أخبار عاجلة

منال رضوان تكتب: “كل عشق وأنتِ بخير” لماهر حسن.. الوعي الشعري بين ثنائيتي الذات والموضوع والخاص والعام

صدر حديثًا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب برئاسة الدكتور هيثم الحاج علي ديوان “كل عشق وأنتِ بخير” للشاعر والصحفي الكبير ماهر حسن، والذي يعد الديوان السادس في مسيرته الإبداعية.

يشتمل الديوان على اثنتين وثلاثين قصيدة، تغلب الحس الإنساني والطابع الرومانسي فيها؛ حيث بات هو الصوت الأقوى في تلك النصوص، واعتمدت القصائد – في أغلبها – فكرة اللعب على الذات والموضوع، وهي الثنائية التي أبرزت الحركة الشعورية لدى الشاعر؛ فضلًا عن ثنائية الخاص والعام ومدى انعكاسهما على القارىء في تلقي القصيدة،
وبناءً عليه سنتناول الديوان بشيء من تفصيل؛ للوقوف على أثر تداخل ثنائية الذات والموضوع من جهة، وثنائية الخاص والعام من جهة أخرى، وهل تندرج كل ثنائية منهما تحت تأثير ما يعرف بحركة متوازية في المسار أو النسق الشعري لمجمل القصائد، أم أنها تتسق في مجملها حد التماهي مع الحفاظ على الخطوط الفاصلة؛ فتميل إلى التقاطع واقعًا وخيالًا، أم كما يعرفها أهل الحقيقة (بالظاهر) و (الباطن) مما يؤدى بذهابنا مع القصيدة إلى ما وراء النص من وجد وشجن وعشق، وهو التوصيف الذي سيجد مكانة معتبرة لدى المتلقي عقب القراءة، وحتى يتسنى لنا حل هذه الشفرة التي تحكم ديناميكية العلاقة بين هاتين الثنائيتين- حيث تتحركان دومًا في منطقة اللا انصهار واللا انفصال – فنجدهما تحددان السمت المهيمن على الشاعر داخل النص الشعري، أو بمعنى آخر، لا نجد أن النص ينجرف معهما نحو التجريد الشديد فتعلوه آفة التكلف، أو يغرق في غياهب الذاتية إلى حد المباشرة التي تفقده الحس الإبداعي ، لذا فإننا نجد أن الشاعر راهن في تجربته على (الوعي) الذي تمثل في مدى الإدراك للفرق بين رؤيته لنصوصه أو ما يعرف بالعالم التخيلي، وبين رؤيته للعالم الموضوعي أو الواقعي، مما جعله يحافظ على هذا النوع من التوازن شديد الذكاء في الطرح والتناول.
وبينما اعتمدت ثنائية الذات والموضوع، (الخيانة) كفكرة أساسية، نجد أن ثنائية الخاص والعام سعت إلى إبراز فكرة (الزمن) كمحور ارتكاز غاية في الأهمية، حيث منح الشاعر لذاته خلالها القدرة على التحرك بين الماضي والحاضر، وسرد تجارب قريبة أو بعيدة من حيث مداها الزمني ووقت حدوثها بسلاسة تامة.
ومن الديوان نقرأ قصيدة، “فاكهة العشق”:

في الهزيع الأخير من العشق تخرج
أرمي لها وردة من دمي
ثم أسأل:
أي الوجوه الجميلة في شرفات المساء البعيد
سيعرفني لو أطلت الرحيل
وعدت أحدج في خاطري
في فتاة المراهقة المستحمة
في ألق من صباح مثير
كيف صار الكلام الذي كان مفتتحًا
جدًا طائعًا…
إلى أن يقول
ابدئي رقصة الريح والعشق
واستريحي على وهج القلب
ميلي قليلًا
تعري قليلًا
فيكتمل المشهد العاطفي.
وهنا نجد أن الزمن الفعلي وهو ( الهزيع الأخير) قد تداخل مع زمن التخييل ورؤى الذاكرة لفتاة متخيلة أو مستدعاة من الذاكرة الفتية، وتلك المراوحة السلسة للانتقال فيما بين الماضي والحاضر، واستدعاء حالة من الشبق الذي يلازم مرحلة المراهقة، بيد أنه يؤكد على أن السعي إلى التعري ما هو إلا لاكتمال العاطفة وإشباعها في نهاية القصيدة؛ حيث يقول( فيكتمل المشهد العاطفي) مما يمثل حالة من النضج وإدراك ماهية المرحلة التي تتوافق وبداية زمن القصيدة وهو (الهزيع الأخير).
وإن كنا في مقال سابق تحدثنا عن ابتعاد ماهر حسن عن مفردات إيروتيكية صارخة، وميله إلى العاطفة التي تتوارى خلفها تراكيب ال (بورنوغراف)، فهنا نلمس وبقوة بعض المفردات الحسية والتي ظهرت في أكثر من قصيدة، ولعل ذلك لذاتية التجربة، ولأسبقية زمن كتابة هذا الديوان، والذي ظهر إلى النور عقب الديوان الخامس “وشايات عادية” – لظروف النشر –
ومع معرفة هذا؛ يمكن أن نجد إجابة ضالتنا عن سر هذا التحول، وإن كنا – قطعًا – لسنا بصدد التقييم أو عقد المقارنة فيما بين العملين، لكننا في كل الأحوال لا يمكننا رصد هذه التجربة بمعزل عن التجربة الشعرية للشاعر مكتملة، والتي تسير بخطى ثابتة متأملة شديدة الثقة.
فبينما تحتوي هذه النصوص على قدر من الصراع والميل إلى التحرر من نير العشق، نجدها تكتمل كإرهاصات بمعجزة الاعتراف في “وشايات عادية”، والتي دارت حول بنية موضوعية واحدة تمثلت في الحكي والبوح والاعتراف، لكننا هنا ونحن إزاء هذه النصوص نجد أنها اشتملت على ثلاثة مستويات من القراءة وهي:
١-مستوى (الشبق العاطفي)
٢- مستوى (الخيانة)
٣- مستوى ( الأسى ومحاولة التطهر)
وتتضح المستويات السابقة في أكثر من قصيدة وعلى سبيل المثال في قصيدة “حمدًا لله قاتلتي ماتت” نجده يقول:
قاتلتي ماتت
انتهت اللعبة
وانتهت الخدعة
والكذب – كما قالوا-
لا قدمان له
أخذت قاتلتي
ما كانت تشتاق إليه
وتبدت شمس حقيقتها
وتوشح قلبي بالنور
لستُ ضحية
لست المنهار إذًا
إذا ما طال القلب لحين
دنس القاتلة الخرقاء
لكن حمدًا لله
فقاتلتي ماتت فيّ
وأنا فيها عشت
قاتلتي غرقت في الوحل
وأنا من بعد الكذب تطهرت
ورويدًا ظهر العملاق
ورأيت الظل وأنا أصعد جبل الصعب
لأكون كما اعتدت أنا
ونقائي عاد إليّ
شبحي طاردها في كل سرير
في كل مكان شعرت فيه بكينونتها
وأنوثتها وطفولتها
حمدًا لله
فقاتلتي ماتت فيّ
وأنا فيها عشت.

وكما برزت ذاتية التجربة، نجد أن الشاعر ظل محافظًا فيها على مفردات شديدة الفرادة للتأكيد على عمق تجربته ومدى عملها في وجدانه، كما بدا تمكنه واضحًا في استخدام أحد الحروف ( الميم ) في قصيدة (حالات الميم) والتي يقول فيها:
الميم تزاول طقس تجليها المربك
ميم مأوى
مفتاح للكهف
ميم لمزاولة الروح لطقس تحررها
بين ذراعيّ
ميم مفرطة في الغي
بغي
مغرقة في البغي
ميم مات العصف وولى الريحان
ميم موْسقة للشهوة
ميم مدت مديتها
فانغرست فيّ
وأنا حيّ
ميم منكبة
فوق مشاغلها السرية
شاردة وسط مواجدها الكلية
ميم منصوبة
كالشرك المتربص في مأمن فخذين
ميم مرتاحة فوقي
مرتاح القلب
فوق الثقب الفاصل
بين الرغبة والموت…..
…..
فهنا وحتى نهاية القصيدة نجد أن حرف الميم ظهر لأكثر من ستين مرة متخذًا كافة الأشكال والأصوات المتبادلة في الأماكن والمستخدمة في جناس سلس عذب يلج إلى المعنى، دون صنعة مقصودة مع تصاعد في الجرس السماعي بشكل متواتر يبرز مدى الأسى والغضب الذي يجعل الشاعر يؤكد على فكرة انتهاء الخيانة بالرحيل، وأن أجرة كل خديعة كانت الموت.. ولا يفوتنا أن نؤكد على انسيايبة المفردات واختلافها بما يحمل أصالة للغة والاستعانة بمفردات حياتية يومية يتبدد بصحبتها الاغتراب وينشأ معها هذا اللون المحبب من الألفة والحميمية رغم حالة الشجن المغلفة به روح القصائد، لكنه يمنح التجربة ثقلًا ووهجًا يحمل معه دومًا “دهشة متجددة” والتي – بالمناسبة- تعتبر من أهم قصائد هذا الديوان ولذا سيكون لنا معها عودة قريبة بالقراءة والتحليل في جزء ثان من مقالنا هذا.
هوامش:
١- تحولات النظرة وبلاغة الانفصال (دراسات وقضايا في قصيدة النثر العربية) عبد العزيز موافي. مكتبة الأسرة، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب ط.أ. ٢٠٠٥.
٢- في التراث والشعر واللغة، دكتور شوقي ضيف. دار المعارف ١٩٨٧.
٣- شعرية المراوغة في قصيدة ما بعد الحداثة، دكتور عبد الناصر هلال، الهيئة المصرية العامة للكتاب. ٢٠٢١.
٤- الشعر واللغة . دكتور لطفي عبد البديع، الشركة المصرية العالمية للنشر – لونجمان، ١٩٩٧.
٥- وشايات عادية، بين التجربة الذاتية ومثيولوجيا التمرد، الموقع الإلكتروني للهيئة المصرية العامة للكتاب( المعرض) مقال، ٢٠٢١.

جريدة القاهرة