهرته عندما غناه أمام الملك فؤاد الأول فى افتتاح معهد الموسيقى العربية 1929 هذا المونولوج الذى أثبت براعة عبدالوهاب فى صياغة الألحان التعبيرية التى تطوع لخدمة الكلمات وإبراز معانى كل مفردة فيها على حدة ثم التلاعب الجيد بالإيقاع مع لحن شديد المرونة والانسيابية، هذا المونولوج أفصح عن شخصية عبد الوهاب الفنية، حيث قال عنه: «إنه وجد نفسه التى كان يبحث عنها».
مع نهاية العشرينيات عاندت أصوات كثيرة مسيرة التغيير فبدأت تخفت الأضواء من حولها مثل «منير المهدية» و«صالح عبد الحي» و«عبد اللطيف البنا» ووضح أن مستقبل الغناء العربى يسير خلف صوتين لا ثالث لهما «أم كلثوم» «ومحمد عبدالوهاب».

*منشور بجريدة القاهرة

جريدة القاهرة