أخبار عاجلة

ننشر قصة “تسعون ثانية” من مجموعة “بريق باهت” عن هيئة الكتاب

صدر حديثا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، برئاسة الدكتور هيثم الحاج علي، ضمن سلسلة كتابات جديدة، المجموعة القصصية “بريق باهت” للكاتبة دينا ممدوح.

من أجواء المجموعة نقرأ من قصة “تسعون ثانية” :

تسعون ثانية

آخذ مفاتيحي من على الحائط؛ حيث إنني أعتاد تركها معلقة دائها، وأسرع نحو الباب، أنزل درجات السلم مسرعا، متمنيا أن أصل إلى عملي قبل ازدحام الطرق.

استيقظت اليوم متأخرا على غير عادتي؛ بسبب الفيلم الذي سهرت بالأمس لمشاهدته، ركبت سيارتي، ولم أنتظر أن يبدأ موتورهـا في الاستعداد، من بداية الطريق يقابلني الازدحام الذي يخنقني؛ لدرجة أنني أشعر وكأن السيارة تضيق مساحتها من حولي.

مع أول إشارة مرور حمراء عرفت أنتـي سـأتأخر حتها، حاولت

الاسترخاء والاقتناع بـان مـا بـاليـد حـيـلـة، ضغطت على زر الراديو

لأستمع إلى بعض الأغاني، ربما تساعد على تهدئتي. عيني ما زالت متعلقة باللوحة التي تعد الثواني؛ لانتقال الإشارة من الحمراء إلى الخضراء ۰.۹۰ ۸۸۰.۸۹..

سرق نظرتي رجل في عقده الرابع عـلى مـا أعتقـد، هزيل، ملابسه يظهر عليها القدم، يحمل فتاة صغيرة، لا يتجاوز عمرهـا اثني عشـر عاما، حالتها سرقت قلبي، رأسها كبير بحجـم غـير طبيعي، يحملها الرجل – الذي توقعـت أنـه والـدها – دون أن يظهـر عـلـيـه التعب أو التذمر، ظلت عيناي تتابعانـه حتـى ركب أول ميكروباص صـادقه؛ فتذكرت بالأمس حالـة مشابهة رأيتهـا عـلى صفحات التواصـل الاجتماعي، ولولاها ما فهمت أبدا ما بتلك الفتاة المريضة، أعتقد أنني افتقد الكثير من المعرفة عن كل شيء.

ما زال عداد الثواني ينتقل بين الواحدة والأخرى ببطء ۸۰., ۷۹.. ۷۸… بطرق على زجاج السيارة طفل صغير بيـده عبوتـان مـن المناديل الورقية، حاول بيع واحدة منهما لي، في يوم غير هذا اليوم كنت سأغلق نافذتي في وجهه، ولن أفسح له مجالاً؛ ليريني ما يبيعه أبدا، ولكن اليـوم يبدو أن كل شيء مختلف. أخذت منه العبوتين دفعة واحـدة، فوجدته فرحا بطريقة غير طبيعية، شكرني كثيرا، وذهب إلى امرأة كانت تنتظره جالسة على الرصيف القريب لسيارتي، فسمعته يقول لها: “الحمد الله، يا أمي، لقد اكتمل حق الدواء، انتظري هنا، وسأعود سريعا”.

لم استطع فهم ما يحدث من تفاصيل يومي، التي أعتقد أنني أعيشها للمرة الأولى

الأرقام ما زالت تتوالى في ترتيب تنازلي ٧٠.. ٦٩ .. 68 .. عمر أمامي امرأة ترتدي حجابا، وتلبس نظارة شمس كبيرة تخفي نصف وجهها، يتعلق بيديها طفل لا يتعدى العاشرة من العمر، ترفع نظارتها ببطء لمسافة بسيطة، وتحاول مسح دموعها التي لم أزها، لكنها على الرغم من ذلك فإنها كانت ظاهرة، سمعت طفلها يقول: “لا ليكي يا أمي، حينها أكبر سأكون أقوى منه، ولن يستطيع إيذاءك مرة أخرى” میں رغما عنها، ورفعت نظارتها، لتمسح المتبقي من دموعها فرأيت بقعة زرقاء كبيرة تغطي عينيها.

أعتقد أن الثواني أصبحت أطول من اللازم، وكأنها تبطئ فصـلاه التريني ما لم تستطع عيني في أي وقت آخر رؤيته ٦٠ .. ٥٩ .. ٥٨ .

على الجهة المقابلة لي، يقبع صندوق قمامة كبير، يمتلي ويفيض من كل جوانبه على رصيف ذلك الشارع الرئيسي، لر يكشف المشهد بهذا البؤس، حيث يجلس بجانب الصندوق رجل مسن، ظهره تعاني من ثقل الزمن عليه، لا يستطيع أن يرفع رأسه؛ ليراني داخل سيارتي.

يحاول الرجل أن يبحث في القيامة عن شيء لا أعلم مـا هـو، وأخيرا مجد غايتها فيرفع بده من داخل القيامة التي تحيطه وهو يمسك برغيف من الخير الناشف، حاول أن ينفض عنه التراب وكل ما يعلق ، الأخرى، ظننت أنه سيضعه في الكيس البلاستيك الذي يمسك به لغرض ماء ولكنني وجدته يأكل منه قطعة تلو الأخرى بازل معلق على الفورة فوضعت يدي في جيبي، ونزلت ، سياري إليه، ووضعت ما خرجت به يدي من جيبي في يديها لأحده، لي بامتان.

عدت إلى سيارتي بخطى مشاطئة، ربا قمر الشوالي سريعا، لكي لا أرى المزيد من المشاهد التي لم أعتد رؤيتها، فوجدت الثواني أسر، بعضها، وتبقى بعضها الأم

جريدة القاهرة