أخبار عاجلة

ضي العين.. قصة قصيرة للكاتبة أمل عامر 

اختصت الكاتبة والشاعرة أمل عامر، الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب بنشر أحدث قصصها القصيرة “ضي العين”، والتي تنشر لأول مرة.

ضي العين

“كنت أتهيأ للنوم، رن هاتفى برقم ظهر على الشاشة، وبخاصية إظهار الاسم كان المتصل ينتمى لعائلتي.
( عمتك تعيشى انت) كدت أقول لابن عمى: عمتى من؟ لكنى تداركت الموقف وتذكرتها.
شدد على ضرورة تواجدى غدا صباحا هناك قبل أذان الظهر أنهيت المكالمة وأنا ألوم نفسي على الرد.
علاقتى بعائلة والدى انقطعت منذ زمن، إلا من بعض مكالمات تخبرنا بوفاة أعمامى واحدا تلو الآخر، كانت أمى ترفض الذهاب ونكتفى بإرسال تلغراف تعزية. انقطع حبل الود بعد وفاته منذ خمسة عشر عاما.
يقينها أنهم ظلموا والدى عند توزيع الميراث وهو لم يهتم وهى لم تنس ماحدث، بعد وفاتها هاجر أخى الوحيد وظللت بمفردى، عملى كصحفية أخذ كل وقتى.
كان لأبى أربعة أشقاء وشقيقة واحدة لم نكن نتزاور إلا قليلا سافرنا للخارج بسبب عمل والدى فى بلاد الخواجات كما كانوا يقولون فى زيارتنا لهم عندما كان جدى على قيد الحياة.
عمدة الناحية يتمتع بطيبة ووقار، كنت أحبه كثيرا، يصطحبنى إلى حديقتنا، يقطف بيده العنب، يملأ وعائى الصغير، وإذا صادف ومرت إحدى السيدات أمامنا ينادى عليها بعدما يقطف لها العديد من الأوراق تكفى لعمل وجبة، تأخذها بفرح وهى تدعو له بطول العمر.
منزل جدى واسع رحب يحتوى على ثمانى حجرات، فيه من الخير الكثير، كم كنت أدهش من تلك الوجوه التى تنظر لى بتعجب كأننى من كوكب آخر.
بعد سنوات أخبرتهم بوفاة والدتى، حضر الجميع مراسم الدفن في مقابرنا الجديدة. حين حضنتنى عمتى لم أعرف لما تأثرت بحضنها، بكيت بحرقة رغم فتور مشاعرى نحوها فى صغرى أمام حبها وفرحتها كلما التقينا، تقول جملتها المعتادة “البنت لعمتها ماشاءالله ياضى العين ربنا يحرسك”.
بالفعل كنت أشبهها تماما، لكنى أنفر منها، رائحتها دائما تزعجنى، مزيج من رائحة الزبد والجبن الفلاحى.
نفد الوقود فاتجهت لإحدى المحطات على الطريق، مرت بجوارى فتاة تبيع البرتقال شكرتها بود، أعادتنى لحديقتنا، ترى ما حالها الآن، هل صارت ذابلة مثلى؟
مضيت فى طريقى محملة بذكرياتى، تتأرجح أمامى صور حياتى الماضية بكل أمانها وسعادتها، والحالية الخالية من الدفء المليئة بالقلق والصراعات الزائفة فى العمل.
أجلس طويلا في صمت بعد عودتى من عملى أنتظر من يسأل عنى، تهفو نفسي لونيس، سُرق عمرى منى دون أن أدرى.
تذكرت عمتى وكيف كان يدافع عنها والدى دائما ويقف معها في كل موقف وخاصة رفضها لكثير من الخطاب، لم يشأ أن يجبرها على شيء، ظلت عزباء تقيم في منزل صغير. بعد تقسيم التركة وضع لها والدى نصيبها فى أحد البنوك يدر عليها عائدا شهريا تعيش منه.
لم ترقنى حياة القرية، ولا حدثت ألفه بينى وبين أبناء عمومتى. أحيانا كنت أشتاق لطيبة عمتى ورقتها وحنانها معى وحرصها على إرضائى وإسعادى طوال وقت تواجدى والتقاط صور تذكارية معى.
وصلت لمشارف القرية، تغيرت كثيرا، مبانٍ عالية وحوانيت كثيرة تبيع كل شيء، ابتسمت حين رأيت حانوتا لبيع البيتزا.
رن هاتفى، كان ابن عمى يصف لى الطريق، بحثت عن حديقتنا فلم أجد سوى غابة من الأسمنت.
وقفت أمام منزلها يدق قلبي بعنف، انقبضت روحي لرؤية صفوف المتشحات بالسواد، دلفت إلى الداخل، امتدت عشرات الأيدي للعزاء والسلام، لكنى لم أجد أحداً أحتمى فى حضنه أبكى وحدتى وخواء مشاعرى مثلما فعلت معى، جلست أقرأ فى المصحف وهم يعدونها للرحيل. تحدثت إحدى المعزيات موجهة حديثها لى عن اكتشاف وفاة عمتى بعد يومين من حدوث الوفاة، وجدوها في سريرها، زاد بكائى ونحيبى وصحت بصوت عالٍ: ياحبيبتى ياعمه.
خرج الموكب ولم أستطع الخروج معهم، جلست مع بعض العجائز أعيد ترتيب حياتى التى بلا معنى، قررت حينها ألا أسافر وأن أمكث لمدة طويلة لا أعلم مقدارها”.

جريدة القاهرة