أخبار عاجلة

الدكتور شوكت المصري يكتب: أحمد مرسى «المحبة التي لن تموت»  

حينما رأيته لأول مرة كنت فى مدينة البرلس أشهد تكريمَهُ وتكريم اسم الشاعر الكبير محمد عفيفى مطر فى «ملتقى البرلّس الدولى للرسم» الذى يقيمه الفنان الكبير عبد الوهاب عبد المحسن فى أحضان هذه المدينة الصغيرة التى تنام بحيرتُها فى فتنةٍ وبهاء على ساحل المتوسط.. كان التكريم وفاءً لأعلام سامقة فى تاريخ مصر الثقافى عموما ومحافظة كفر الشيخ على وجه الخصوص.. صعد قبلى وقبل أسرة «مطر» للتكريم وحينما صعدت وزوجى لاستلام درع الملتقى احتضننى بشدّة وقبَّلَ رأس زوجى «رحمة» وابتسم ابتسامةً لم ولن تغيبَ عن مخيلتى يومًا ما ثم قال «أهلا بريحة المَطَر».

كان اسمه وقيمته جبلا من الجبال الراسخة جلالا ومهابة، تسبقه سمعته الأكاديمية والعِلمية التى امتدت لأكثر من نصف قرن، من جامعة القاهرة إلى أكاديمية الفنون، ومن مستشار رئيس الجمهورية «أنور السادات» للشئون الثقافية إلى رئاسة دار الكتب والوثائق القومية.. وبين هذه المحطات الكبرى كان فيض الجمال والتواضع الذى يحوطُ به مجالسيه مُعجِزًا وجديرًا بأن نستعير لوصفِهِ اسم ديوان المتنبى فنقول: «مُعجِز أحمد «مُرسي»».

وهكذا كان السؤال الذى لا يغيب عن ذهنى كلما رأيته فى عشرات اللقاءات التى شرفت فيها بالجلوس بين يديه متعلقًا بابتسامته ونظراته الحانية وكلماته التى تقطُر عِلمًا ورؤى: «كيف للتواضع أن يتجسد هكذا فى إنسان جالَسَ الزعماء والعلماء والملوك لسنواتٍ وسنوات وهو من هو بالكتابات والمؤلّفات البارزة فى دراسة الفولكلور والأدب الشعبي؟!».. جلسةٌ بعدَ جلسة ولقاءٌ بعد لقاء تحددت أمام عينى ملامح السر ومفاتيح الإجابات، فقد امتلأ هذا الأستاذ الجليل بمرويّات البسطاء وحكايات القابعين فى الهامش، أدرَكَ الجذورَ فى امتداداتها وهى تشق طريقها فى الأرض واحتشَدَ بحكمةِ الصيادين والفلاحين والعمّال، أصبَحَ معجونًا بملحِ مصر الطيّبة فصفا جوهرها فيه، لم تشغله الأضواء ولا الكراسى ولم تستطع النَّيْلَ من روحه، لم يوغِل فى تراثٍ يبتعد به عن واقعٍ يومى مُعاش لمن شُغِلَ بفنونهم وأدبهم، ولا زحزح الغرب وتقدمه وتكنولوجياته من أمامِ عينيه عرقَ الكادحين وأغنياتهم وأتراحهم ومواويلهم.

لقد عاش الدكتور أحمد مرسى مُدَّرِعًا حضارةً وأدبًا بامتداد النيل وضفافِه ودلتاه، نموذجًا للمصريِّ الخالص الكامل بمواويله وحكاياته وسِيَرِهِ، بحكمته الصابرة وأمثاله العاصمة من الزيف والضياع، مادًا حصيره بالخيرات لكل ضيف وسائل، وساقيًا بيمين فُخاره وفَخاره كل ظامئ، ومُرشِدًا مُسعدًا بحضوره ولو بخيالِ ظلِّه كلَّ تائهٍ ومكلوم.. راقصًا بعصا التحطيب نُبلا فى شبابِهِ ومتكئًا عليها جلالا فى سنواته الأخيرة السامقة. فكيف لكل هذه المحبة التى لا تنتهى أن تعرف الموت والرحيل؟!

*المقال منشور بجريدة القاهرة ضمن ملف خاص عن أ.د أحمد مرسي..

جريدة القاهرة