أخبار عاجلة

طارق عبد الوهاب جادو يكتب: “لهو الإله الصغير”.. جماليات النص والسرد لدى طارق الطيب

تحاصرك الحيرة حين تفكر في تناول عمل إبداعي بدأ بالأسطورة والخيال وانتهى بك في أرض الواقع عاجزاً عن التأويل والإدراك في أي الأزمان كنت ، وفي أي الأماكن تركت. هكذا هي كتابات د. طارق الطيب الروائي والقاص والشاعر السوداني الأصل و المصري المولد و النشأة، المقيم حالياً في ” فيينا ” بالنمسا يعمل محاضراً في فلسفة الاقتصاد وأخلاقياته في ثلاثة جامعات كبرى بها.
وقد تتعجب كيف لمن تعمق في هكذا أبحاث أكاديمية أن يأت لنا بمثل تلك الإبداعات الأدبية المتنوعة، فتخرج لنا بهذه الصورة اللافتة من الجودة و البراعة.
لطارق الطيب مجموعتان فصصيتان ” أذكروا محاسن ” و ” الجمل لا يقف عند إشارة حمراء” وخمس روايات ” مدن بلا نخيل ” و ” الرحلة 797 المتجهة إلى فيينا ” و ” بيت النخيل ” و ” وأطوف عارياً ” و ” لهو الإله الصغير ” إضافة إلى خمس مجموعات شعرية بدأت بـ ” حقيبة مملؤة بحمام وهديل ” وآخرها ” مايسبق الواو ” ، كما أن له مسرحية واحدة هي ” الأسانسير” وهنا يتبين لنا كم أن هذا المبدع الكبير يحاول التجريب في شتى أجناس الكتابة الأدبية ويسير في طريق الكتابة بدراية ومهارة لا تخفى عن القارئ أو الناقد المجتهد.
في آخر أعماله الروائية ” لهو الإله الصغير ” جسد لنا ” طارق الطيب ” ذلك الصراع بين الميثولوجي و الإنساني ، المتخيل و الواقعي ، من خلال حكاية بطلها ” شمس ” ذلك الشخص الذي يقع ضحية لدعوة أو أمنية أطلقها في ساعة ضجر فتلقفها ذلك الإله الصغير ” لاهي” وحققها له بينما كانت غايته أن يحقق لذاته العلوية ما تصبو إليه من لعب ولهو بذلك البشري الذي وجد فيه ضالته المنشودة.
” يارب خذ كل هؤلاء البشر في داهية !! ”
جملة يطلقها الكثيرون في ساعات السخط و الحنق ، لكنها هنا كانت بداية الحكاية إذ أفاق شمس، بطلنا، على عالم قد اختفى منه كل البشر، وعلى غير العادة يخلو من الأصوات والألوان والصور، حتى ماكان منها انعكاساً لصورته هو في المرآة. فكرة تبدو وكأنها من أساطير الإغريق العبثية لكنها وظفت لتبدو منطقية ، يمتزج فيها لهو الآلهة السماوية بأقدار البشر الأرضية ، فهل كان ” شمس ” في حاجة لأن تزيد معاناته في اغترابه وعزلته من خلال هذه المحنة المفاجئة ؟!
يروي لنا طارق الطيب تلك الحكاية من خلال ثلاثة من الساردين ، البطل ، و العارف ، والكاشف ، ولكل منهم زاوية للرؤية ، و قدرة خاصة على التأويل و الحكي ، فللعارف درجة اقترابه و اقترانه التي لا يدانيها أحد وهو بالتالي يستطيع سرد الأحداث و استدعاء الذكريات بقدرة تفوق قدرة ” شمس ” ذاته إذ أن ذاكرته قد تلاعب بها ذلك الإله الصغير فجعلها تبدو مغيبة و مغبشة، كما أن الكاشف و هو المقترب من السماوات وما فيها من أقدار تصاغ و تعد له من الملكات و نفاذ البصيرة ما يجعله قادراً بشكلٍ مغاير على التأويل و التفسير للأحداث و مجريات الحكاية. أما الحكاية ذاتها فربما تريد أن تطرح لنا تساؤلاً من نوع آخر عن حقيقة الذات و الهوية وربما الحرية ، مالذي تستطيع أن تفعله أو تحسه إن تملكت كل الحاضر بينما يتلاشى الماضي منك شيئاً فشيئاً و تسيطر عليك مشاعر الخوف و التوجس من المستقبل المجهول وقد صرت وحيداً في مدينة تخلو من البشر إلا أنت ، تمتلك فيها كل الحوانيت و الشوارع و القصور و الأشياء إلا أنك لا تمتلك رفيقاً واحداً يشعرك بوجودك المختفي حتى من انعكاس صورتك في المرآة !
لقد عاش ” شمس ” الذكر الوحيد بعد ستة من الأخوات الإناث أزمة الإحساس بالمزية و التدليل من الأب ” راني الطبال ” و أمه ” بستان ” ، تلك الحالة التي تسري في الشرق مسرى الدم في العروق بحثاً عن ذلك الذكر الحافظ لإسم العائلة، المجدد لإرثها، والسند المتوقع بعد أن تذهب البنات كل لبيت زوجها بعيداً عن بيت العائلة. تلك الإشكالية التي لا يعرفها الغرب ولا يؤمن بها بينما هي في الشرق قديمه وحديثه قــانون الحياة وعرفها السائد. وما بين الشرق و الغرب يتيــه ” شمس ” وتغيب ذاته فيظل باحثاً عنها طوال الرواية ، يحاول جاهداً استعادة ذاكرته الضالة و يتملكه التساؤل عن هويته التي تتشكل له شيئاً فشيئاً كما أراد طارق الطيب ، وكأنه ـ أي الراوي ـ يريد أن يقنعنا بأن تلك الهوية هي مسألة جدلية ، لا تخضع للقوالب الجامدة ولا التعريفات النمطية وإنما هي كائن قابل للتكوين و التشكيل و التفاعل حسب المعطيات و مجريات الأمور الحياتية.
وبعيداً عن فكرة الإقحام المدروس للساردين العارفين و الكاشفين للحكاية ، وما تحمله من جمال الرؤية و تكامل الصورة نرى أن هناك جمالاً آخر يطل برأسه من خلال اللغة الشاعرة التي يكتب بها ” طارق الطيب ” فهو الشاعر الحكاء ، والحكاء الشاعر ، الذي لا تختلف لغته عن لغة أهل الجنوب حين يعيش بينهم اللقطة والحدث ، وهو الشمالي العصري حين يجوب شوارع فيينا و يخترق بوابات قصورها ، يطالع لوحات فنانيها و منحوتاتهم فيعبر عنها كأفضل ما يكون الفنان التشكيلي ويصف دقائقها كأفضل ناقد أو باحث في علوم و جماليات الفن الغربي. وربما نجد الراوي/ الكاتب ينساق لشاعريته دون أن يشعر فيأت لنا بتلك الجمل القصيرة التي تبدو أبياتاً من الشعر حين يصف لنا حالة ” شمس ” وهو يصارع ذاكرته محاولاً استعادة ما بها من صور فيقول :
ها هو الحلم يتكرر الآن على هذه الأرض العتيقة !
أنا هنا إذاً،
أصارع ذكرياتي
لا
لا أصارعها
أترجاها و أتوسل إليها أن تتنزل على رأسي
رأسي الذي غطيته الآن بهذا المنديل
طارق الطيب .. روائي يكتب القصة والرواية بروح الشعر ، وربما ينظم الشعر كذلك بسمت الرواية ، وهنا يتجلى جمال النص المكتوب الذي يخلص له الكاتب ، يطرح من خلال كتاباته العديد من القضايا دون أن يشعرك بالضجر ، وربما هو يلهو معك كما كان ذلك الإله الصغير يفعل ، يداعب أحاسيسك ، و يدغدغ مشاعرك ، و يستنفر فضولك ، في ” لهو الإله الصغير ” ترى من كان ” شمس ” ؟! ..
أهو الكاتب أم أنت ، أهو الذكر أم الأنثى ، أهو الباحث عن الحقيقة و العلم في بلاد الشمال أم ذلك الجنوبي الحالم الذي لم يغادر بعد أرض الوادي و مدن النخيل ؟
عليك أنت البحث عن إجابة ترضيك ، حاول قدر استطاعتك ، فذلك ما يريده منك !

جريدة القاهرة