أخبار عاجلة

تستلقي لينام.. ننشر إحدى قصص الكاتب محمد عبدالمنعم زهران

ينشر الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب، قصة “تستلقي لينام”، وهي إحدى قصص مجموعة “هندسة العالم”، للقاص الراحل محمد عبدالمنعم زهران، والمجموعة هي آخر مجموعاته القصصية الأربع، صدرت عام 2020، عن دار منشورات المتوسط_ إيطاليا.

“تستلقي.. لينام”

  أنت فقط تريد أن تنام يا “بيومي”..
هكذا ببساطة استقليتَ على فراشك هذه الليلة في الموعد المعتاد وأغلقتَ عينيك بعد أن أظلمت حجرتك. وظللت هكذا بانتظار أن تنام، ولكنك لم تنم. حاولت أن تسترخي، وخرج صوت تنفسك منتظمًا وظننت أن هذا فقط كافٍ لتنام! هل تندهش الآن لأن النوم جافاك؟ لماذا تصر على إغلاق عينيك؟! هيا هيا.. انهض لأنك لن تستطيع أن تنام أبدًا!
قرر “بيومي” أن ينام متجاهلًا ذلك الصوت الذي يؤكد له أنه لن ينام، وبعد محاولات عديدة ومضنية بدا في النهاية غير قادر على النوم. كان يجهل السبب الذي حال بينه وبين النوم، وهذا الصوت الغامض الذي يقرر أنه لن يستطيع النوم لم يكن يعرف مصدره تحديدًا! إذا كان يريد أن ينام فليفعل ذلك الآن دون أدنى شعور بالقلق، فليفعل هذا بإرادة كاملة تمكنه من تجاهل كل شيء، حتى هذا الصوت الشيطاني الذي يؤرقه!  لقد فعل كل ما يمكن تخيله لنوم هادئ رائق، أخذ حمامًا دافئًا أنعشه بعد يوم عمل طويل ومضجر، وأعد عشاءً خفيفًا، تناوله بينما يشاهد فيلمًا رومانسيًا، ووضع ماءً ليغلي لأنه قرر أن يشرب شايًا بالنعناع الأخضر كما يفضله. فكر “بيومي” في سجائره، وتذكر أن هناك سيجارة وحيدة بالعلبة، قرر أخيرًا أنه سيكتفي بها حتى لا يضطر للنزول إلى الشارع مرة أخرى لشراء واحدة. وصب الشاي في فنجان وحمل الفنجان إلى الشرفة ليستمتع بتدخين سيجارته الوحيدة. بعدها أغلق الشرفة واتجه لغرفة نومه، استلقى وأمسك مجلة رياضية وقرأ تفاصيل العناوين الرئيسية التي مر عليها بسرعة في الصباح. كل هذا فعله لأجل أن ينام نومة هادئة. وعندما أحس أنه على وشك النوم ألقى المجلة جانبًا وأطفأ المصباح واستلقى لينام.
انهض انهض .. قلت لك إنك لن تستطيع النوم، تقلب كما تشاء، انهض وافتح نافذة ربما لأن الهواء خانق والليلة حارة شديدة الرطوبة، جرب أيضًا أن تزيد سرعة مروحة السقف لتصل إلى سرعتها القصوى؛ لأنك تظن أن هذا سيساعدك على النوم الذي لن تراه في هذه الليلة يا “بيومي”. تذكر كلامي جيدًا وحاول أن تنام مجددًا! لن تستطيع أبدًا!
بالتأكيد هناك شيء يؤرقه، شيء يُنغص عليه نومه، ويجعله يتقلب هكذا باستسلام سمكة تشوى على نار هادئة، مفتوح العينين يحدق إلى لا شيء! ربما “أمل” هي السبب، فالحب وحده هو الأمر الوحيد الذي يجعل المرء تعسًا بهذه الصورة البائسة. لم يكن باستطاعته أن يحدد بصورة نهائية إذا ما كان يحبها فعلًا، لذا قال لها منذ أيام إنه لن يكون مناسبًا لها أبدًا، وإن عليها أن تنتظر مشاعر حقيقية من شخص ملائم، فسمع صوت بكائها في الهاتف، كما قرأ رسائل متوسلة منها تدفعه إلى معاودة التفكير في أنها ربما تكون المرأة الملائمة له؛ لأنها على يقين من أنه الشخص الملائم تمامًا. أصابه اضطراب وبدأ يفكر في أن الارتباط بامرأة تفتقر إلى جمال مقبول كـ “أمل” لن يكون مناسبًا له أبدًا. لا يمكنه إنكار أنها طيبة وعطوفة إلى أبعد الحدود، كما لا يمكنه نسيان مساعداتها المالية المستمرة لأنها تدرك صعوبة الحياة بالنسبة لموظف بسيط. بعد تفكير طويل اعتدل وجلس على الفراش واتصل بها، وبصوت هادئ قرر لها في يقين أنه يحبها، وبين ثنايا الكلام الكثير استطاع أن يبث إليها مشاعر رومانسية عميقة جعلتها تغيب في إحساس نشوة حقيقية، واستلقى لينام سعيدًا.
ولكنك لن تستطيع النوم رغم ذلك! أنا أفهمك جيدًا وأقول لك الآن بحسم إنك لن تنام! تجاهلني كما تشاء، ولكنني موجود، وأفهم كل شيء! أفهم أنك وفور أن أغلقت الهاتف معها عدت لتفكر بأنك ربما لا تحبها فعلًا! وتدافعت من رأسك المستريح على الوسادة أفكار سيئة بحق، عن كونك تتلاعب بها، وشعرت بخزي لا يطاق حين اعتقدت أنك تستغلها، هل تستغلها فعلا يا “بيومي”؟! أنت بالتأكيد تؤنب نفسك الآن لأنك سمحت لها أن تقرضك مبالغ كبيرة وبصورة متواصلة، وربما تفكر الآن في طريقة مناسبة لتعيدها إليها، على الأقل لتستطيع أن تقرر بحيادية: هل تحبها بصدق؟ بإمكانك أن تفعل ذلك ببساطة، إنها فقط درجات سلّم عليك أن تصعده درجة درجة، وستفضي بك في النهاية إلى النوم المريح، أنصت إليّ: قابلها في المطعم المعتاد، وكن مصرًا على أن تدفع أنت هذه المرة! وبينما تشربان الشاي بالقرنفل ضع أمامها على المائدة كل ما اقترضته منها، ضعه ببساطة وحزم لا يفتح بابًا للجدال المعتاد، إياك أن تضعف أو تلين، قل لها بصراحة إن هذه هي أول درجة في سلم سيفضي إلى أن تحبها بصدق. وتأكد أنها ستحترم هذا، وستحبك أكثر!
الحب و”أمل” والاسترخاء المريح، كل هذا جميل وسيساعده على نوم هادئ. لا ينبغي أن يفكر في أي شيء آخر، فالتفكير قاتل للنوم، عندما يبدأ التفكير؛ يذهب بعيدًا جدًا ولا يستطيع النوم أن يلاحقه، إذ كيف بإمكانه أن ينفذ عبر هذه الشبكة المعقدة التي تخيم على رأسه، شبكة هائلة من خيوط عنكبوت لزجة، تومض بأحاديث ووجوه وأوراق وأختام ومظاريف فنية وأخرى مالية، يهرب أحيانًا إلى كهف الحب هناك في عمق الشبكة، هذا الذي يدخل إليه ليهدأ قليلا في أوج خيالات جنسية ناعمة، ثم يخرج مضطرًا مرة أخرى لتعاوده التوقيعات وكشوف الأسماء والفواتير والبطاقات الضريبية.. مسكين يا “بيومي”، ومسكين كل محاسب على هذه الأرض؛ لأنه يتعرض لضغوط تفوق طاقة البشر، ناهيك عن المسئوليات والتحقيقات لدى أقل خطأ، ولكنه سيستطيع الاعتياد على هذه الأجواء المشحونة شيئًا فشيئًا، وبقدر بسيط من الطاقة سيملك القدرة على الفصل بين أجواء العمل وأجواء الراحة في البيت، ليتمكن فقط من النوم المريح، حاول الآن أن تنام سعيدًا لأن هناك امرأة جيدة تحبك.
هذا عناد ليس إلا! قلت لك إنك لن تنام، وقلت لك إن هناك سلمًا عليك أن تصعده درجة درجة، ورغم ذلك تصر على الاستلقاء هكذا كملاك بريء لا يفهم، ليكن! سأجاريك الآن، أغمض عينيك كما تحب، لنتخيل فقط أنك تتهيأ للنوم، فيم تفكر الآن؟ أنت تعيد الحسبة مرة أخرى، ثلاثة آلاف جنيه قيمة ثلاث ندوات لم يتم تنفيذها أبدًا ولا أحد يعرف عنها شيئًا، وخمسمائة أخرى بدل سفر لم تسافره أصلًا، هذا كله يساوي ثلاثة آلاف جنيه وخمسمائة تقبع الآن في أعلى رف بدولاب ملابسك، مقابلها توجد فواتير وتوقيعات على إيصالات وخطوط سير كلها وهمية في ملف تسوية عهدتك المالية. لقد راجعها المراقب المالي بروتينية لثقته الكاملة فيك، لأنك -زيادة في توكيد نزاهتك- أخرجت صورًا لندوات أخرى قديمة كانت لحسن حظك خالية من التاريخ. أنت لن تنام أبدًا يا “بيومي” برأسك المسجون وراء قضبان، تتلفت الآن متوجسًا مرعوبًا بينما تستلقي على فراشك وتغلق عينيك كمن يتهيأ لنوم هادئ، ولكنك لن تستطيع النوم. كنت تظن أنه الهواء الساخن كلفحة فرن خارج نافذتك أو الرطوبة القاتلة التي لم تُجد معها مروحة تدور بسرعتها القصوى، الأمر الذي يضايقك أنك تفعلها لأول مرة، أنت الآن تشعر بأنك ترقد على شوك يوخز جسدك ويمنعك النوم، شوك مرير في مرارة إحساسك بأنك محض لص يسرق مؤسسته. آآآآه أخيرًا تفتح عينيك الآن، تفتح عينيك لتنصت إليّ أو ربما لتنصت لصوت آخر بداخلك يؤنبك ويمنعك النوم يا “بيومي”، هذه هي الحقيقة الكاملة. جميل أن تفتح عينيك ربما لتفكر في إنهاء هذا كله، ولتقرر أخيرًا أن تصعد بطمأنينة وصدق الدرجة الثانية في السلم، سيكون عليك أن تستقيظ مبكرًا، وعبر سلسلة اتصالات هاتفية ستتمكن من تجهيز الأماكن وطبع اللافتات وترتيب المحاضرين وإعداد المشروبات. وفي تمام الثانية عشرة ظهرًا ستبدأ الندوات الثلاث واقعيًا هذه المرة. وبعد أن تنتهي ستعود إلى عملك، سيدهشك رأسك الذي ينتصب قائمًا في الهواء، وستذهلك أقدامك الواثقة عندما تجلس إلى مكتبك، لتضع فواتير حقيقية وصورًا حقيقية في ملف تسوية عهدتك المالية. وستضع قدمًا على قدم وأنت تتحدث مع المراقب المالي الذي سيستشيرك في أمر فواتير مزورة لمحاسب لص في فرع المؤسسة الآخر.
يبدو أنه الآن في طريقه لمعاودة نومه الهادئ والهانئ؛ لأن أنفاسه انسابت هادئة فور أن توقف عن التفكير في حساباته المرهقة، أخيرًا ذابت خيوط العنكبوت الخانقة لأنه استطاع ترتيب كل الأشياء العالقة في ذهنه. رتبها ووضعها في أماكنها المحددة.
لن أقول إنك لن تنام مجددًا بعد الآن. أعتقد أنك قد وصلت للدرجة الثالثة والأخيرة، درجة الصفاء والراحة التي ستمكنك من النوم الهادئ، أتعرف! لقد أصبتني بإجهاد طوال هذا الوقت الذي قضيناه في الصعود البطيء على الدرجات.. آآآآه.. لذا أعتقد أنه بإمكاني النوم أيضًا.
وأخيرًا ذهب هذا الصوت الغامض الذي كان يمنعه من النوم، والذي كان يقرر بكل تبجح أنه لن ينام. لهذا فقد تقلب “بيومي” للمرة الأخيرة ليدفن وجهه بارتياح في الوسادة الناعمة، بعد أن أجرى اتصالًا آخر قصيرًا، ليطلب من المرأة التي تحبه ثلاثة آلاف أخرى، بجانب الثلاثة والنصف الأخرى التي تسكن أعلى رف في دولابه. الآن يغلق “بيومي” عينيه بصورة حقيقية، يغلقها بارتياح وسكينة غابت عنه طيلة ليلة حارة هواؤها خانق ومشبع بالرطوبة، بينما أتوقف فعليًا عن سرد حكايته التي انتهت بالنسبة إليّ، وأظن أنه لن يكون بإمكاني مواصلتها؛ لأنه وخلال يومين على الأكثر سيشتري “بيومي” جهاز تكييف هواء لغرفة نومه. بدءًا من هذه اللحظة، كلما قرر أن ينام سيذهب فقط للفراش، ويستلقي ببساطة؛ لينعم بنوم سريع جدًا.

جريدة القاهرة