أخبار عاجلة

من رفّ الذكريات لجيلان زيدان.. دراسة نقدية

بقلم_ إبراهيم سمير
لستُ ناقدًا بالمرة ولا أجيد مهارات هذا الفن ولا تفكيك النص بحرفية، ولكني ببساطة متذوق ماهر جدا للجمال والإبداع والدهشة وهذا ماجعلني في جلسة واحدة لم أرفع عيني عن إبداع (چيلان) في روايتها الأولى لليافعين والناشئة “رف الذكريات” الصادرة عن دار شأن بالاردن.
بل إني أقول إني تسمرت أمام هذا الرف.

★ (الغلاف) توزيع للألوان هادئ ومساحات بصرية جميلة البوابةالمطلة على البحر (على الحياة/ على المستقبل)، أسفلها أطفال يطيرون طائرات ورقية (أحلامهم وأمانيهم) معها، وقنديل الأسرة والتوجيه يبان يضيء الطريق.

أرى أن الرواية رواية كتبت للمستقبل، هي كل ما تريد جيلان زيدان غرسه في أبنائها، تضعها جيلان على رف الحاضر لتكون فيما بعد على رف الذكريات، ليأتي بها هارون وأخته أنفال في السنوات القادمة ويحققها وقع العين بحلمٍ متجسّد.

(رفّ الذكريات) العنوان في النقد الحديث عتبة من عتبات تفسير النص التي تفتح للقارئ الأبواب النفسية والاجتماعية للكاتب وتضيء نقاطًا كثيرة، رفُّ الذكريات أو (رفّ الأيام) فهذه الأشياء لا توضع على الأرفف إلا لاهتمامنا بها أكشياء ثمينة وخبراتٍ اكتسبناها أثرت فينا. و(رفُّ الذكريات) عنوان له خصوصية كاملة فهو يخبرنا ويحدد لنا بنسبة كبيرة مكان الحدث الرئيسي والذي سيتكشف لنا بعد الولوج في أيام هذه القصة وهو (الغرفة الخاصة لبطلنا).

عبرت الكاتبة جيلان في أول صفحاتها وقالت: (حكاية) وهنا على القارئ الانتباه أن الكلام من طرف واحد وهي مسؤولية على الراوي ليشد ويجذب انتباه القارئ ويجعله معه دوما وهنا الراوي (راوٍ عليم مشارك).

يتبادر للذهن أنها مجموعة من اليوميات للكاتب لكن مع قراءة أول تاريخ ١٦ يناير ٢٠٢٠ تشعر بالارتباك وتعيد القراءة مرة أخرى وهنا استطاعت (چيلان) الفصل بين الكاتب والراوي بسهولة وإيضاح مع أول الرواية كي لا تغوص في غموض يشكل عليك الفهم فيما بعد.

ثم تاتي العديد من الحبكات المتضمة لرواية رف الذكريات، حيث جاءت كالتالي:

* حبكة تغيير الأجندة وما سرها الذي سيجيب عليه الراوي ودلالة اللون الأخضر من الراحة والتأمل.

*حبكة البداية والمشهدية السينمائية حيث يتخيل القارئ مسرح الأحداث، الغرفة صانعة الحدث/ ضوء المكتب/ صوت العقل الباطن يبدأ الراوي بسرد أسماء ومواقف وشخصيات تدفعك للتساؤل عنها جميعًا دفعةً واحدة تحثك على الانتظار والقراءة لفك شفرات هذه الأحداث والشخصيات وهو ما تم بالفعل مع(چيلان).

اللغة الشاعرية والجميلة والمكثفة للصور والانتقال بين المشاهد كالكاميرا ببراعة ومقتطفات شعرية وجمل غاية في الروعة.

ثلاث صفعات في الرواية صفعتين من الأب وصفعة من عماد زميله المتنمر فمع صفع الأب واستبيان أن البطل ضغيف السمع يقول جملة جميلة ليكتشف زملاؤه مرضه فيقول عن صفعة أبيه “يسقط عني سري” ، جملة أخرى تتحدى جماليات الكتابة، هي جملة “أمسكتُ بابتسامتي”. كما أننا نعتبر صفعات الأب هي نقاط محورية ونفسية في الرواية، مما يجعل الرواية ترتكز في الأصل على هذه العلاقة.

 

القصة تقريبا من يناير إلى نوفمبر وتقريبا في ١٧ يوما عالجت قضايا نفسية وتربوية واجتماعية من التنمر والتربية وعلاقة الأباء والأبناء … وغيرها.

سلطت الكاتبة الضوء بقصد الجانب الآخر من الأسرة، فالأب إن ظهر قاسيا في عيون أبنائه فهي ليست قسوة بالشكل المعروف ولكنها القسوة التي تخفي حنانَ وخوفَ ورحمة، وقلقَ وانشغالَ الأبِ لسداد قروض مادية واجتماعية. وهي تلك الحياة الصعبة التي يضمِّنها أكثر الآباء في نفوسهم ويحيون بها.

هذا التناغم الأسري بين الأب والأم وإكمال الأدوار في غياب أحدهم وعدم إلقاء أحدهم اللوم على الآخر وتفهم ظروف الآخر.

جميع هذه الرسائل الإيجابية من خلق شخصيات إيجابية مثل مدرس العلوم وموقفه ودور المدرسة وما يجب أن يكون عليه.

الأحداث جاءت في وقتها وزمنها ردًا على أسئلة القارئ المثارة أثناء القراءة فنجد أننا لم نعرف اسم الراوي إلا في الصفحة ٢٣ ولا اسم الأب، كما أن بداية من الصفحة ٢٣ تبدأ الإسهاب المقصود والذي في موضعه يُعد إدخالَ أحداث جديدة ومعرفة لكيفيةإددخال نغمة عالية من دراما السرد.

في الصفحة ٣٤ نعلم أن البطل في الشهادة الإعدادية.

هناك تباعد في فترات الكتابة وعندما يسأل القارئ لماذا؟! تأتي الإجابة من القارئ فقد حولت (چيلان) الحكاية بين الراوي بكلامه والقارئ بانفعالاته التى تظر على وجهه مع أسئلته الداخلية.

وفي الصفحة ٤١ يأتي الجواب للسؤال الأول لماذا تغيير الأجندة؟!

(چيلان) أعطت مساحة كافية أمام الكاميرا لكل أبطالها.

استمتعت جدا بقراءة رواية رف الذكريات لجيلان زيدان، الصادرة عن دار شأن الأردنية ٢٠٢٢ ، وأرشح قراءتها لكل المهتمين بأدب اليافعين، حيث يجدون فيها مربضهم ومتعتهم من الجمال.

جريدة القاهرة