أخبار عاجلة

تواصل الأرواح وتحديد مسارات السرد في رواية “المرجيحة” لمنى مصطفى

بقلم_ محمد مندور
الأرواح نقطة التلاقي لإحياء الحقيقة، وسر الغموض المعروف عند الحق، الروح من أمره، وخلودها آثارنا، تُرفع لأعلى ونبلى تحت التراب دونها، نتحلل وتبقى هي، بين القبضة، والنفخة تعود، تذكر، تقاضي، تبشر، تنذر، لا تنسى مواقع حضورها، شاهدة على الأيادي والأفواه والخطوات والنظارات، نطقها مؤجل إلى غيب، على الرؤوس ستعلن بغلبة القدرة من سرق البسمة، ومن أسال الدماء، ومن خان وخدع، صاحبة لا تنتزع إلا لحكمة، وإن جار عليها البغيض، تشتاق إلى الإشارة إليه، تهدده، تبعث جنايته بين أرواح أحبتها، يُكشف شيء من الغيب، وننتظر النهاية لحكم فصل، لن تنفع حينها حجج واهية، أو تملص من ذنب مقصود.
بين روح راحلة وأخرى باقية، تتساوى الهمسات، تتهدهد أحزانها بسبيلين، سبيل الرؤية والإفصاح، يفصل بينهما جسر من وصل، يربط ما تم بتره لتتكامل القضية، تصبح ملفا كاملا يكتب بتأنٍ في مئة وثلاثين ورقة من القطع الصغير، لا يمكنك أن تبدأ بقراءته دون مقدمته، دليلك حتى لا يختلط عليك التأويل وتقف حائرا بين لسانين أو قل روايتين.
ففي روايتها “المرجيحة”، للكاتبة منى مصطفى، بداية يأتي الإهداء مفعما بالإنسانية، وحب الأقربين، وكان السرد مفسرا لمعناه المقطوع، عمق المكنون برز في التهيئة، بغمستين من ريشتها في محبرة أوشكت على النفاد لخصت السقوط من شاهق في كلمة لم تتكرر بحروفها وتكررت ببديلتها ” المرجيحة” لعبة الأطفال، وخلاصة التفسير، عنوان مألوف، مرجعه إلى حادث، شارح للحدث وأسبابه، أظهر الشقين، الصاعد والهابط، الصاعد في أخلاقه، الراضي بمعيشته، الهابط في دنائته، والساخط من انزلاقه من وضع ميزه.
مشاهد فطنة أشبه بفيلم مركب، يجذب من يتابعه، قائم على الشخصية وتكوينها، ودواعي نهجها، فلكل فعل علة. سليم المسلم، وجه البراءة الهادئ، حافظ بقدر الإمكان على نقائه الظاهر للبعض، ولم ترحمه صلافة الآخرين، لخطأ مبرر وعلاج شرخ صلة الرحم أعواما، علته (لا) النافية لوجوده، تربية جعلته مسخا قبل الإجهاز عليه، لم ينتقم من( لما) بيديه وقد سنحت له الفرصة بل جعل الباب مواربا ليفتح أملا في دخول الهواء يهفو فوق جسدها وهي الناعسة كي تفيق. وتسجل الجريمة في عقلها ثم يسحبون شريطها بمخدر وتغفو على وسادة النسيان. صاحبته ذات الأنف المعتل، المرفوع، المعالي، ابنة خالته طرف الخيط وآخره في سيرة عمر وأدته الأنفة والكبرياء في مشهد درامي مفاجئ.
مشى على أطراف أنامله حذرا، تمسك بكل عوامل الفطرة، ظنا منه أنه سينجو، لم يحدث ضجيج الرفض بأقوال جاهرة وخبأ قناعاته بمبادئه في مراقبة خسيسة سُيّر إليها، وعندما تعاظمت الأمور صاح ضميره أنه الحي وسط أموات ولهذا ظلت روحه تحلق بعد وفاته.
لم تكن (دعاء) الروح الباقية بعيدة عن ملاطفته، ولم تكن أيضا هي كل ما يرجوه، إذا لماذا هي بالذات؟ لماذا يأتيها في لياليها؟ إنه التلاقي، الجنود المرسلة، المأمورة لإظهار الحقيقة الضائعة، أحبته ولم يفسح لحبها متسعا في دنياه، فعرّفته السماء بمن يُسر إليه و يصادق بعد رحيله. ترى القاتل بحلة سوداء ووجه بش، مقدم في همة، يطوقه الذنب بأزرة تحاصر رقبته, وتفتح (دعاء) بعدها أزرة تطوقها، كأن الحل بيديها، جاء الجاني إليها تغطيه التهمة، مفضوحا. يعوضها سليم عن دقائق لم تعشها، يخفف عنها وطأة التجافي، فتبتلع آلامها بنشوة تسعدها كلما أغمضت عينيها، هي المخلصة الوحيدة في علاقة سليم المعقدة، اختفى سامي، انشغل أحمد، وعصام النسخة المنفلتة التي لن تتجاوب معها روح سليم، إذا هي دعاء أو كما قالت أنا دعاء. الاسم المتمني واليد المرفوعة لاستجداء الرحمة.
عندما تلمس واجهة الدعوى، وتتأملها، يحتال عليك البصر، يرسل لباطنك المغزى الطفولي، بصورة طيعة السمات، دائمة الدهشة، لامعة العينين، يتأكد بكلمة دارجة الفهم استقتها المؤلفة من أفواه العامة رغم فصاحتها، عنوان يحيلك إلى التأرجح واهتزاز المشاعر، فتخفق للمطالعة، تبحث عن الشقاوة والطيبة وحسن النوايا والضلالات غير المحسوبة، تقع في شرك الاستدراج والتصنيف، لأنها لا تخص اليافعين فقط، إنها الاستواء التام لمرحلة مفصلية بدأت قدرية ثم نضجت سريعا، فرقت بين المباح والمفروض، تمتد جذورها إلى البيئة وقبلها منبت التكوين الأسرة وما عليه تم التأثير. كلهم بلا مبالغة نتاج بيوتهم، وهذا هو الأصل المعمول به، ارجع لخلفياتهم، نشأتهم، واسأل من أين انحدرت صفات الأبطال، إجابات مخطوطة، طبعها الأب برخاوته في مواجهة بن صاحب العقار المستأجر، وقاومها أب آخر في طرده، نجد ولديهما سليم وسامي على الترتيب ينتهجان نفس الأسلوب رغم تغير الحوادث، عصام المتلصص هو الممثل لترهل الحياء عند أمه، أحمد ودعاء هما البيئة المحافظة المتمسكة بأصولها الواصلة لما انقطع.

اقرأ بروية ما بين السطور، ارتدِ نظارتك المعظمة أحيانا، ولا تفرض سؤال (لماذا) إلا عندما تنتهي من الرواية، لا تتعجل في فرض القادم، يمكنك أن تتوقع دون الجزم لتلذذ، الجوارب، الفواق(الزغطة)، القوة الجسمانية، عمله في السينما، مسار تعاملاته المشبوهة، ملامح مدفوعة بحكمة أرستها الكاتبة لشخص القاتل. وظفت طباعه المجبول عليها رغم التدخلات المكثفة لتعديلها فضلا عن عمله كمنتج للرخيص، وتحكمه في ما يعرض ومن يعرض ليكون هو المخرج والمنفذ والبطل والمؤلف لقصة خالية من أدنى درجات الشفقة، كذلك القصص الدخيلة لثبيت شخصية سليم البريئة، خُلِّقت العلامات في إطار سردي طبيعي، تم إخفائها لتكون سببا في حبكة عالية الجودة.
إلحاح الكاتبة على صعود الأنثى على مسرح الأحداث ملحوظ، وكيفية استغلال مشكلاتها الحياتية على مدى الاتساع والممكن، هناك أم مستكينة وأم ناقمة وأم مكرهة وأم زوجها متزوج بأخرى وبنت تأخر سن زواجها. من نظرة خاطفة يمكن أن تثيرك العقدة وبنظرة فاحصة تجد مجتمعا مضغوطا، تموت المستكينة دون شكوى، يلاحقها ألمها الخبيث وتدفن بعد وليدها بعام، تبيع كرامتها للوصاية التي لم تنلها؛ تخسر الولد المسفوك دمه وتزهق روحها بإهمال لم تبده، أمكتوب على الضعيف أن يكون ضعيفا على الدوام ويموت بلا أي فوز يذكر؟! انقطعت صلتها بدماء النسب وذبح حبله السري ليصبح الدم أسودا، استبداله بدم الصاحب قد يفلح أحيانا ولكن تظل أخوة النسب قرينة يلتجأ إليها إن ضاقت الأمور.

تصحو الناقمة على صوت الضمير بعد ابتلاء حبسها مع أوجاع الطفلة أعواما، تبرر مسلكها، تختم ما تبقى مع الآيات، تستعد لاستقبال حفيد يتسبب تخيله الابتسام، أنهكت كل من عاملها، تشربت الغلظة، ظنت أنها ستصعد في بؤرة الضوء تستعيد لمعانها، انطفأت، عشرات السنين توسع فجوة الاحتضان، لم تحظ بالسعادة رغم الرفاهية، حصدت غما وعصبية فهل ستصدق نيتها الملفوظة في التحول! اختناق ممسوس يوهن النفس، تغدو المكرهة في انتظار إشراقة، تكب الوحدة اللعنة عليها، تصدها بدخان الغربة، شريكها المفصول عن حضوره لم يرع طفليها؛ هاجر، يتصنع الحنين، مقاييسه أنها بضاعة، سلعة يتفاخر بزينها، أبت أن تلبي دياثته، عاشت الأحلام معها تطببها. أما من تزوج بأخرى، لم يستر غيبته وحيده، الزوجة تضرب الأرض بقدمها، تحيك الرتق، ليرضى، وكيف يرضى، استمرأت خصلات ذميمة قلدها فيها الصغير، شب عليها. جمال الأخيرة الآسر، أبهتته زجرات الوالدة، تأخر سن زواجها، ساءت حالتها النفسية ولأن الزواج وقت وموعد، جاءها على مهل بعد ما أكل الزمان عليها وشرب، ولولا قوة الدفع ما تحرك المدفوع. لكل منهن قصة وحكاية، أجزاء من الماضي صنعت حاضرهم، يحملون قلوبهم على كفوف من الرجاء، و يا ليتهن قرأن كفوف المستقبل، لما أرّخ الواقع تعاستهم، لكنها لعبة القدر فما باليد من حيلة.
النص الأدبي، كتلة رصينة من التجانس، وانصهار اللغة، له غاية ووسيلة، فالغاية يبلغها الكاتب من خريطة عقله، والوسيلة قد تختلف باختلاف القلم، في ستة وعشرين مشهد نسجت خيوط الحكاية، بدأت بتلك أيام قد خلت وانتهت بسؤال فلسفي متى يشيطن الإنسان؟ وهو السؤال الناجم عن لماذا يتشيطن الإنسان؟ التجربة المريحة في تحفيز القارئ على إكمال العمل التنوع في استعمال الأجناس الأدبية دون إخلال بالمبدأ الذي ارتضاه الكاتب لعرض ما لديه، فالرواية رواية والقصة القصيرة قصة قصيرة والشعر شعر والنثر نثر، ولأن الرواية يمكنها أن تقبل بالتدخل، أغرت الكاتبة أبياتا للبارودي والإمام الشافعي، سطرت الومضات النثرية الفاصلة بين المشاهد، غلفت الحكمة في برقية معدة، تفتح بها شهية التلقي .
الاشتباك مع الفرضيات وتسرب الحوار إليها تظليل للرؤية والطرح، النقاش الداخلي استُجلب لتفتيتها، مثل التخيير والتسيير؟ طوعت الكاتبة جدلية سؤال هل الإنسان مخير أم مسير، ألصقته بالأفراد نسبة إلى مجريات الحدث، كذلك الصراع الفكري على قطف الحكمة بعد هرم السن، والضمير وصبره في تحمل قساوة النفس، تأججت هذه المسائل كخدمة حكائية تبين قدرة الخبايا في زعزعة الثبات أو استقراره وتدعيمه.
الوجه لا يخبر عن وداعة أو غل، والسائد بين الناس الحكم بعجلة، فكم بشوش شرس وكم جميل الظاهر قبيح الباطن، وعلى المرء أن ينظر من يخالل، فهو لا يدرك من أين تأتيه الطعنة، صادق بحذر وعاتب بحب، عصام دمعة شاردة سقطت في أتون التمادي، لم يسلم رقبته لكل من يعرف، انتقى بعناية موضع سره، من لم يمنع متعة تجسسه، وجمع نزواته، زوج خالة سليم، بهي الطلعة، بليد الاحساس، (لما) الجميلة لم تشارك لعبتها سليم.
الانغلاق التام يصنع صنما، والانفتاح التام يشوش البصيرة، ومراحل النمو لابد أن تدرس بعناية، معنى أن يلعب سليم بالعرائس و أن تعتزل دعاء البنات من جنسها وتشتاق إلى اللعب مع البنين، يحتاج لوقفة تحليلية حتى لا تخرج أجيالا ذات نسق نفسي وغرائزي مخل، فالمراقبة والتوجيه ضرب ماثل في تخاطر القارئ مع الكاتبة أثناء السرد.
المرجيحة، الأرجوحة اسمان للعبة مزقت على هيكلها أوصال؛ ارتكبت على مقعدها أسبابه التي عظمتها خفة العقل، وعندما حاول الخوف أن يتجرأ ويصعد فوقها قتل بدم بارد، مات خائفا أكثر، قلقا، يعرف الجاني، يخترق براءته صدأ لم تفلح محاولات إصلاحه، ابتسم للغيب، فابتسمت روحه الشهيدة المشاهدة، كان وجودها ملائكيا ورحيلها آثاره الخالدة .

جريدة القاهرة