أخبار عاجلة

“الزهايمر”.. قصة من مجموعة دينا ممدوح “بريق باهت” عن هيئة الكتاب

صدر حديثا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، برئاسة الدكتور هيثم الحاج علي، ضمن سلسلة كتابات جديدة، المجموعة القصصية “بريق باهت” للكاتبة دينا ممدوح.

من أجواء المجموعة نقرأ من قصة “الزهايمر” :

جئت اليوم بألبوم الصور الذي تخبئه أمي في غرفتهـا منـذ سـنـوات، وكأنها تحاول الاحتفاظ بكل الذكريات بعيدا عن أي شيء قد يسرقها.

جلست بجانب أبي لمشاهدة بعـض الصـور، وجدتـه يـمـد إصبعه، ويشير إلى صورته مع أصدقائه وعائلتـه يـوم زفـاف أمـي إلـيـه، تـذكر بعضهم، ولم يحالفه الحظ مع آخرين. ساعدته وساعدتني أمي؛ لتخبرنا من هم هؤلاء الأشخاص، فيقابلهـا أبي بالتعجـب مـن أنـه كيـف لا يتذكرهم.

كل يوم أحاول تكرار هذا الموقف أو ما يشابهه مع أبي، فمنذ أشهر أخبرنا الطبيب أن حالة أبي تم تشخيصها بداء الزهايمر، وأنه بعد بضعة أشهر لن يتذكر شيئا تماما، ودورنا أن نحاول دائما إيقاظ ذاكرتـه بـاي شيء، ربما بالقراءة أو بالصور القديمة أو الذكريات، أو كل شيء يربطه بواقعنا والماضي.

بریل ساعت

جنت بكتاب صغير، وأعطيته لأبي منذ أيام؛ كي يحاول قراءته، في كل يوم كنت أمسك الكتاب من جانبه أجـده يقف عنـد الصفحات الخمس الأولى، تخيلت أنه لم يستسغه بما يكفي، ولكن أمي أخبرتني أن كل يوم صباحا يعاود قراءة الصفحات الخمس من جديد نفسها، دون أن يتذكر أنه قد قرأها بالأمس.

قررت اليوم أن آخذه في جولة حول في الطريق الذي اعتاد أن يخرج فيه صباحا للتمشية، وشراء الجريدة اليومية التي اعتاد قراءتها، ولكنني وجدته لا يتذكر الطريق، وكأنه يراه للمرة الأولى، ولم يلتفت إلى الجريدة التي جئت بها إليه، وتركها لأمـي تستخدمها؛ لتضع عليها الطعام على غير عادته،

في اليوم التالي حاولت أن أساعده في تناول طعام الفطور، فرفض وهو خائف مني، وسألتي: من أنت؟ ومـا الـذي جـاء بـك إلى هنا؟ شعرت حينها بالصدمة. وقفت أمامه عاجزا عن الرد، حينهـا تـدخلت أمي؛ لتحاول هي إطعامه ونجحت، وتركتنـي أعـاني المرارة وذهـولي وحدي.

مرت ساعة بعـد أن تناول أبي فطـوره، ووجدتـه يـكـي كالطفل فاقتربت منه بحذر؛ كي أسأله ما به، وأنا خائف مـن ألا يتذكرني مرة أخرى، ولكنه أجاب “أنا جعان، وماحدش عايز يفطرني لحد دلوقتي

مرض أبي يزداد يوما بعد يوم دون أن نستطيع أن تفعل شيئا، وكأنه وحش يأكل ذاكرته بنهم، ولا شيء يمكن أن يوقفه، على الرغم من الكثير من حبنا واهتمامنا، والكثير والكثير من الدواء.

خرجت اليوم من البيت؛ كي أنهي بعض أعمالي المتأخرة، وأنا أفكر ما الذي يمكنني فعله، أسير بشكل متثاقل، وكأنني أحمل هم مرض أي ومعاناة أمي فوق كاهلي، أمي التي فوجئت باتصـال مـنهـا، وسمعت صوت بكائها؛ حتى إنني لم أستطع فهم أي شيء منه، وأخبرتني بعـد بوجوب حضوري الآن، تركت كل شيء، وذهبت . المنزل، وحين وصولي إلى البيت سمعت صوت نحيبها، وأخبرتني أنه في أثناء وجودها بالمطبخ وقت تحضير الغداء لأبي، فتح باب البيت، وخرج وحده، وصدمته سيارة مسرعة لم تنتبه له. لم أستوعب ما تقوله جيدا، لكني وجدت جسده الذي لم يتحمل الصدمة أقسى رد؛ ليخبرني أنه لم يحتمل أن يظل هكذا دون ذاكرة، وقرر أن ينهي حياتـه دون حتى أن يدري.

جريدة القاهرة