أخبار عاجلة

أحلام فتى متقاعد لأسامة مهران.. استراحة محارب على شاطىء الكلمات

بقلم_ منال رضوان

(أحلام فتى متقاعد) للشاعر القدير أسامة مهران هو عنوان الديوان السابع في مسيرته الشعرية، وبداية يمكننا التحدث بنزر يسير عن العنوان اللافت، والذي اعتمد مفارقة واضحة تحرك ذهنية المتلقي؛ فلفظة فتى توحي بالشباب والقوة والأمل والحراك، فكيف تتفق إذن وفعل التقاعد الذي ينذر بالهدوء والاستكانة والتخلي، ومن هنا تجلى كم الصراع بين الشاعر وذاته في نصوص ذلك الديوان الذي اشتمل على خمس وعشرين قصيدة، قدم مهران من خلالها رؤاه شديدة الخصوصية والفرادة تجاه الأشخاص والمواقف والأشياء واعتمد على الصوت الفردي الذي بدا مركبًا متصاعدًا في تجربة ذاتية استخدم فيها مفردات متضادة مع تخليه عن أدوات لغوية إشارية تقريرية، وإنما اعتمد على ما يعرف ب (اللغة المشخصة) والتي تجسد المعنى وتلتقط اللحظة وتصور المدرك لترسم كل قصيدة لوحة مكتملة كحلم قديم احتفظ الشاعر به بين جوانحه.
ففي قصيدة “مهما كلفني الأمر” يقول :
هربت من بين يدي
قصيدة
لم تترك لي حرفًا
ينجدني
بعد نفاد رصيده
لا قافية تحبو
لا أبياتًا تحنو
لا شعرًا
في زمن النثر
فالنثر
يتخطى حدوده
سرحت من بين يدي
معانٍ
وأغان
وجناس
وطباق
وحياة
وجهاد
وعقيدة
لم أتصور
أن يعجز قلبي
عن نبض ينقلني
من سابع أرض
لمرابع تغريدة
لم أتخيل
أن أفقد في خلوتي
إحساسي
بأن الأرض تدور
وأن الأفلاك تدور
وأن الأيام
مجرد عصيان زمني
لبعيد
وبعيدة….

فهنا فضلًا عن الحفاظ على جرس سماعي تألفه الأذن ويطيب لها سماعه، والجناس العفوي شديد التلقائية في… “يحبو ويحنو، ومعان وأغان”، تجد أنها تستوعب الموضوع الرئيسي لفكرة ألحت عليه؛ وهي فكرة الفقد لقصيدة ويمكن اعتبارها هنا بمثابة الحلم الذي استيقظ الشاعر ليجد وكأن يده أفلتته، كما أن استخدام المفردات السريعة المتلاحقة ساهمت في إبراز حالة من الاضطراب والقلق المغلف بحزن، كما ساهمت بالقدر ذاته في إيصال تلك الحال إلى المتلقي.
وبالمثل في أغلب قصائد الديوان تجد الشاعر يبث شكواه بعد تأمل لأعماق تجربته ويضع العنوان الملائم لحلمه بشكل دال واضح على ما أراد أن يستثيره لدى قارئه.
أما من حيث الزمن الشعري، فقد أوضحه مهران من خلال عنوانه وأكد عليه، فضلًا عن مراوحة ذكية في التحدث والانتقال بين الماضي والحاضر، فبدا الزمن الشعري لديه بشقيه المعنوي والذي يجعل صورة الزمن تعتمد على التداخل النفسي وتجسيم كم ما يحيط بها من آلام، والشق الآخر اللغوي؛ فتجد أن مفردات ك”عصيان زمني، بعيد وبعيدة” تؤكد على رسوخ الفكرة العامة، ويتضح الأمر ذاته في القصيدة التي حمل الديوان عنوانها:
أحلام فتى متقاعد
الليلة عيد
وعبيد وثريد
وولائم أحزان
تتمطع في الجزء المتبقي
من ليلي
بالقبل المنسية
من أيام الحرمان
وأحلام العسل
بالشرخ المتمادي
في جدران الطوق
….
في ذات الشهر
في ذات اليوم
الرابع عشر
هربت سيدة
ترعى غنمًا
في قصر….
فجاء التأكيد على الزمن والوقت بشكل لافت؛ حيث ظهرت كلمات “اليوم الشهر، الأيام، الليلة” وغيرها، وتقاطع الأزمنة القصيرة وتداخلها، وهو ما منح القوة لهذه الظاهرة اللغوية التي توافقت مع الفكرة العامة لمجمل النصوص، كما أن التقابل الرمزي والواقعي فيما بين مفردات “الليل والنهار، الصباح والمساء” وتشابكها مع مفردات أخرى محملة بالمفارقات “كالقصر والبيت، ورعي الغنم” مع سكنى القصور، قد أنشأت ذلك اللون من الجدل التخيلي لدي القارىء والذي يجعله يستسلم إلى غواية القراءة والانتهاء من تلك النصوص حتى الوصول إلى مرحلة من شجن طافت بروح القصائد بشكل عام؛ لتتوافق مع السياق الذي أراده الشاعر ومهد له في مقدمة نثرية خطها قلمه، قدم نفسه من خلالها في موضوعية وصدق شديدين.

ونحن إذ نثمن تجربة أسامة مهران في عمله السابع نتمنى له المزيد من التوفيق في القادم بإذن الله.

جريدة القاهرة