أخبار عاجلة

مروة الشريف: جهود عظيمة لرواد التحقيق في الوصل بين الماضي والحاضر

في كلمتها التي شاركت بها في مؤتمر “التراث وترسيخ الهوية”، الذي أقامته دار الكتب والوثائق القومية، تناولت مروة الشريف، الباحثة بمركز تحقيق التراث “جهود رواد التحقيق في عقد حلقة الوصل بين الماضي والحاضر” وركزت على “جهود عبد الحميد صبره” أنموذجا.
وأكدت أن الحضارة الإسلامية تعرضت لمحاولات اقتصاص واغتيال من سياقات التاريخ الحضاري العالمي, وكذلك تعرضت الإنجازات العلمية العربية الإسلامية للانتقاص أو الإنكار, وبخاصة في الفلك والطب والهندسة والرياضيات. ومن جانب مؤرخي العلوم, وفلاسفة التاريخ, أكثر مما هو من جانب المستشرقين, الذين ما كانوا يجيدون التعرف عليها في أي حال.

إلا أنّ الأمر تغير تغيراً كليا بعد الحرب العالمية الثانية وعلى مستوى الدراسات النظرية والتاريخية, كما على مستوى النشرات العلمية للنصوص الطبية والفلكية والرياضية وعلوم النبات والحيوان. وبسبب التقدم في مجال نشر النصوص, حدث تقدم في الدراسات في شتى المجالات، وصولاً إلى إمكان كتابة الموسوعات, وكتابة تاريخ للطب العربي أو للفلك العربي أو لعلم المناظر أو للكيمياء أو الرياضيات… وغيرها.
وأضافت دكتورة مروة أن التراث العلمي والفلسفي والثقافي العربي الإسلامي هو اليوم جزء أساسي في تاريخ العلم والثقافة في العالم.
واستعرضت إسهامات عبدالحميد صبره، قائلة إنه وضع العديد من المؤلفات والترجمات باللغتين العربية والإنجليزية فضلا عن تحقيقاته الرائدة في التراث العلمي العربي، حيث تُمثل هذه المؤلفات أساس رصين لأجيال جديدة من مؤرخي العلم تساعدهم على فهم التراث العلمي العربي فهما صحيحا.

وقد التفت بالفعل صبره إلى العلم في العالم العربي وقضى ما تبقى من عمره في إعادة النظر في مفهوم الثورة العلمية، وتصحيح الظن الذي قد يعتقد أن التطور العلمي نشأة وتطور منبعه غربي.
وقد ساهم صبره في العديد من الترجمات كإسهاما منه في تلاقي الحضارات، أذكر له من تلك الترجمات:
ترجم عبد الحميد صبره كتاب كارل بوبر عقم المذهب التاريخي وذلك عام1959, وكانت هذا الترجمة هي أول اتصال مباشر بين كارل بوبر والعالم العربي.
وعن إسهاماته في تحقيق التراث: فهي متنوعة وعديدة أضاءت الطريق للعديد من الباحثين شرقا وغربا الطريق إلي فهم تاريخ العلم بوجه عام وتاريخ العلوم العربية علي وجه الخصوص, بحيث وجدوا ضالتهم وأعادوا اكتشاف حقيقة ساطعة وهي أن العقل الإنساني بما هو إنساني هو الذي أبدع العلم, وهو الذي رسم معالم وأحداث تاريخ العلم ذاته. لهذا ليس غريبا أن نجد عبد الحميد صبره يؤكد في كتاباته أن دراسة تاريخ العلم لا تتم بمعزل عن السياقات الثقافية والسياسية والاجتماعية التي تساهم في تقدم العلم والتفكير العلمي, أو تؤدي إلي تدهور العلم وسيادة الخرافة واللامعقول. وقد ترجم بعضها إلى اللغة الإنجليزية. خاصة كتابات الحسن بن الهيثم، الذي نبغ في القاهرة بجانب اشتغاله بالفلك والرياضيات ونبوغه في علم البصريات، بنزعة تجريبية، لها الفضل في تغيير وتطوير الأفكار المتصلة بالمنهج العلمي في أوربا والعالم أجمع.
وقد حقق صبرة كتابات ابن الهيثم في الضوء “المناظر” .
وقد عارض نظرية بيير دوهام التي تقول بأن الثقافة الإسلامية لم تُضف أو تحافظ على العلوم اليونانية القديمة، ولكنها استخدمتها وعدلتها، فكان بمعارضته تلك منهجيا عادلا مُنصفا بمنهج علمي عن تاريخ العلوم. وجاء بحثه “الاعتماد وتطوير العلوم اليونانية على أيدي المسلمين في العصور الوسطى”. وله العديد من اللقاءات التلفزيونية المصرية، والمقالات التي تحدث فيها عن أهمية دراسة تاريخ العلوم، أذكر منها:
على أعتاب الكون، رأي جديد في العلم ومنهجه،
“لمحة في تاريخ العلوم عند العرب” وتحدث فيه عن تاريخ العلوم عند العرب وأنه يرجع إلى القرن الثامن الميلادي إلى نهاية القرن 14 أو بعده بقليل.

يذكر أن  عبد الحميد صبره، عالم فكري أكاديمي، حياته مليئة بالتحولات الفكرية والأكاديمية، فقد درس الفلسفة في جامعة الإسكندرية وتخرج عام 1947، ثم أُرسِل في بعثة دراسية للمملكة المتحدة؛ حيث درس تحت إشراف الفيلسوف الإنجليزي، كارل بوبر، في كلية الاقتصاد بلندن، وقد كان لكارل تأثير كبير على تحول عبد الحميد صبره من الفلسفة إلى فلسفة العلوم، بعدما استمع إلى محاضرة ألقاها كارل بوبر عن ألبرت أينشتاين، وحصل صبره بعد ذلك على الدكتوراة عام 1952 في موضوع البصريات في القرن السابع عشر.
وقد حصل على العديد من الجوائز والأوسمة، وأبرزها وسام جورج سارتون الذي ناله من جمعية تاريخ العلوم عام 2005. وقد توفي عام 2013، بعد أ ترك تَرِكة من العلم للمكتبة العلمية.

جريدة القاهرة